قراءة محايدة في خارطة المملكة ج1

 

    على الصعيد الدولي، كان التغيير الحادث في العلاقات بين ال سعود لا يمثل في الواقع تغييراً فيها بقدر ما هو عودة إلى السياق المعتاد في زواج المصلحة، الرابط بين الجانبين بعد فترة من توتر جليدي طرأ عليها بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
 عودة المياه إلى مجاريها بين البلدين تطلّـبت في الواقع تأقلم الجانبين مع معطيات الوضع الدولي الجديد: فالمملكة كان عليها أن تتأقلم مع معطيات عالم ما بعد 11 سبتمبر، والولايات المتحدة كان عليها أن تقبل بإفرازات عالم ما بعد احتلالها للعراق.
 كان على الرياض أن تُـدرك بأن دورها الإستراتيجي خلال الحرب الباردة في دعم حركات الإسلام السياسي الضروري لمواجهة الأيديولوجية الشيوعية، لم يعد مرغوباً فيه، بل كان مُـضراً للولايات المتحدة ولها على حدٍّ سواء.
 فالخطر الشيوعي زال، والتحدّي الفعلي أصبح يتمثل في كيفية مواجهة الحركات الإسلامية التكفيرية، ولم يحسم التردد الذي أبدته الرياض في التعامل مع هذا الملف سوى تفجيرات مايو 2003، والتي أظهرت للمملكة بوضوح أنه عندما يتعلق الأمر بهذا الخطر، فإنها تقف مع واشنطن في نفس الخندق.
 واشنطن بدورها كان عليها أن تتخلى عن النزعة المثالية في سياستها الخارجية، وتعود على أدراجها من جديد إلى الواقعية في التعامل مع الأنظمة العربية الشمولية بعد فشلها الذريع في خلق العراق الجديد، الذي كانت تأمل في ترويج نموذجه "الديمقراطي" للدول العربية.
 فعجزها عن السيطرة على العنف الطائفي الدائر في البلاد، وتأرجح الأخيرة على شفا حرب أهلية، جعلها هي الأخرى تُـدرك أنه لا مفر من اللجوء إلى حليفتها القديمة، خاصة وأن تلك الحليفة تبدو مصمِّـمة على ضخ المال للقبائل السُـنية العراقية دعماً لهم في مواجهة إخوتهم من الشيعة، في إجراءٍ تعتبره ضرورياً لمواجهة المدّ الشيعي في المنطقة. إدراك الجانبين لحتمية تحالفهما لا يعني عدم اختلافهما.
 فالتحركات الدبلوماسية الكثيفة بين الجانبين في عام 2006، والذي تحولت معه الرياض إلى قِـبلة لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس، لم تنجح في إخفاء الضغوط التي تمارسها واشنطن على الرياض، كي لا تعرقل جهودها في العراق، كما لم تمح القلق الذي تشعر به الرياض حيال إمكانية انسحاب سريع لواشنطن من العراق قد يفتح أبواب جهنم على المنطقة.
 زواج مصلحة هو، لا يتسم كثيراً بالحب المتبادل، بقدر ما هي مصالح مشتركة تدفعهما إلى البقاء معاً رغم التوجس. على الصعيد المحلي، بدت الصورة متنوعة الأطياف ومتحركة. فالسكون ليس السِّـمة الغالبة على عام 2006 في المملكة. عجلة التغيير تحرّكت على أكثر من محور، أحدها كان القرار الملكي، الذي أصدره الملك عبد الله في 20 أكتوبر بتعديل النظام الأساسي (دستور الملكية المطلقة) وتشكيل نظام هيئة البيعة، وهي لجنة مكوَّنة من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز وأحفاده، وتتولى مهمة الاقتراع على اختيار وأهلية ملوك وولاة عهد المملكة في المستقبل.
كما هو معتاد مع قرارات العائلة المالكة، لم يصدر أي تفسير أو توضيح لملابسات القرار، لكن الجلي هو أنه يعكس رغبة في فتح الباب أمام أحفاد الملك عبد العزيز للترشح لمنصب الملك، الذي ظل حِـكراً على الإخوة من أبنائه منذ وفاته عام 1953، كما أنه أبرز أن مسألة ترشح وزير الداخلية الأمير نايف لنيابة ولاية العهد، ليست محسومة على الإطلاق. وفي ظل غياب أية مؤشرات على حجم إجماع أجنحة العائلة المتنافسة على المرسوم الملكي، فإن المؤكد أن قرار الملك عبد الله أضفى قدراً من الغموض على ما يمكن أن يحدث بعد تولي الأمير سلطان منصب الملك، خاصة وأن قراراً ملكياً أصدره العاهل الحالي، يمكن ببساطة، إلغاؤه بقرار ملكي مضاد من العاهل الجديد. ارتفاع أسعار النفط المتزايد، والذي تجاوز معه سِـعر البرميل ال 70 دولار، كان فرصة ذهبية أخرجت نظام ال سعود من الأزمة المالية الخانقة، التي عانى منها خلال التسعينات وبداية الألفية الثانية، والتي هدّدت بانفلات زمام المملكة في ظل سخط اجتماعي متزايد. ما هو جديد في هذه الطفرة النفطية غير المتوقعة، هو ردة فعل حكومة ال سعود نفسها، والتي تبدو عازمة على تلافي بعض الأخطاء التي وقعت فيها في السابق.
 بنفس النسق، عمدت الحكومة إلى استخدام ورقة الخطط التنموية بشكل مدروس، يهدف أساساً إلى ضمان الولاء السياسي في اقاليم المملكة على سبيل المثال، علاوة على المشاريع الزراعية الجارية في المنطقة الشرقية، تعتزم غرفة التجارة الشرقية إنشاء شركة سياحية كبرى برأسمال مليار ريال، لتقدم 160 ألف فرصة عمل للشباب والفتيات في القطاع السياحي.

 

 

 

 

 

تقارير
  مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء
 

نجد 2004