|
ارتبط اسم الكاتب توماس ليبمان الباحث المساعد بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن والمدير لسابق لمكتب الشرق الأوسط بصحيفة واشنطن بوست، بموضوع العلاقات بين الولايات المتحدة وال سعود.
نشر توماس من قبل عدة أعمال تتناول نفس الموضوع كان أهمها كتاب "داخل السراب: علاقة أميركا الهشة مع المملكة " الذي صدر عام 2003 ، وفي شهر نوفمبر من العام الماضي نشر ليبمان مقالا في دورية ام أي آي بروسبيكتيف تحت عنوان حل لغز الخلافة (السعودية) تناول فيها اختيار الملك عبد الله نظاما جديدا لخلافة الملك وتولي نظام الحكم. ويبدو أن لغة المقال كانت في التعامل مع عائلة
آل سعود كانت شديدة مما جعل ناشر المقال ينوه إلى أن هذه الأفكار ووجهات النظر الواردة فيه خاصة بالكاتب المذكور أعلاه فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر معهد الشرق الأوسط، الذي لا يتخذ وبوضوح أي مواقف تجاه سياسة الشرق الأوسط.
يبدأ الكاتب مقاله بالقول إنه إذا كان ثمة شيء أظهرت العائلة الملكية الحاكمة مهارتها فيه، فهو القدرة على الاحتفاظ بخصوصياتها.
وقد أظهر أمراء آل سعود براعتهم في هذا المجال مرة أخرى الشهر الماضي عبر مناورة سياسية بارعة لم تنتبه لها كثير من وسائل الإعلام بسبب الكوارث في العراق، لكن قد يكون لها دلالة بعيدة المدى والتأثير على منطقة الخليج والولايات المتحدة.
لقد أعلن الملك عبد الله نظاما جديدا لاختيار ملوك المستقبل ليضمن انتقال الحكم بصورة سلسة وقتما يشغر مقعد الحاكم.
فقد أصدر قانونا جديدا يحمل اسم "مؤسسة الولاء" لإخفاء أي حالة وفاة للملك، أو وفاة الملك وولي العهد في آن واحد، أو عدم القدرة المؤقتة على أداء المهام بسبب المرض، أو العجز الدائم.
قد تكون تلك الأخبار مشجعة فقط بالنسبة لهؤلاء الذين يرغبون في رؤية استقرار سياسي واقتصادي على المدى الطويل في هذا البلد الحيوي.
لكنها قد لا تكون كذلك بالنسبة لهؤلاء الذين يؤمنون بالترويج للإصلاح السياسي في العالم العربي، لأن هدف عبد الله من هذه الخطوة هو حماية الملكية وليس الكشف عن العملية السياسية في البلاد.
فالهدف هو ليس منح المواطنين حق اختيار زعيمهم، بل تقنين النظام غير الرسمي الموجود بالفعل الذي يمنح الملك وإخوته النفوذ المطلق لتسمية الشخص التالي في ترتيب العرش، دون تقديم أي تفسير أو إيضاح لقرارهم.
الإجراء الجديد في اختيار الحاكم أكثر شبها باختيار الحبر الأعظم للكنيسة الكاثوليكية، الذي يتم في اجتماع سري مغلق بين زعماء الكنيسة، من أي نظام ديمقراطي.
وكما هو الحال لبعض الكارادلة، الذين يعتقد أنهم مناسبين لشغل هذا المنصب في حال أن يصبح شاغرا، كذلك لا يخوض سباق الملوك المستقبليين من بين أبناء وأحفاد عبد العزيز بن سعود المؤسس ، سوى عدد قليل فقط.
ولا يملك أحد من خارج عائلة آل سعود معلومات حقيقية عن الأسماء التي قد تتضمنها القائمة.
فأي فكرة للباحثين أو محللي معاهد البحث حول هرم الخلافة، ما هي إلا تصورات.
وقد ذكر السفير السابق لدى واشنطن تركي الفيصل، الذي يشير إلى نفسه في بعض الأحيان على أنه ملك محتمل في المستقبل، لمجموعة من الحضور في واشنطن في 30 أكتوبر أن القانون الجديد يقدم "عقدا بين الحاكم والمحكومين.
إذ يلزم الحاكم نفسه بحماية أرواح وممتلكات المحكومين ودعمها وتحسين مستوى معيشتهم، في حين يلزم المحكومون أنفسهم بحماية الحاكم ومناصرته وطاعته في كل شيء فيما يرضي الله".
ولم يذكر كيف ألزم المحكومون أنفسهم بهذا الإلتزام بالطاعة مع الحقيقة التي تقول بأنهم ليس لديهم خيار آخر.
لن يعني هذا الأمر الكثير بالنسبة لصناع القرار الأميركيين، الذين سوف ينظرون إلى القانون على أنه نوع من تخفيف حدة الأوضاع لأنه يحد من مصادر المشاكل المحتملة في المملكة ، أما رد الفعل العام فليس له مجال هنا.
فقد أصبح من الواضح بعد لقاء الملك عبد الله الرئيس بوش في مزرعته بتكساس في إبريل عام 2005 أن واشنطن لن تمارس ضغطا على
آل سعود من أجل تحرير سياسي، لأن نظام ال سعود له أهمية بالغة على أصعدة أخرى.
إذ أقنع ال سعود الرئيس بوش ومستشاريه بأنه جزء من الحل فيما يتعلق "بالحرب على الإرهاب" وليس جزءا من المشكلة، ومن ثم فإن الاستقرار يسبق الإصلاح، كما كان الحال دائما على مدى الستين عاما من التحالف بين ال سعود والولايات المتحدة.
وفي حال شك أي فرد في أن المملكة تعتبر نفسها خارج نطاق مطلب الرئيس بوش بالتحول إلى الديمقراطية في العالم العربي، فقد أعلن الأمير تركي قائلا "لسنا في عجلة لتجربة التفسير الأجنبي للديمقراطية أو أساليب الحكم".
وحتى صدور القانون الجديد كان السؤال حول من سيصبح ملكا بعد الملك عبد الله وخليفته المسمى الأمير سلطان، وزير الدفاع، مصدر قلق متزايد بخصوص مستقبل الملكية.
فالرجلان تخطيا الثمانين من العمر، وبات معروفا أن الأمير سلطان يعالج من مرض السرطان، ولم يتم اختيار أحد لخلافتهما في مقعد الحكم.
والرجلان، مثل العديد من الأمراء الكبار، جميع أبناء الملك عبد العزيز، لديهم أبناء كثيرون في مواضع نفوذ يتطلعون إلى الوصول للحكم بعد غياب الأمير سلطان عن الساحة. أما بالنسبة للغرباء فإن السباق المحتمل بين الأمراء من "جيل الأحفاد" قد يطرح سؤالا حول تماسك عائلة آل سعود، ومن ثم استقرار البلاد.
من الواضح أنه لا يوجد تهديد وشيك آخر لحكم عائلة آل سعود المستمر. إذ تراجعت موجة العنف الإرهابي التي اندلعت عام 2003.
أما مرتكبو التفجيرات التي وقعت في الرياض ومدن أخرى وأفزعت الأجانب إلى حد فرارهم من البلاد، فقد قامت قوات الأمن بقتلهم أو القبض عليهم،
وتتولى عائلة آل سعود حكم المملكة بعد تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي، عندما تغلب عبد العزيز على منافسيه من القبائل الأخرى ووحد البلاد.
أما جذور مشكلة الخلافة فتنبع من أن عبد العزيز أنجب 45 ابنا منهم 23 ما زالوا على قيد الحياة، ولم يحدد كيفية اختيار خلفائه. وحتى اليوم تتم العملية بشكل غير رسمي بين الأمراء، ولا تستند إلى العمر، إنما عن طريق التفاوض والتوافق بين أفراد العائلة.
لذا يبدو أن الخطر الأكبر على الاستقرار هو احتمالية انقسام الأمراء في صراع قوى كما حدث في الستينيات. فقد أدخل سباق هذا العقد ولدين آخرين من أبناء عبد العزيز هما فيصل وسعود في صراع ضد بعضهما البعض، وتسبب في أذى كبير للعائلة. ومنذ ذلك الحين يدور أي صراع بين أفراد العائلة بعيدا عن الشعب.
وعندما اعتلى عبد الله العرش بعد وفاة أخيه غير الشقيق فهد العام الماضي، قام على جناح السرعة بتسمية أخيه، غير الشقيق أيضا، اسلطان كولي للعهد. ويعتقد الكثير من المراقبين أن المرشح الأرجح بعد سلطان هو سلمان، الأخ غير الشقيق عبد الله وشقيق سلطان. و سلمان البالغ من العمر 70 عاما هو حاكم الرياض منذ فترة طويلة.
وبناء على قانون عام 1992، "ينتقل الحكم إلى أبناء الملك المؤسس وأبناء أبنائهم. ويكون لمن على رأس القائمة حق الولاء لكن القانون أيضا منح الملك سلطة اختيار خليفته.
فماذا لو لم يقبل الأمراء الأخريين بتسمية الوريث حيثما تكون مسألة "رأس القائمة" غير واضحة؟
وضع الملك عبد الله حاليا نظاما أكثر رسمية، إذ أنشأ لجنة للأمراء تسمى"مؤسسة الولاء" لتسمية ولي العهد المستقبلي.
ولأنه تم بالفعل اختيار الأمير سلطان كثاني شخص في الهرم بعد الملك عبد الله، فإنه سوف يتم العمل بالنظام الجديد فقط بعد أن يصبح الأمير سلطان ملكا.
وفور حدوث ذلك، وفي جميع الحالات المستقبلية، سوف يسمي الملك الجديد مرشحا أو اثنين أو ثلاثة لخلافته، ومن حق أعضاء اللجنة قبول مرشح أو رفض الثلاثة.
"وفي حال رفض اللجنة لجميع المرشحين، فسوف تسمي ولي العهد الذي تراه مناسبا" وذلك وفقا للترجمة التي قدمتها السفارة. وسوف تتم هذه العملية خلال 30 يوما فقط. وقد كانت في الماضي تمضي فترات طويلة من عدم التحديد بعد تأجيل الملك الجديد تسمية خليفته.
وربما يكون الأهم أن القانون الجديد يحدد الإجراءات التي يجب إتباعها في حال عجز الملك عن ممارسة مهامه. ومن الواضح أن الهدف هو تجنب تكرار الفترة غير المريحة التي مرت بين عامي 1995 و2005، عندما كان الملك فهد عاجزا بسبب إصابته بسكتة دماغية.
" وكان الملك عبد الله هو الحاكم الفعلي، لكن سلطاته كانت محدودة لأنه لم يكن ملكا، وتأجلت العديد من الإصلاحات الهامة أو طرحت جانبا بسبب ذلك الفراغ".
ولم يجب البيان الرسمي عن النظام الجديد على جميع التساؤلات.
إذ يقول إن أعضاء مؤسسة الولاء يجب أن يكونوا "صالحين ومعروفين بإخلاصهم"، لكنه لم يوضح كيف يمكن تحديد تلك الصفات.
كذلك لم يحدد ما قد يحدث بعد وفاة جميع الأحفاد، الذي شارف معظمهم بالفعل على مرحلة الشيخوخة.
وفي كل الأحوال، وبمعرفة الطريقة التي يعمل بها آل سعود يمكن افتراض أن "الملك عبد الله أصدر مرسومه بعد إجراء نقاش مكثف مع إخوته وربما بعض أبنائهم البارزين، وأيضا أنهم وقعوا عليه. مما يعني أن العائلة لن تسمح أو تشجع أي طامح على المطالبة بالحكم خارج النظام عندما يحين الوقت".
ومرة أخرى تظهر عائلة آل سعود مهارتها في البقاء. (تقرير واشنطن)
|