|
ثمة سؤال يفرض نفسه بالحاح: هل يمكن للدولة أن تستبدل أسس مشروعيتها وبالتالي التخلي عن ارث نفيس طالما استعملته في توكيد شرعية وجودها وحقية قوادها في الحكم؟
الجواب عن السؤال يتطلب بلا شك بحثاً موسعاً وعميقاً ولكن سنحاول في هذه السطور استكشاف الاسس البديلة التي يمكن لدولة مدنية ان تولد في بلد ظل لأكثر من سبع عقود مرهوناً لمكونات شديدة الخصوصية دينية وسياسية.
ان أول ما يثار حول تحول المملكة من دولة دينية الى دولة مدنية هو مصير المكونين الرئيسين لها: المذهب والعائلة المالكة. وسنكتفي بتسليط الضوء على المكون الديني للدولة بوصفه الأكثر جدلاً .
فقد قامت الدولة على أساس ان المذهب الوهابي هو المالك الوحيد للتفسير الديني الصحيح للدين وان مهمة هذا المذهب هو استعمال التبشير الديني والقوة العسكرية لاخضاع أتباع باقي المذاهب لهذا التفسير المذهبي المحدد.
في المقابل يكون استبدال هذا الاساس بأن يتخلي رجال المذهب الوهابي عن دعوى احتكار حق التفسير الديني وخيار نشر الدعوة في باقي المناطق، وبالتالي تخفيضه الى مستوى الجماعات الدينية الاخرى مما يؤول في نهاية الامر الى الفصل بين الدين والدولة.
ورغم ان ثمة مراهنة كبيرة من قبل الدولة على استثمار القوة الدينية الوهابية في ظل غياب بديل وطني يضاهي في قوته ومفعوله القوة الدينية الا ان ظروف البلد الراهنة والقراءة المستقبلية لاوضاع البلد تلح –اذا لم نسلم بضرورة افساح المجال لخيار التقسيم المطروح الان بقوة- على البحث عن بديل مدني يخرج الدولة من أزمتها مع تراجع خطابها الديني التقليدي الذي بات يشكل عائقاً حقيقاً.
فالتيار الديني الاعتراضي الذي انشق في بدايات أزمة الخليج من داخل مؤسسات كانت ترعاها وتمولها الدولة كان يفترض أن ينبه قادة هذا البلد الى أن مبرر انشقاقه ضد الدولة هو عقيدة الشراكة الكاملة والمتكافئة مع الدولة فهو لم يكن يطالب بأكثر من نصفه المنقوص او المتوهم من قبل السلطة السياسية. وليس مما يثير الغرابة ان تظهرفتاوى تتضمن احتجاجاً على سياسات الدولة واحراجاً لها فأصحابها يتصرفون باعتبارهم فوق الدولة وليس تحتها.
وللسبب نفسه يشعر رجال المؤسسة الدينية باطمئنان تام وهم يشحنون جمهور الاتباع بخطاب ديني تمزيقي مشفوعاً بالفتاوى والمحاضرات المسجلة على اشرطة كاسيت وخطب الجمعة والجماعة دون تدخل من الدولة بل يعتبر محاولات ايقاف الحرب الدينية ضد خصومهم خذلاناً من قبل الدولة وفصماً للعقد الديني المبرم مع المذهب.
|