انعدام ممكنات التطور في الدولة الدينية... مملكة آل سعود
 نموذجا ج2

 

   إن المدخل المناسب لفهم عمق أزمة الدولة في المملكة هو معالجة مسألة الهوية الوطنية التي لم تولد بعد بل تحولت بمرور الوقت الى أزمة تزداد عمقاً واتساعاً كلما ضعفت قدرة الدولة على ضخ المال الذي به تشتري ولاء القبائل والمناطق أو عجزت عن توفير مشاريع تنموية تطفىء بها روح الاحتجاج الداخلي.
 لفهم هذا الموضوع بصورة أدق يمكن اجراء مقارنة بسيطة.
 فهناك نحو 60 بالمئة من سكان البلاد هم ما دون العشرين عاماً، وهذا يعني ان 60 بالمئة ولدوا بعد انهيار الدولة الريعية في عام 1982 على أساس بداية عجز الدولة عن الايفاء بالاحتياجات الضرورية للسكان.
 ففي هذا العام بدأت ميزانية الدولة تعاني من عجز مزمن في ميزانيتها العامة الذي تراكم بمرور السنوات حتى بلغت الديون الداخلية للدولة ما يربو على 650 مليار ريال سعودي وهذا بدوره يستقطع نحو 45 بالمئة من الدخل القومي للدولة.
 ان اهم ما تشير اليه هذه الاحصاءات ان التوسل بالرفاه الاقتصادي لتحقيق اكبر قدر من الضبط والاستقرار والولاء للدولة قد أصبح فعلاً ماضياً، وهذا يلمح الى ان 60 بالمئة من سكان هذا البلد مصنفون باعتبارهم غير موالين للدولة بناء على العقيدة التقليدية التي تربط بين الرفاه الاقتصادي والولاء للدولة.
ونتيجة يمكن القول بأن القطاع الاكبر من الشعب يمثل المخزون الاستراتيجي للاحتجاج الشعبي الذي من شأنه تهديد استقرار ووحدة الدولة. يمكن الاشارة هنا الى أن أحداث العنف التي شهدتها المملكة بدءا من انفجارات الرياض والخبر والتفجيرات الصغيرة المتفرقة خلال العامين الماضيين وهكذا حوادث القتل والشغب وتخريب المنشآت والخطف والسرقة التي وقعت في غضون العقدين الاخيرين قد تمت بفعل اشخاص ينتمون الى ما يمكن وصفه بمجتمع ما بعد الطفرة.
في ظل الظواهر العنفية المستحدثة تصبح الاسس التقليدية لمشروعية الدولة غير قابلة للصمود فلا الخطاب الديني الانشقاقي يحقق الآن انسجاماً حتى في مركز نشأته ونقصد نجد فضلاً عن المناطق الاخرى، ولا الحق التاريخي للعائلة المالكة يوفر مبرراً صلباً لمجتمع ما بعد الطفرة لتقديم فروض الطاعة والولاء. فالاوضاع الاقتصادية والامنية المتدهورة تفرض نفسها وبقسوة على صناعة القرار الداخلي، وأن تآكل الولاء للدولة لا يعني اكثر من تآكل اسس مشروعيتها بدرجة أساسية.
امام هذه المعطيات الضاغطة وبشدة على كافة أجهزة الدولة يكون خيار اعادة تشكيل الدولة وفق أسس جديدة ملحاً ومخرجاً وحيداً لازمة الدولة للحيلولة دون استفحال الازمة الراهنة والتي ستفرز أول ما تفرز ظواهر انقسامية تؤدي الى انهيار الوحدة السياسية للدولة.
ثمة اجماع بين علماء الاجتماع السياسي بأن الدولة الحاضنة لجماعات ذات تلاوين ثقافية وتاريخية ولغوية ودينية متباينة أو متنوعة تفرض مسئولية أولية وأساسية لجهة تحقيق اكبر قدر من الانسجام الداخلي بين هذه الجماعات من اجل حفظ الدولة واستقرارها السياسي.
 وهذا الانسجام يتطلب خلق هوية مشتركة عامة تستوعب الانتماءات الخاصة، كما تتطلب رسم سياسات عامة تحقق اكبر قدر من المساواة في المجالين الاقتصادي والسياسي بدرجة أساسية. بمعنى آخر ان مهمة الدولة هي توفير فرص متكافئة لهذه الجماعات كي تتعزز صلاتها ومن ثم خلق شعور عام بضرورة حفظ الدولة باعتبارها راعية لمصالح هذه الجماعات مجتمعة. ما جرى في العقود السبعة الماضية ان تغليباً مقصوداً لجماعة دينية ومنطقة جغرافية وقبيلة على حساب باقي الجماعات والمناطق والقبائل.
 هذا التغليب تمظهر في صور شتى مناطقية تارة (حجازي نجدي) ومذهبية تارة ثانية (حنبلي ومالكي وشافعي وشيعي جعفري وشيعي اسماعيلي) وتارة ثالثة في صورة تجاذب قبلي بين آل سعود والقبائل الحليفة التي خاضت سلسلة الفتوحات في صفوف قوات ابن سعود في مقابل القبائل الحاكمة او المناوئة او غير الحليفة لآل سعود.
وهذه الصور النافرة تعبر عن نفسها بألفاظ محددة لدى المنتصرين فالحجازي يرمى باعتباره طرش البحر وبقايا الحجاج والسني المالكي والشافعي خارج عن اجماع اهل السنة والجماعة والشيعي الجعفري والاسماعيلي والزيدي يوصم باعتباره مهرطقاً ورافضياً وبحرانياً واخيراً طابوراً خامساً لدولة اجنبية، والشمري والعتيبي يصنف باعتباره "غير موالي" وهو توصيف يشمل تقريباً كافة افراد القبائل التي لم تحارب في صفوف ابن سعود ولم تقدم فروض الطاعة للعائلة المالكة.
الحاصل النهائي ان الهوية الوطنية التي كانت الدولة مسئولة عن انتاجها وتعميمها لم تتحقق وبقي خطاب الفتح هو سيد الموقف، فيما فرضت الدولة معايير ضيقة وخاصة دينية وسياسية للتعامل مع رعاياها واعتبرت ذلك المقياس الحقيقي لولاء الجماعات والمناطق والقبائل.
منذ عام 1996 بدأت الدولة برنامجاً جديداً يستهدف بناء هوية وطنية عبر تعميم مادة التربية الوطنية على المدارس الحكومية للمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية.
غير أن قراءة متأنية في نصوص هذه المادة تكفي لمعرفة عمق الازمة، فقد اعيد انتاج قصة فتوحات ال سعود التي تدرس عادة في مادة التاريخ. يخيل لقارىء هذه النصوص ان مصنفي هذ المادة أرادوا تذكير طلاب المدارس بقصة احتلال ال سعود لمناطقهم والذي تم بقوة السلاح.
 فمادة التربية الوطنية لا تحمل في داخلها أي ملمح وطني مشترك، فهي تستهدف بدرجة أساسية غرس مفهوم محدد حول العائلة المالكة وتراثها الديني والسياسي. ان المقالات التي بدأ كتاب محليون بنشرها في جرائد مثل "الوطن" حديثة العهد و"الاقتصادية" و"عكاظ" تمثل تنفيساً لاختناق داخلي لا يمكن السكوت عنه لبلوغه حداً بات من الصعب العيش فيه سيما في ظل تراخي أو بطىء سير حكومة ال سعود في طريق الاصلاح الشامل لسياسات الدولة ولبرامجها التنموية بصورة عامة.
 ورغم التهديدات الصريحة والضمنية التي صدرت عن وزارة الداخلية في العام الماضي للصحفيين المشاكسين بالتوقف عن انتقاد اجهزة محددة في الدولة وبوجه خاص الجهاز الامني (المعروف بالمباحث) الذي باتت ممارسات رجاله موضع استنكار الجميع الا أن ذلك لم يمنع انتشار ما يمكن وصفه بـ "مخازي" الجهاز الامني في مواقع الانترنت التي يديرها مواطنون داخل وخارج المملكة.
 كانت رسالة الامير نايف وزير الداخلية ورئيس المجلس الاعلى للاعلام واضحة وصريحة لرؤساء تحرير الصحف المحلية، وهذا ما ظهر في اختفاء أسماء صحافية معروفة وتقلص مساحة التعبير النقدي لدى صحف اخرى وبالاخص جريدة الوطن التي قررت تمييز نفسها عن باقي الطيف الصحفي المحلي بلغة شبه نقدية.

 

عبد الرحمن الشمري 

 

 

 

 

تقارير
  مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء
 

نجد 2004