|
عودة الى سياق الحديث عن التيار السلفي المتشدد الناشيء من باطن المؤسسة الدينية الرسمية، فإن ثمة حضوراً كثيفاً للتيار الجديد في الاوساط الاجتماعية في الشهور السبعة لازمة الخليج عن طريق القاء الخطب والمحاضرات ذات الطابع الاحتجاجي المتصاعد ضد الحكومة.
فقد ألقى الشيخ عادل الكباني امام جامع الملك خالد بالرياض خطبة أمام حشد من المصلين: "ان الحكومة تريدنا ان نعيش مثل الآت التسجيل. تضع الشريط وتضغط الزر ليخرج كلام من نوع ما، وتبدل الشريط وتضغط الزر ليخرج كلام آخر هو نقيض الاول". ويشير بذلك الى تبدل موقف حكومة ال سعود من صدام حسين، كما القى الشيخ عايض القرني( محاضرّة بكليّة الشريعة بأبها ) محاضرة مماثلة تحت عنوان ( سهام في عين العاصفة ) ودعا الى الجهاد ضد الغرب والواقع القائم في البلاد واستنكر وجود القوات الاميركية في الجزيرة وقال "انها تريد الاماكن المقدسة "
من جهة ثانية القى شيخ سليمان عودة( عنصر بارز في التيار الديني الساخط ) عدة محاضرات نقدية لمؤسسات الحكم وسياسته العامة ولعل ابرزها محاضرة بعنوان ( اسباب سقوط الدول ) والتي استعرض فيها مساوئ نظام ال سعود يقول العودة "نحن نغزى منذ سنين ويحفر لنا في جوانب عديدة، في جانب السياسة، الاعلام، الصحافة، الراديو، الاذاعة..حتى انك اذا استمعت الى بعض البرامج في اذاعة المملكة سواء كانت اذاعة الرياض او اذاعة البرنامج الثاني، والله لتقول ان هذه الدولة وكأنها لاتدين بالاسلام..والمخطط جاري منذ سنوات ".
وحدد العودة اثنا عشر سبباً لسقوط الدولة منها: الاستبداد والفردية في الرأي وزوال الشورى " ذلك لأن الله سبحانه وتعالى اعطى لكل انسان عقلاً وفماً وانسانية وشخصية، فاذا اهدرت عقل الانسان وشخصيته، فانه لاينفعه ان تعطيه الدنيا كلها..اننا نرى الدولة الشرعية تهتم بقضية الشورى فالحكومة التي اقام بنيانها النبي محمد ( ص ) كانت تقوم على الشورى ( وشاوروهم في الامر ) ( وامرهم شورى بينهم ) وكأن رسول الله يقول لاصحابه شوروا عليّ..اما الحكومات غير الشرعية والاستبدادية فانها تقول ( ما أراكم الاّ ما أرى وما أهديكم الاّ سبيل الرشاد ) ومن تلك الاسباب الظلم يقول عودة ( ان الظلم من اعظم اسباب زوال الدول ) واستند العودة على حديث ورد في مسند ابن حنبل وابن تيميه ( اتق دعوة المظلوم ولو فاجراً ) وقال بأن "الظلم على نوعين: ظلم عام وظلم خاص: "في الظلم العام تجد نهب اموال الرعية وأخذ اراضيهم واستقطاعها والمحسوبية في الشركات والاعمال والوظائف، والتفاوت والطبقية..فإذا كان ضعيفاً اقاموا عليه الحد، واذا كان قوياً تركوه، فكأن هناك اناس يجري في عروقهم دم مقدس ــ يقصد بذلك الامراء ــ فإذا زنوا وسرقوا لم تقم عليهم الحدود..ان العدل ليس تهريجاً او خداعاً للناس كما يجري في الاعلام ".
وتحدث العودة عن فساد الاقتصاد ــ كأحد اسباب سقوط الدول ــ وقال "ان المال يكسب سخط الجميع فاذا مست الدولة اموال الناس فإنها تكسب سخط الجميع.. ومن مظاهر مساس اموال الناس فرض الضرائب والأتاوات بكثافة حتى أثقلت كواهل الناس حتى يتمنى الناس زوالها وزوال من فرضها عليهم..وهكذا ظاهرة الرشوة على مستوى الفرد او المسؤولين، او احتكار السلع، او الشركات والاعمال لأشخاص معينين ".
ومن ابرز اقطاب هذا الخط الدكتور سفر الحوالي( رئيس قسم العقيدة بجامعة ام القرى بمكة ) حيث لقيت محاضراته انتشاراً واسعاً في صفوف الجماعات السلفية مما حدا بصحيفة نيويورك تايمز أن تكتب مقالاً في عددها الصادر يوم 24 نوفمبر 1990م تحت عنوان ( اشرطة الحوالي ) وان تعتبره الصحيفة "المتحدث الرئيسي باسم الوهابية "وفي مخاضرة له بعنوان ( فستذكرون ما اقول لكم ) انتقد فيها مظاهر الفساد في الاعلام والاقتصاد والسياسة ففي الفساد السياسي انتقد موقف حكومة ال سعود من الغرب وتسائل قائلاً "هل نثق بأن الكفار يدافعون عنا "اما عن الموقف من العراق فقال الحوالي "ندفع الملايين لصدام خلال عشر سنوات ثم ترتد اموالنا علينا ...الذين ساعدوه وأعطوه ..فمن لم يساعده ولم يعطه ...فهل ذلك من ظلم الله لنا لاوالله وانما الله امرنا ان نعطي حيث امرنا ان نعطي ولا نملأ الاّ من حيث امرنا ان نملأ وعندها ينصرنا الله".
كما طالب الحوالي بالغاء الربا والزنا والغناء والرشوة اضافة الى الغيبة والنميمة والحقد والبغضاء والغاء كل نظام يخالف شريعة الله.
و يؤكد الحوالي في اغلب محاضراته على فكرة مركزية هي اساءة فهم المسلمين للاسلام ولزوم التوبة الى الله والرجوع إليه، بما يتبطن غالباً حكماً مريباً بانحراف المجتمعات المسلمة فضلاً عن الكتابية.
يمكن القول كنتيجة مكثّفة لما سبق أن التكفير لم يكن ابتكاراً حديثاً في حينه بل استعملته الدولة مع خصومها المحليين ثم جرى تهريبه من مخازنها ليستعمله حلفاء الامس.
ـ تسييس التيار السلفي: والمنطلق الديني
ثمة كتابات صدرت بأقلام من داخل او مقربة من تيار السلفية السياسية تنزع مشروعية الدولة وتضعها في خانة الدول غير الدينية. فرغم الشكوك التي أثيرت حول هوية مؤلف كتاب (الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية) رغم اللغة السلفية الفاقعة التي تكشف الحرفية السلفية الشديدة الوضوح والنزعة السيكولائية لمؤلف الكتاب، فأن "مذكرة النصيحة" بموقعيها الذين يربو عددهم على المائة والعشرين موقعاً تكشف بوضوح موقفاً غير قابل للتفسير.
فمضمون المذكرة وخطة الاصلاح الشامل للدولة او مشروع أسلمة الدولة من أسفل الى الاعلى توحي بأن ثمة حكماً صارماً يتبناه الموقعون وهو نزع رداء الشرعية الدينية عن الدولة بما تطلب عملية اعادة تأهيل ايديولوجي لها من خلال اعادة تأسيس الاجهزة الدولتية وسياساتها على أساس اسلامي.
ان انهمار عناصر الخط الديني الساخط في خط احتجاجي منفصل عن مجال التأثير الروحي لعلماء الدين الكبار من اقطاب المؤسسة الدينية التقليدية، أفضى الى انكماش مجال الاستقطاب الروحي لحساب عناصر جديدة حكمت معادلة المؤسسة الدينية منها ظهور زعامات شابة ترفض الواقع القائم في المؤسسة الدينية وتدعو الى عملية تغيير شاملة في جذور المؤسسة، وثانياً اكتساح الخط الديني الساخط على الحكومة والمدعوم من العناصر السلفية الشبابية والمنتشرة في بقاع مختلفة من المملكة مما أدى الى تهميش الخط التقليدي لاسيما مع اتساع شق الخلاف بين التيار الديني الساخط و حكومة ال سعود ، وزاد في قوة تيار السلفية السياسية انضمام عناصر متشددة من قمة الهرم الديني الرسمي امثال الشيخ عبد الله بن جبرين.
إن اعلان قطاع كبير من افراد المؤسسة الدينية الرسمية فك الارتباط مع الخط السياسي الحكومي يعد أخطر مؤشر على دمار أسس التحالف بين الديني والسياسي, أسس ليس بالامكان ترميمها منذاك.
فالجهاز الديني شكّل لفترة طويلة الحماية لنظام ال سعود كما أسبغ عليه الشرعية حتى وإن تطلب الامر إيجاد احكام تسويغية تفتقر الى مفاهيم الشرعية او ضرورات دينية ما عدا الضرورات السياسية !! من هنا كان وقوع تمرد داخل المؤسسة الدينية بحجم لم يسبق له مثيل في تاريخ الموسسة يعد تحولاً استراتيجياً في جوهر التحالف.
ومن خلال قراءة الخطاب الذي وجهه اثنان وخمسون شخصية من علماء الدين والدعاة والمعلمين والقضاة ومدراء الاقسام في الجامعات والمعاهد والمراكز والمؤسسات الدينية نجد انه يحتوي على اثارات في غاية الاهمية والدقة منها ان الخطاب فيه اقرار بفساد المؤسسات الحكومية ( الداخلية والخارجية والاعلام ووزارة العدل والقضاء والجيش والبنوك..] كما ان الخطاب يسحب من حكومة ال سعود الشرعية الدينية من خلال المطالبة بعرض اللوائح والانظمة السياسية والاقتصادية والارضية وغيرها على احكام الشريعة الاسلامية من خلال لجان شرعية موثوقة ذات صلاحية .
ولعل الاكثر إثارة ان الخطاب المذكور انتشر بكثافة هائلة في اوساط التيار السلفي المتواجد في اغلب مناطق المملكة قبل أن يصدر جواب من الاسرة المالكة.
أثار خطاب التيار السلفي التجريمي مخاوف العائلة المالكة، فجرت مداولات بين كبار اعضاء العائلة للبحث عن امكانية للحل، وكان ثمة اصرار على أن أي حل مقترح يجب ان يأتي عن طريق نفس المؤسسة الدينية لقدرتها في التأثير على التيار الديني المتمرد..لقد تبقى حيز بسيط من المناورة مع التيار الديني، عبر استخدام بقايا رهان المؤسسة الدينية الرسمية، خاصة وان ثمة تناقضات في المجتمع قابلة للاستغلال دون حاجة لتورّط الدولة مباشرة.
لجأت العائلة المالكة الى ( هيئة كبار العلماء ) رغم الانقسام الواضح في داخلها، وصدر بيان لمجلس هئية كبار العلماء عقب إنعقاد دورته الاستثنائية المنعقدة في الرياض في يومي 18و19/11/1411هـ في ظل غياب أربعة من اعضاء الهيئة هم: عبدالله خياط وسليمان بن عبيد وابراهيم بن محمد آل الشيخ وعبد المجيد حسين وقد ورد في البيان تحت اسم كل واحد منهم عبارة ( لم يحضر لظروف صحية ).
ومما جاء في البيان "وبعد اطلاع المجلس على ما تناقلته بعض وسائل الاعلام المسموعة والمقروءة وما تداولته بعض الأيدي حول ما كتب لولي الأمر عن امور يراد تحقيقها، فان مجلس هيئة كبار العلماء يستنكر الطريقة التي سلكت في نشر وتوزيع ما كتب في ذلك، ويحذر من مغبة تكرار مثل ذلك مستقبلاً، ويرى ان الطريقة التي استخدمت في نشر وتوزيع ذلك لاتخدم المصلحة ولا تحقق التعاون على البر والتقوى.
وليس ثمة شك في ان البيان قد اعطى مبرراً جديداً لحكومة ال سعود في قمع التيار الديني الساخط وهو ما حصل بالفعل فقد تعرض عناصر هذا التيار الى الاعتقال والتعذيب والحصار الامني فقد ذكرت بعض المصادر المقربة من التيار الديني ان ثلاثمائة عنصراً من العناصر البارزة ( خطيب أمام مسجد، محاضر، استاذ جامعة ) قد دخلوا السجون اضافة الى عشرات آخرين تعرضوا الى عمليات استجواب من قبل الاجهزة الامنية علاوة على استبعاد العشرات من ائمة المساجد. كما منع عدد من المحاضرين من التيار الديني الساخط من القاء الخطب والمحاضرات.
الصراع البديل...الهروب للاعلى
ثمة تفنية سياسية شائعة عن العائلة المالكة مستلهمة من تجارب المواجهة محلياً وهي قدرة النظام على صناعة الصراع البديل والذي يعني فتح جبهات متعددة تفسح الطريق امام الحكومة للانسحاب من المعركة الى اعلى الهرم وحصر المعركة بين قوى متباينة في الاتجاه السياسي وحتى الفكري لاضعاف الطرفين او ضرب الطرف الاقوى ثم جني الثمار من هذا الصراع وإحكام السيطرة بعد سقوط الضحايا .
هذه الحقيقة تبدو جلية في الصراع الدائر بين التيار الديني السلفي المتمرد والتيار الوطني وقد تفجر هذا الصراع بصورة علنية بعد خروج مسيرة نسائية في يوم الثلاثاء بتاريخ 19 ربيع الآخر الموافق 16 نوفمبر 1990م في شوارع بالرياض تطالب الحكومة بالسماح للنساء قيادات السيارات، وان هؤلاء النسوة ــ البالغ عددهن 46 امرأة ــ يحملن شهادات عالية ويعملن في وظائف على درجة كبيرة من الاهمية( معلمات مربيات وصحفيات وباحثات ) وكثير منهن معروفات في عالم الثقافة والفكر وخاصة في شؤون المرأة .
وقد رفعت النساء المشاركات في المسيرة خطاباً الى امير الرياض سلمان بن عبدالعزيز يشرحن فيه اهداف المسيرة وخلفيات مطالبهن والوجهة الشرعية بشأن قيادة النساء للسيارات، سيما وان المجندات الاميركيات كانت تقمن بصورة مكثفة بقيادة السيارات داخل الاحياء المدنية والقروية في مناطق مختلفة من البلاد.
هذه الحادثة كانت بمثابة عود الثقاب الذي اشعل فتيل الصراع بين التيار الوطني والتيار السلفي بكافة انشقاقاته، فقد شن الاخير هجوماً عنيفاً على النساء اللاتي شاركن في المسيرة ووجهوا اليهن اقذع التهم ( الساقطات، الفاسقات، المتبرجات...) رغم أن النسوة ينتمي معظمهن الى عائلات واسر معروفة ومنهن نساء ينتمين الى عائلات دينية محافظة مثل عائلة آل الشيخ وعائلة الجربوع التي يسيطر رجالها على هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا الهجوم العنيف من قبل عدد كبير من العلماء والخطباء والسلفيين أثار حمية أزواج النساء المشاركات في المسيرة بالدرجة الأولى كما اثار حفيظة عوائلهن وامتعاض كثير من فئات الشعب مما حدا بأزواج اولئك النسوة الى كتابة رسائل احتجاج الى الحكومة والى الراحل الملك فهد خاصة، طالبوا فيها بايقاف الحملات التشهيرية التي يقوم بها بعض الخطباء ورجال الدين وائمة المساجد ضد ازواجهن.
ولم تتوقف القضية عند هذا الحد بل تنامت عملية الصراع وطالت مواضيع اخرى تكثفت حملات التشهير تلك وبدأ التيار السلفي الساخط بعملية "نشر غسيل" للتيار الوطني وبالاسماء استكمالاً لما تم نشره في عام 1988م على الحداثيين (الحداثة في ميزان الاسلام) (محاضرات مسجلة على كاسيتات نشرت بعضها في مجلة "الناقد "في عددها الاول ) ومقالات في مجلة الدعوة...
اتسمت حملات التشهير المتبادلة بين التيارين الوطني والسلفي بالحدية الشديدة.
فقد وصف خطباء التيار السلفي رجال التيار الوطني بالعلمانيين والكائدين للاسلام والعملاء للغرب والمناهضين للدين والمحاربين الدعوة الى الله ولم يتردد هؤلاء الخطباء في ذكر المؤسسات واسماء العاملين فيها (الصحافة والاعلام والجامعات، والمعاهد، والوزارات...).
في المقابل شهر التيار الوطني سلاحه في مواجهة هجمات الجماعات السلفية في عملية تشهير واسعة النطاق لإنزال ضربة قاصمة لتلك الجماعات في اول هجوم من نوعه. فقد اصدر الدكتور غازي القصيبي كتاباً مثيراً بعنوان (حتى لاتكون فتنة) يحتوي على اربع رسائل موجهة الى أقطاب التيار السلفي الشيخ ناصر العمر والشيخ عائض القرني والشيخ سلمان عودة في 218 صفحة، قدّم فيه قراءة نقدية لخطاب السلفية السياسية.
وحاول في الوقت ذاته اعادة الاعتبار الديني للدولة ، والتي وصفها القصيبي بأنها "تجسيد حي لفكرة ان الاسلام هو الدين والدولة ..رئيس الدولة هو امام المسلمين قبل ان يكون الملك ..ومن هذا المنطلق تخلى امام المسلمين في المملكة عن اللقب المعتاد للملوك ـ صاحب الجلالة ــ وجعل لقبه خادم الحرمين الشريفين ، فتأمل ابعاد هذا القرار ".
حاول الدكتور القصيبي اضعاف اسس مشروعية طبقة الفقهاء المتشكلة داخل الدولة دون قصد الاضرار بالاخيرة، من خلال اضعاف أسباب انخراط الديني في السياسي، حيث أكد "ان السياسة ليست ساحة للفقهاء" وعدّ الفقهاء المتسللين الى الحقل السياسي بـ "الفقهاء السياسيون "ومحذراً كما يظهر في خطابه الى الشيخ القرني من ان يكون "خميني المملكة القادم "ودعاه اكثر من مرة "إلزم امام المسلمين (الملك) يا أخي عايض القرني ". على اية حال وقع القصيبي ومن راسلهم في ذات المأزق في عملية افراغ متبادلة لمشروعية الآخر.
على أية حال كان كتاب القصيبي فصلاً من فصول المعركة المحتدمة، اجتذبت اطرافاً عديدة من التيارين، فقد انضم الى جبهة الدكتور القصيبي جمعاً من الصحفيين والمثقفيين من العاملين في الجرائد والمجلات المحلية، كما تحولت الجامعات الى مسرح صراع مكشوف للتيارين السلفي والوطني حيث كان يحاول طرف دفع الآخر نحو الهاوية.
وجاء رد التيار السلفي على كتاب القصيمي سريعاً وعنيفاً، حيث صدر كتاب (العلمانية في العراء ـ القصيبي شاعر الامس ، وواعظ اليوم) عن دار الكتاب بولاية شيكاغوا الاميركية تضمّن ثلاث رسائل لثلاث شخصيات من التيار السلفي (وليد الطويرقي، الدكتور محمد سعيد القحطاني، سعيد بن مبارك آل زغير) وقد كتب المقدمة احد اعضاء هيئة الكبار العلماء الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين، قال فيها "الفاسق بملء شدقيه..وان من الجهاد باللسان وبالقلم مناقشة دعاة الضلال ورد كيدهم وابراز نواياهم وأسرارهم كي يبين خزيهم ويعرفوا ..فلابد من ذكر الفاسق بما فيه كي يحذره الناس ـص 8 ".
بل ان الرسالة الاولى جاءت بتشجيع من المفتي بن باز الذي طلب من الطويرقي كتابة رد على رسائل القصيبي التي ضمنها في كتاب (حتى لاتكون فتنة) وقد احتوت مقدمة الناشر على مجموعات من الاحكام الموجهة ضد القصيبي "الفاسق، الفاسد ، المنحرف ، الضال، علم من اعلام العلمانية، عميل من عملاء الاميركان ، دعي، منافق..."
لقد جاء رد التيار السلفي على كتاب (حتى لاتكون فتنة ) عنيفاً في لغته وفي تقييمه وفي احكامه، ويمكن القول بأنه حملة تشهير ضد شخص الدكتور القصيبي، اهتم معدو الكتاب بالتركيز بكشف اسرار حياته الشعرية والثقافية بل واسرار حياته العائلية وارتباطاته الثقافية، بل امتدت الحملة حتى الى مواقف القصيبي من موضوعات لا يمكن فهمها بمعزل عن شراسة الحملة، كما في رد الفعل على موقف الدكتور القصيبي الدفاعي عن هجوم التيار السلفي ضد الشيعة، ومع ذلك يصر الطرفان على استعمال تهمة اثارة الفتنة.
معركة التيار السلفي المفتوحة على أفق واسع بدأت من أسفل مع الشيعة ضمن خط السير الطائفي الممتد ومن ثم مع التيار الوطني داخل دائرة المواجهة مع قوى التحديث، واخيراً مع الدولة باعتبارها قوة ناقضة لاستحقاقات الدين في الدولة.
إن المراكمة المتصلة لخطاب احترابي يشنه الخط الراديكالي منذ أغسطس 1990 لابد أن يشحن محركات التطرف بالتزامن مع ظروف اقتصادية وسياسية حالكة تمر بها المملكة، فمعكسر الساخطين يتغذى على خطاب احترابي مناهض للدولة ومن يسير في خطها العلوي أي الى المعسكر التي تنتمي اليه دولياً، فالاشارات المتكررة حول مجابهة منتظرة مع معسكر الشرك، لا يقف عند حد مواجهة بين حكومات او جماعات قليلة العدد بل معركة ذات ابعاد شاملة.
المجابهة التي اندلعت بين الدولة والتيار السلفي منذ عام 1990 أريد تطويرها بامدادات مذهبية تحمل بداخلها جرعات عالية التوتر تقرر توظيفها لمعركة أكبر من تصور الدولة ذاتها.
فالمواجهة التي كانت حكومة ال سعود تخشى وقوعها مع التيار السلفي في يوم ما، والتي كانت ترى في تفجيرات الرياض عام 1995 والخبر عام 1996 أقصى طاقة العنف المتصورة لدى الحكومة من حليفها القديم. ولكن هذا الحليف المتضخم خلال عقدين من الزمن بطريقة غير قابلة للسيطرة وانتشاره اللامحدود في مناطق عديدة من العالم، وتحوله كبؤر توتر نشطة في اكثر من قارة من هذا العالم حمل قوة تدميرية هائلة قادرة على تخريب ليس سمعة الدولة فحسب بل ربما تخريب اسس الدولة ذاتها.
ان الحاصل النهائي كما يمكن تلخيصه من تحولات علاقة التيار الديني السلفي بالدولة، هو استحالة العودة للوراء بخلق خيارات جديدة واسس مختلفة للعلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة.
فالحرص الظاهر احياناً على حفظ علاقة ودية مع المؤسسة الدينية ورجالها قد يخفي في احيان كثيرة نزعة استغلالية لدى جناح في الدولة ضد أجنحة اخرى، أي استخدام الدين كأحد اسلحة الصراع بين الاجنحة، وليس بالضرورة رغبة في تأكيد دور الدين في الدولة، فما جرى منذ الثاني من اغسطس 1990 وحتى انهدام برجي التجارة في الحادي عشر من سبتمبر 2001 يمثل الحلقة الاكثر التهاباً في علاقة مأزومة بين قوتين محدودتين (التيار السلفي والحكومة) رهنت مجتمعاً بكل قواه الاجتماعية والسياسية ومصادره البشرية وثرواته الاقتصادية لأخطاء قد نجزم بوصفها بالفردية.
|