|
لقد أغدق آل سعود المال على ضباطهم لشراء ولائهم, ومنحوهم رتبا لا يستحقوها, وعاملوا كبار الضباط معاملة الأمراء, وسمحوا لهم بالسفر للخارج والسكن في أفخم القصور, ووضعوا أساطيل السيارات تحت تصرفهم, وفتحوا حسابات سرية في البنوك السويسرية للموالين منهم للحفاظ على ولائهم. وقد اتخذ آل سعود جميع الخطط والإجراءات المذكورة أعلاه عملا بأحكام الشريعة الإسلامية, كما يفهموها.
وقد بدا للسلالة الملكية الحاكمة أن الإجراءات التي اتخذتها كانت "نعمة" على العرش لأنها حالت دون تدخل العسكريين في شؤونه ومنعتهم من تهديده. إلا أن السلالة عاشت لتكتشف أن تلك الإجراءات أثبتت أنها "نقمة" لأنها أدت إلى تدهور القدرات العسكرية للمملكة, واكتشفت أنه مع أن الإجراءات الأمنية الاحترازية نجحت في ضمان أمن العرش لعقود طويلة, فقد هددت أمن البلاد, لأنها أنتجت قواتا مسلحة مشتتة وضعيفة وممزقة وغير قادرة على الدفاع عن البلاد, حتى حين بلغت نسبة الإنفاق العسكرية في السبعينات (1837) دولارا لكل مواطن سنويا , مقابل (543) دولارا في الولايات المتحدة, و(433) دولارا في الاتحاد السوفياتي, وحتى حين أنفقت السلالة على التسلح خمسة أضعاف حجم المعونات العسكرية الأمريكية لإسرائيل منذ عام 1948 حتى أوائل الثمانينات.
وبعد كل ذلك, وجد العرش نفسه يحتمي بالحراب الأمريكية أثناء أزمة الكويت, لأنه قرر في السابق تثليم حرابه بسبب انشغاله بعبادة ذاته, مما أدى إلى نسيانه الأرض والإنسان والأوطان والقرآن والرحمن, وجل الذي لا يسهو....
ولعل الوصف الذي ذكره أنتوني كوردسمان (وهو أكبر خبير في الشؤون العسكرية للملكة) في العالم للوضع في وزارة الدفاع التي يرأسها الأمير سلطان كما كان عليه في أواخر السبعينات يؤكد التصو ر المذكور.
فقد كتب الخبير كوردسمان في كتابه "الخليج: البحث عن الاستقرار الاستراتيجي" ما يلي:
؛كان كل قسم من أقسام وزارة الدفاع يعمل وكأنه دائرة مستقلة, وكانت جميع القرارات المهمة ترفع للوزير.
أما الإجراءات والتعاليم الإدارية فكانت تعاني من ضعف هيكلي, ولم يكن أحد يتقيد بها. كما أن الوزارة لم تكن على الإطلاق قادرة على إجراء أي تخطيط استراتيجي مستقل.
أما نظام شراء الأسلحة فقد بقي بدائيا لأن الوزارة اعتمدت على الاستشارات الخارجية في كل مرة اشترت فيها صفقة سلاح. كما أن هذه الصفقات كانت تفتقر إلى الانسجام مع بعضها ولم تكن تشكل عناصر خطة تسلح شاملة, ولم تكن منسجمة مع ميزانية الدفاع.
بالإضافة إلى ذلك تم إبقاء الوزارة في حالة عزلة تامة عن الوزارات الأخرى« (كوردسمان - الصفحة 196) .
ولعل الوصف الذي ذكره كبير خبراء الشؤون العسكرية أنتوني كوردسمان للصراع الذي حدث عقب اغتيال فيصل بين الأمراء الكبار على النفوذ يعطي فكرة عن أنانية العائلة وحبها للذات وتضحيتها بأمن البلاد من أجل المصالح الفردية والشخصية.
فقد وصف الخبير العسكري الكبير الصراع الذي حدث بين فهد وسلطان وعبدالله على جثة القوات المسلحة كما يلي:
؛تأثرت عملية تطوير القوات المسلحة ا بالتنافس على النفوذ بين الأمير عبدالله والأمير سلطان, وبخلافات أخرى حدثت في صفوف الأسرة الحاكمة وتفاقمت عقب موت فيصل.
فمنذ البداية وعبدالله وسلطان في خلاف مستمر حول الدور الذي يجب أن يلعبه الحرس الوطني ونوعية الأسلحة التي يجب أن يستخدمها. وقد وصل الخلاف إلى أوجه في تموز 1977 حين اقترح ولي العهد فهد (المتحالف مع سلطان والمنافس لعبدالله) تخفيض عدد أفراد الحرس الوطني, وإلغاء جميع صفقات الأسلحة الثقيلة المعقودة لحسابه, وتحويله إلى جهاز شرطة عوضا عن كونه قوة عسكرية. وقد اعترض الملك خالد (المؤيد لعبدالله قائد الحرس) والأمير محمد وسعود الفيصل على اقتراحات فهد وقاوموها بشدة, وأصر الملك خالد على أن يستمر الحرس الوطني وجهاز المخابرات تابعان للملك مباشرة.« (كوردسمان, الصفحة 181).
ثم تحدث الخبير العسكري الكبير عن انعدام التنسيق الحادث بين أجهزة الأمن الداخلي والمختلفة نتيجة التنافسات الحادثة بين الأمراء على النفوذ وتعامل هؤلاء الأمراء مع تلك الأجهزة وكأنها متاع شخصي يسخرونه لخدمة مصالحهم الذاتية والتعبير عن نعراتهم العائلية والعشائرية وحقدهم على بعض. فقد كتب الخبير يقول:
وقد أبقى الأمير سلطان والأمير عبدالله الجيش والحرس الوطني معزولين عزلة تامة عن بعضهما حتى تاريخ حدوث التمرد في الحرم في تشرين ثاني/نوفمبر 1979.
ولم يحاولا القيام بأية جهود لإنشاء نظام اتصالات مشترك بين الجيش والحرس, أو القيام بأية مناورات عسكرية مشتركة, أو إجراء أية تدريبات مشتركة, أو تبادل أي معلومات مخابرات بينهما.
وقد وقع جهاز المخابرات ضحية شقاقات مماثلة.
إذ امتنع هذا الجهاز عن مشاركة الجيش والحرس الوطني بالمعلومات المخابراتية التي يجمعها.
كما أن وزارة الداخلية التي يرأسها نايف (المنافس لعبدالله) امتعنت عن مشاركة الحرس الوطني بمعلومات المخابرات التي تجمعها عن الوضع الداخلية.
وقد أدى عزلة هذه الأجهزة عن بعضها إلى تشتيت قدرات جهاز الأمن وإصابته بالضعف والاختلاط خلال عقد السبعينات بأكمله. بالإضافة إلى ذلك, فقد عنى هذا الوضع أن الحرس الوطني ركز كامل انتباهه على التنافس مع الجيش عوضا عن أداء المهمة التي كلف بها. كما أن التنافسات بين الأمراء منعت التدفق الطبيعي للمعلومات المخابراتية والأمنية بين البوليس والمخابرات والحرس الوطني وجهاز الأمن الداخلي والجيش من الحدوث وأدت إلى عزلة هذه الأجهزة عن بعضها, وتنافسها عوضا عن التنسيق بينهما.
(كوردسمان, الصفحة 181).
ثم تحدث الخبير العسكري كوردسمان عن أثر التنافس والشقاق الحادث بين الأمير عبدالله قائد الحرس الوطني والأمير سلطان وزير الدفاع وقائد الجيش على تشتيت وإضعاف جهود الخبراء العسكريين والمدربين وخبراء الصيانة الأمريكيين فكتب يقول:
أما التنافس بين الأميرين عبدالله وسلطان فقد أدى إلى التأثير على جهود الخبراء العسكريين الأمريكيين. فقد تضاءل التنسيق إلى حد كبير بين الخبراء العاملين في مختلف القطاعات (الجيش والمخابرات والأمن الداخلي والحرس الوطني) وحدث توتر بين الخبراء الأمريكيين العاملين مع الجيش والخبراء العاملين مع الحرس الوطني ووزارة الداخلية.
كما أن التوتر الناتج بين الحرس والجيش كان هو السبب الذي دفع الأمير عبدالله لشراء أسلحة ألمانية للحرس لم تكن متوفرة للجيش لأن شركات السلاح الأمريكية والفرنسية كانت على علاقة ودية مع غريمه الأمير سلطان.
وهناك أدلة تفيد بأن الحرس الوطني يعتمد على خبراء عسكريين أجانب لا يتخذون - كالخبراء الأمريكيين العاملين في الجيش ووزارة الداخلية - موقفا محابيا من إسرائيل. (كوردسمان, الصفحة 182)
ثم تحدث الخبير العسكري كوردسمان عن أثر التنافس المدمر بين الأمير سلطان (الذي ينتمي إلى عشيرة السديريين) والأمير عبدالله (الذي ينتمي إلى قبيلة شمر) على عمليات اتخاذ القرارات الجوهرية والمهمة المعلقة بأمن البلاد فكتب يقول:
كما أن التنافس بين الأمير سلطان والأمير عبدالله أدى إلى رفع جميع القرارات التي تؤثر على الصراع بين الأميرين إلى الأميرين مباشرة.
أما نتيجة ذلك فكان حدوث تأخيرات طويلة في اتخاذ القرارات العسكرية المهمة, وإلى دفن العديد من القرارات المهمة.
(يقصد تجميدها وعدم اتخاذ قرار بشأنها).
كما أن التنافس بين الأميرين أحدث مشاكل حتى في داخل الحرس الوطني لأن نائب قائد الحرس الأمير بدر كان ينتمي في الماضي إلى فئة "الأمراء الأحرار" الذين تمردوا بزعامة الأمير طلال, وبالتالي فإن الأمير بدر لا يحظى على ثقة قائد الحرس الأمير عبدالله (كوردسمان الصفحة 182).
ثم أشار الخبير العسكري الأمريكي كوردسمان إلى أثر الصراع على النفوذ الضار بين الأمير عبدالله والأمير سلطان على أمن البلاد والمجتمع فكتب يقول:
كما أدى التنافس بين الأميرين إلى حدوث صراع حول موضوع التجنيد الإلزامي.
فقد تبنى الأمير سلطان سياسة تجنيد لا تعتمد على التجنيد القبلي (بهدف إضعاف نفوذ عبدالله الذي يرأس حرسا من رجال القبائل).
أما الأمير عبدالله فقد أيد بشدة إبقاء نظام التجنيد القبلي, وقاوم بشدة فكرة التجنيد الإلزامي.
(كوردسمان الصفحات 182 - 183).
ثم أشار الخبير العسكري إلى الطريقة التي تتعامل بها الأسرة الحاكمة مع المؤسسة العسكرية, وكيف أدى حرص العائلة على البقاء في الحكم إلى إضعاف القدرات العسكرية للجيش والقوات المسلحة , فكتب يصف ما حدث نتيجة المحاولة الإنقلابية التي حدثت في عام 1969 والتي اعترف الجنرال جورج كيفان رئيس مخابرات سلاح الجو الأمريكي ورئيس أركان الجيش الأمريكي السابق أن المخابرات الإسرائيلية هي التي أحبطتها:
قامت سلطات ال سعود حين اكتشفت أمر المحاولة الانقلابية بحملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف اليمنيين والقبائل المحلية في شهر مارس 1969, ثم اعتقلت (130) ضابطا في الفترة يونيو - سبتمبر من ذات العام.
أما سبب شعور الأسرة الحاكمة بالخوف فكان مرجعه حدوث انقلاب ضد الملك إدريس السنوسي في ليبيا.
وقد استمرت حملة الاعتقالات لفترة طويلة ودون أي سبب, وشملت عدة مئات من شيعة الإحساء بسبب كونهم شيعة, وعددا كبيرا من الضباط الآخرين فقط لأن خلفيتهم أو أقرباءهم كانوا موضع شك.
ويبدو أن مدير المخابرات العامة عمر شمس قد اعتقل جميع الأشخاص المشبوهين في المملكة. واستمرت حملة الاعتقالات حتى عام 1970 واشتملت على مدير مكتب الأمير سلطان السابق ومدير الكلية العسكرية ومدير كلية البترول والمعادن, وحتى اللواء هاشم هاشم قائد سلاح الجو المؤيد لبريطانيا .
ومع أن ما حدث أظهر الحاجة إلى إحداث إصلاحات في المؤسسة العسكرية فإن الأسرة الحاكمة استمرت في عدم الثقة بتلك المؤسسة والخشية من نتائج توسيع المؤسسة العسكرية على الحكم (كوردسمان, الصفحة 138)
ثم أشار الخبير إلى أثر عبادة الحكم لدى الأسرة الحاكمة على فعالية المؤسسة العسكرية وكيف هددت رغبة الأسرة في البقاء في الحكم أمن البلاد فكتب يقول:
حدثت محاولة انقلابية صغيرة في القوات المسلحة في شهر مارس/آذار عام 1977 قام بها حوالي اثني عشر ضابطا من قاعدة تبوك الجوية.
وكانت خطة هؤلاء تقضي بقصف القصور الملكية في الرياض وجدة وإعلان قيام جمهورية إسلامية.
ومع أن المؤامرة تمتعت بتأييد ضعيف جدا ومحدود في القوات المسلحة, ومع أن أمرها اكتشف قبل حدوثها (لم يشر الخبير من كان وراء ذلك الكشف) فقد سارعت الأسرة الحاكمة بإصدار قرار يمنع تسليح الطائرات بالقنابل والذخائر, وعدم السماح لتلك الطائرات بالحصول على وقود (بنزين) لفترة تزيد عن ثلاثين دقيقة طيران (كوردسمان, الصفحة 227)
ثم عقب الخبير على حادث الحرم الشريف وكيف أن الأزمة التي واجهتها الأسرة الحاكمة لم تكن كافية لإحداث تنسيق وتعاون بين الأجهزة التي يقودها الأمراء المتنافسون, وأوضح حجم انعدام الثقة لدى الأسرة الحاكمة بالجيش والحرس الوطني الذي دفعها لاستيراد الجنود والمدربين من الخارج للتصدي للجيش والحرس, فذكر ما يلي:
"عقب حادث الحرم سارعت الأسرة الحاكمة للحصول على المساعدات الأمنية الداخلية من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن وباكستان.
إذ وقعت يوم الثاني من نوفمبر 1980 اتفاقية مع فرنسا لتدريب العناصر الموالية للحكم في شؤون الأمن الداخلي, ثم أنشأت هيئة تنسيق مشتركة تضم وزراء الداخلية في كلا البلدين, ثم اتفقت مع باكستان على إرسال وحدات خاصة للمملكة جوا في حالات الضرورة.
عقب ذلك عقدت الأسرة الحاكمة اتفاقية مع باكستان لاستقدام لواء باكستاني مدرع ومركزته في قاعدة تبوك بهدف التصدي لأي خطر مستقبلي على الحكم من قبل المؤسسة العسكرية .
ثم سارعت الأسرة الحاكمة بتشكيل وحدات خاصة مضادة للإرهاب تحت إشراف وزارة الداخلية, وتم توسيع وتدعيم الحرس الوطني وحرس الحدود وحرس الشواطئ.
إلا أن هذه الخطوات لم ينتج عنها حدوث أي تنسيق أو تعاون بين الحرس الوطني وأجهزة الأمن المختلفة التي يقودها وزير الداخلية الأمير نايف والتي استمرت معزولة عن بعضها.
أما الخطة المتبعة فكانت تقضي تقوية تلك الأجهزة بشكل انفرادي دون إحداث تنسيق بين العمليات التي تقوم بها عن طريق إبقائها معزولة عن بعضها.
(كوردسمان, الصفحة 238)
وكما نرى فإن الحاكم الذي يفكر جديا بالدفاع عن أمن الشعب لا يمكن أن ينشئ وزارة دفاع تعاني من الاختلاط والفوضى, وعاجزة عن إجراء أي تخطيط استراتيجي. ولا حاجة للإشارة إلى أن أهم سبب لحدوث تلك الصفقات كان رغبة الأمراء في الحصول على العمولات الخيالية التي فاقت مليارات الدولارات في بعض الصفقات, كما سنرى في بحث آخر.
أما السبب الآخر للتسلح فهو التصدي للأخطار العربية. فعلى سبيل المثال ذكر الخبير العسكري أنتوني كوردسمان أن فيصل اشترى صفقة سلاح من بريطانيا أطلق عليها عملية "السجادة السحرية" ووضعها في قاعدة أنشأها على الحدود اليمنية تدعى خميس مشيط من أجل التصدي للخطر اليمني.
وذكر أنه تم تكليف شركة بريطانية تدعى "خدمات إيروورك" بتجنيد طيارين بريطانيين سابقين للعمل كمرتزقة لديه لقيادة مقاتلات "لايتنغ" و"هنتر" المشتراة من بريطانيا (كوردسمان - الصفحة 125)
أما الخبير البريطاني فريد هاليدي فذكر في كتابه "الجزيرة العربية بلا سلاطين" أن المملكة لم يكن لديها طيارون, وأن الطيارين المرتزقة البريطانيين هم الذين قادوا الطائرات أثناء حرب ال سعود مع اليمن في عام 1969 (هاليدي, الصفحة 60)
أما الجنرال إرتيست غريفر مدير وكالة المساعدات الأمنية الدفاعية في البنتاغون فذكر أن صفقة طائرات إف-5 التي اشتراها آل سعود في أوائل السبعينات كان هدفها التصدي للخطر اليمني الجنوبي والخطر العراقي.
أما عضو مجلس الأمن القومي وليام كواندت فقد ذكر في كتابه أن إيران كانت تتمتع بمركز الحليف المقرب لواشنطن في الخليج في عهد الرئيس نيكسون وجيرالد فورد, وهذا مكنها من شراء أية أسلحة تريدها. أما الرئيس كارتر فقد فعل ما فعله كيسنجر من قبله, أي استخدم مبيعات السلاح كأداة رئيسية لسياسته الخليجية.
وقد ظهرت آثار سياسة كارتر الجديدة نتيجة القرارات التي اتخذها مجلس الأمن القومي التي أشارت إلى أن المملكة ا بدأت تدريجيا بالحلول محل إيران كعجلة أمريكا في الخليج (كواندت, الصفحة 82).
وحين عرض ال سعود شراء سربين من مقاتلات إف-15 كتب عضو مجلس الأمن القومي وليام كواندت ما يلي معلقا على الصفقة:
أكد مسئولو إدارة كارتر أن الصفقة لن تعطي المملكة سوى إضافات بسيطة في قدراتها الدفاعية.
وأكد هؤلاء أن التغلغل العميق الذي أحدثه الفنيون العسكريون والشركات الأمريكية في المؤسسة العسكرية للمملكة سيضمن عدم استخدام تلك الأسلحة ضد رغبات الولايات المتحدة. ويعتقد هؤلاء المسؤولين أن الصفقة ستعطي المملكة منافع سياسية دعائية وليس منافع عسكرية.
فال سعود ينظرون فيشاهدون أبو ظبي وعمان - وهما دولتان صغيرتان - تستخدمان طائرات فرنسية وبريطانية متطورة, بينما هم ينفذون خطة رسمها البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية تقضي لهم بالاعتماد على مقاتلات إف - 5 الأقل تطورا من الطائرات الأوروبية
(كواندت, الصفحة 83).
ثم تحدث كواندت عن آراء مسؤولي إدارة كارتر بالصفقة فكتب يقول:
"عبر المسؤولون الأمريكيون الذين لهم باع طويل بالتعامل مع ال سعود عن ارتياحهم وعدم تخوفهم من نتائج تسليم هذه الطائرات لآل سعود. إذ علق أحدهم بقوله: إن آل سعود هم أكبر معارض لقيام جيش قوي على أراضيهم. فقد عاشوا ليشهدوا جيوشا عربية قوية تطيح بأمثالهم. ولهذا فهم لا يرغبون بالمخاطرة بتشكيل جيش قوي بأنفسهم.
أما الحقيقة فهي أنهم يودون الحصول على بعض الأسلحة المتطورة وعلى جيش بهدف رفع رأسهم في العالم العربي عاليا وبحيث يصبح لهم مصداقية.
ولدى آل سعود بعثة عسكرية أمريكية مهمتها الأساسية دعم تلك المصداقية. إلا أن آل سعود يعلمون في النهاية أن الولايات المتحدة هي التي ستنقذهم من الخطر. ولهذا فإن رموز التعهد الأمريكي بحمايتهم تهمهم بقدر ما كانت تهم ألمانيا الغربية أثناء الحرب الباردة" (الصفحة 83).
أما الخبير كوردسمان فقد ذكر أن تسلح ال سعود في نهاية السبعينات عادت أسبابه لسقوط الشاه والحرب التي حدثت بين اليمن الشمالي والجنوبي, وحادث الحرم الشريف. وذكرت صحيفة النيويورك تايمز (22 أبريل 1981) أن البيت الأبيض صرح عقب موافقة إدارة ريغان على صفقة الإيواكس بأن الصفقة ضرورية لحماية مصالح أمريكا في منطقة الخليج نظرا لتدهور الوضع الأمني الغربي في المنطقة.
(راجع أيضا مناقشات الكونغرس الأمريكي بعنوان:المملكة والولايات المتحدة, الصفحة 64).
ليس ذلك فحسب فقد ذكر تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن أن أسرة ال سعود الحاكمة ترى موافقة واشنطن على بيع الأسلحة لها بمثابة تعهد أمريكي ضمني بحمايتها من أعدائها ومنافسيها العرب الآخرين الذين يملكون آلة عسكرية قوية.
وكما نرى بوضوح, فإن آل سعود لم يسعوا لإنشاء جيش قوي للدفاع عن البلاد والشعب, خشية الإطاحة بحكمهم, كما أنهم تسلحوا لأسباب لا علاقة لها بضمان أمن الشعب والبلاد كما شاهدنا أعلاه, وإنما لها علاقة بمصالحهم وأمنهم, وقد ظهرت نتائج تلك السياسة التخريبية أثناء احتلال الكويت من قبل صدام وعجز المؤسسة العسكرية عن ردعه.
أما السيناتور دورنان فقد أدلى بإفادة مليئة بالسخرية قال فيها:
حين أسافر على متن الخطوط الجوية التابعة لآل سعود يسألني ابني: لماذا ينتمي جميع الملاحين (الطيارين) الذي يقودون الطائرات إلى فئة الطيارين الأمريكيين والبريطانيين الذين حصلوا على إجازات طويلة للعمل كطيارين مع الخطوط التابعة لآل سعود؟ لماذا ليس هناك مضيفات من ارض الجزيرة في طائرات الخطوط ؟ لماذا ليس هناك موطنون محليون يتعاملون مع الأدوات التكنولوجية؟ أما الجواب على هذه الأسئلة فسيبدو على شكل شتيمة عرقية (عنصرية) لأن هؤلاء ليسوا أمة تتمتع بقدرات.
فهم لا يملكون القاعدة التكنولوجية الكافية لتشكيل لواء مدرع واحد أو كتيبة مشاة للدفاع عن البلاد. فمصافي النفط الضخمة والحيوية لمصالح العالم الحر (الغربي) التي أنشأتها شركة من جنوب كاليفورنيا في رأس التنورة وساميل تقف عارية وعاجزة عن مواجهة هجوم سوفييتي أو هجوم إيراني مجنون. فماذا نستطيع أن نفعل بطائرات الإيواكس التي سلمناها لآل سعود؟ إنهم لا يملكون عددا كافيا من الطيارين لقيادة طائراتهم التي اشتروها منا سابقا .
في اللحظة التي نسلم ال سعود فيها طائرات الإيواكس سيرسلوا طواقم للتدريب في قاعدة "تينكر" الجوية في مدينة أوكلا في الولايات المتحدة. وأول شيء سيفعله هؤلاء هو نصب مائدة للعب الورق على مقربة من مدخل القاعدة. وسوف يدفع ال سعود للخبراء والطيارين الأمريكيين الذين سيقودون طائرات الإيواكس لهم مرتبات تعادل خمسة أضعاف حجم المرتبات التي ندفعها عادة لهم, وفي النهاية سيتحول جميع أفراد طاقم الملاحين والخبراء الأمريكيين إلى مرتزقة يعملون لحساب ال سعود .
وكما ترون, فنحن مجبرون على الإشراف والتحكم بالمعدات العسكرية المتطورة التي نبيعها للمملكة إلى أن يتمكن ال سعود من بناء قاعدة تكنولوجية عقب أربعين عاما من الآن. دعونا نعطيهم دبابات.
دعونا نجرب قدرتهم على تشكيل وحدة مدرعة واحدة للدفاع عن رأس التنورة قبل أن نسلمهم طائرات الإيواكس ونسبب خسارة جزء من أدمغتنا العسكرية التي سنضطر لمنحها لهم لتشغيل واستخدام الإيواكس. (مناقشات الكونغرس, الصفحات 155 - 156).
|