قليل من كثير التعذيب في سجون آل سعود
(3)

 

حوادث موثقة دولياً :
استمرت منظمات حقوق الإنسان الدولية في رصد ومتابعة انتهاكات حقوق الإنسان لدى نظام آل سعود لما يثيره سجل هذا النظام من خروقات على الصعيدين المحلي والدولي وغالباً ما تجد هذه المنظمات بأن المادة دسمة عندما تتعلق بالنظام ، ورغم التعتيم الإعلامي والدولي لما يجري في داخل جزيرة العرب سواء كان بسبب القمع الواقع على الأعلام من قبل النظام أو بسبب أحجام هذه المنظمات من توثيق كل شيء لأنها لا تحصل دائما على الضوء الأخضر دائما من قبل الأنظمة الغربية وبالخصوص الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الشراكة السياسية والعسكرية بينهما وكذلك بسبب التحيز الواضح من قبل هذه المنظمات حيث تقوم بالتركيز أكثر على القضايا التي تخص الغربيين دون المواطنين .
 وللحياد نقول بأن أكثر المنظمات التي تعاملت مع ملف نظام آل سعود وأبرزت قضية التعذيب في داخل السجون هي منظمة العفو الدولية التي تعاملت بنوع من الجدية مع هذا الملف من خلال تقاريرها السنوية أو التقارير الخاصة حول كل بلد أو من خلال منشورات صغيرة تصدرها تسمى (حالات مناشدة) تسلط فيه الضوء على حالة معينة.
 ففي إحدى نشراتها ذكرت منظمة العفو الدولية حالة موت في التعذيب لأحد المواطنين من الجزيرة العربية وهو (محمد الحايك) وقد توفي المواطن المذكور تحت التعذيب بعد أكثر من سنتين من الاعتقال في مقر قيادة المباحث العامة في الدَّمام من دون تهمة أو محاكمة ولم تقم المباحث العامة بإبلاغ أقاربه بوفاته إلا في الشهر التالي في 20 تموز (يوليو). ورُفض السماح لعائلته بأخذ جثته، وقيل لها إنه تم دفنه في مكان لم يُكشف النقاب عنه. وعلى حدِّ علم منظمة العفو الدولية، لم يتمَّ إجراءُ تحقيقٍ رسميٍّ في سبب وفاة محمد الحايك. ولم يُقدَّم أي تفسير لأقاربه، أبداً.
 وقد ذكر تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) السنوي لعام 2003م عن حالات التعذيب التي تجري في السجون حيث ذكر أحد السجناء المفرج عنهم أساليب التعذيب المستخدمة ضد المحتجزين والتي منها الضرب بالعصي والسياط وأسلاك الكهرباء واجلاس الضحايا في كرسي يدور بالكهرباء حتى يفقدوا الوعي ويبدأوا في التقيؤ، وحرمانهم من النوم فترات طويلة قد تصل إلى أسبوع كامل، وإرغامهم على الوقوف على قدم واحدة فترات طويلة، كما يتعرض السجناء للمضايقات الجنسية بالتهديد بإيلاج قضيب حديدي في المستقيم أو بإيلاجه فعلاً.
 وفي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السنوي حول آل سعود لعام 2002م ذكر بأن موظفي وزارة الداخلية هم المسؤولون عن التعذيب والتي من بين أساليبها الحرمان من النوم، الضرب، الجلد، تعليق من قضبان بواسطة أصفاد وتهديدات ضد أفراد عوائل السجناء . الضحايا يتكلمون:
عندما يبدأ الضحية بسرد الوقائع والأحداث التي مرَّ بها وأساليب التعذيب التي مورست معه فان الحالة تصبح أكثر مأساوية وقاتمة ويصبح الكلام عن التعذيب على أيدي زبانية النظام أكثر واقعية ويتجلى ازدراء الحياة والكرامة الإنسانية من قبل النظام عندما يتكلم هؤلاء الضحايا عن المآسي التي مروا بها في الزنزانات المظلمة .
 انه من الصعب تصور الرعب والجور الذي يواجهه السجين القابع في الظلام حيث يفتح الباب فجأة على وجوه شريرة تطلب منه ان يستعد للعذاب.
ان التقارير والادانات الدولية مهما حاولت ان تكشف عن خفايا السجون والمعتقلات فهي عاجزة عن ذلك ولكن عندما يتعلق الأمر بالضحية نفسها فان الأمر مختلف تماماً حيث يبدأ الخوف والقلق يتسرب إلى نفس الضحية حتى وان كان يتكلم خارج السجن حيث يبدأ لسانه بالتلجلج ويبرز حقيقة طالما تجاهلها الآخرون .
 ولقد كثر عدد الضحايا الذين سقطوا نتيجة تعذيب زبانية النظام الذين كانوا لا يتورعون عن استخدام ابشع وأسوأ أنواع التعذيب المعروفة كما ان استخدامها يكون قاسياً بحيث يخرجها حتى عن صورة التعذيب المعتادة وذلك ليس من اجل انتزاع اعتراف من الضحية فقط وإنما من اجل سحق كرامة الضحية وإذلالها وإظهار حقيقة الحقد الدفين تجاه الضحية وخاصة إذا كان من مناويء النظام أو يحمل عقيدة مغايرة لما يحملها الجلاد، كما تكشف أساليب التعذيب الشعور بالنقص لدى الجلاد فيحاول ملء الفراغ الذي يولده ذلك النقص بالقسوة على ضحيته مبتكراً أساليب لم تخطر على بال حتى مخترعي أساليب التعذيب.
لقد تكلم العديد من ضحايا التعذيب في نظام آل سعود حول أساليب التعذيب التي اتبعت معهم من قبل جلادي المباحث العامة أو الشرطة السرية في زنزانات النظام المظلمة، وقلما وثقت هذه الشهادات من قبل المنظمات ولكن الذي وصل هو غيض من فيض ورغم قلته فانه يعطي صورة سوداء عن مدى استخفاف النظام بمواطنيه وعدم احترام كرامتهم. قال احد الذين تعرضوا للتعذيب على يد الشرطة السرية التابعة لنظام آل سعود انه اعتقل في سجن الدمام في غرفة مساحتها 3 قدم في 4 قدم.
 - غطس بماء بارد لمدة ثلاثين دقيقة وبعد ذلك غطس في ماء حار بعد إخراجه من الماء البارد مباشرة مما يؤدي إلى تشقق في البشرة مما يجعل اثر البهارات والفلفل على الإنسان مؤلما للغاية .
 - وقال معتقل آخر وهو فلبيني اسمه (رود ولنو أم البانو) اعتقلت و تعرضت للضرب والركل والحرق بالسجائر في يديه وأعضائه التناسلية. - وقال آخر بان الضرب يكون عشوائيا وكيفما اتفق وفي بعض الأحيان تغطس رؤوس السجناء في ماء المراحيض. - وقال احد المعتقلين الذين قادهم حظهم السيء ليصبح احد نزلاء سجون النظام وهو فلبيني اسمه (روجر كورتيز) اعتقل في نهاية التسعينيات : في وقت التحقيق معي يكون وجهي إلى الحائط ويدايَّ مكبَّلتين خلف ظهري مع تقييد الكاحلين... وعندما يشعرون أنَّ جوابي غير... مرتبط بما يسألونني عنه، أتلقى العديد من اللكمات على أذني و... يضربون وجهي بالجدار، ولذلك كانت الدماء تسيل من أنفي وفمي أحياناً ... وعندما يضربونني على أضلاعي أسقط أحياناً على الأرض، وكانوا يركلونني مرة أخرى بأحذية ذات سنابك فولاذية... مما يضطرني إلى النهوض كي أتلقى ركلة .
- ديفيد مورنين مواطن أجنبي اعتقل في عام 2000م في وصف معاناته قائلا: لقد طرحوا بي بين الحيطان، ولكموني في بطني، وركلوني في صدري وهددوا باغتصاب زوجتي بالتناوب ودس المخدرات في ثيابها .
 - ولم ينجوا حتى ضيوف جزيرة العرب من ممارسات التعذيب على يد جلاوزة النظام رغم العهود التي قطعت لهم بإجارتهم وحمايتهم من نظام بغداد الذي طاردهم وتوعدهم بالفناء. فها هو احد مخيم رفحاء يتكلم عن أساليب التعذيب التي مورست معه من قبل سلطات المخيم. زهير رزقي صابر احد أفراد القوات المسلحة العراقية الذي استسلم إلى قوات التحالف الدولية على أمل النجاة من الموت وجد نفسه أسيراً مرة أخرى في قبضة السلطات التي أودعته احد مخيماتها في الصحراء وأطلقت عليه اسم ضيف جزيرة العرب .
 تعرض زهير للتعذيب حيث وصفه كما يلي: لقد اعتقلت من قبل جنود آل سعود ونقلت إلى مكان خارج المجمع حيث تم خلع ملابسي الداخلية وربطت إلى أحد أسلاك السياج الذي يحيط بالمجمع لمدة ساعتين وكنت أثناء ذلك أتعرض للضرب لمدة ساعتين من مجموعة قوامها ثلاثة إلى أربعة جنود. بعد ذلك قاموا بقص شعري وخلطوه مع الرمل والماء واجبروني على أكله .
 ولكن وللأسف الشديد فان المجتمع الدولي يبدأ بحملة ضغط على هذه الأنظمة عندما يحس بالخطر الذي يحدق بمصالحه فيبدأ بعملية الضغط على هذه الأنظمة بعد ان يحس بأن زمام الأمور بدأ يفلت من يديه. فما هو تبرير الأنظمة الدكتاتورية مثلاً بعدم إصدار قوانين تنظم العملية القضائية وقوانين لمحاسبة المقصرين من مسؤولي النظام.
فعلى سبيل المثال فان نظام آل سعود بعد مائة سنة تقريبا من حكمه يصدر قانوناً ينظم فيه الإجراءات الجزائية في العملية القضائية وقانون لتنظيم مهنة المحاماة .
 فهل يعني هذا بأن النظام كان قد وضع جدولاً زمنياً لنضوج الشعب وعرف بأنه قد أصبح (أي الشعب) في موقع يتقبل فيه التغيرات التي طرأت على الحياة السياسية؟ وهل ان الشعب هو المقصر بعدم نضجه بعد مائة عام من الحكم أم ان النظام وبسبب أجواء الكبت وتحجيم بل وسلب حرية الرأي والمشاركة السياسية كان السبب في عدم الوصول إلى حالة النضج بعد قرن من الزمان؟ لقد دأبت الأنظمة الظالمة عبر تصريحاتها بنفي ما يقال عنها في وسائل الأعلام أو تكذيب تقارير المنظمات الدولية.
 وان النظام يعد من الأنظمة التي كرست كل طاقاتها لأجل إيجاد أعلام مسيطر عليه تستخدمه كأداة لإضفاء الشرعية على حكمه وكانت تظهر بين الفينة والأخرى تصريحات لمسؤولي النظام وخاصة لوزير الداخلية ومسؤولي الوزارة ينفون فيها قيام المؤسسات الأمنية بارتكاب انتهاكات حقوق إنسان ضد المعارضين السياسيين أو المواطنين الذين يعبرون عن عقيدتهم الإسلامية، وتأتي هذه التصريحات عادة عقب أي تقرير هجومي يصدر من قبل المنظمات والمجموعات الحقوقية.
خاتمة:
قد يخيل للقارئ بان مسألة التعذيب في زنزانات نظام آل سعود هي حالة فريدة مقتصرة عليه فقط ولا تحدث في سجون الأنظمة الأخرى مما يوحي بان هناك تحيزاً وتهويلاً للحقيقة. ان عملية التعذيب هي ممارسة ضاربة أطنابها في فصول التاريخ يتعرض لها جميع السجناء وخاصة إذا كانت الأنظمة الحاكمة ظالمة وجائرة وتنظر بعين الاحتقار والازدراء لمواطنيها. ولا تخلو أخبار الإعلام من ذكر لحوادث التعذيب الموثقة.
ولكن تبقى هناك حالات خافية على المجتمع الدولي لم يتطرق لها احد أو لم يجرؤ احد على تسليط الضوء عليها لسبب من الأسباب فتبقى الحوادث المروعة طي الكتمان وينأى فيها الجلادون عن المحاسبة ولا يشير إليهم احد أو يتهمهم بخرق القوانين الدولية.
 وحال نظام آل سعود هو كذلك، فرغم مشاركته لبقية الأنظمة العالمية باستخدام هذا الأسلوب المروع في معاقبة معا رضيه فانه يقوم بالتفنن في استخدام أساليب التعذيب التي تعلمها من غيره معتمداً على التضليل الإعلامي العالمي الذي اصبح له غطاء يحتمي به عن أعين الرقباء وتحت يافطة الإسلام وحماية المقدسات الإسلامية. فالنظام ليس فريدا في اتباع هذه الأساليب من الممارسات السوداء بحق الضعفاء ولكنه فريد في ابتكار ما يعجز عنه العقل الشيطاني من إدراك أساليب جديدة .

 

باحث متخصص  

 

 

 

 

تقارير
  مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء
 

نجد 2004