لماذا تمادى آل سعود؟
(2)

 

الأسباب :
النتيجة التي توصلنا إليها إذن بهذا التكييف أن الشعب يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، فكيف آل الحال بالشعب إلى أن يصبح هو السبب في تمادي آل سعود؟ هذا ما سنجتهد في معرفته في الأسباب التالية:
الأسباب ... التربية :
تعتبر حالتنا الحاضرة حصيلة عقود من التربية التي أنتجت وضعا نفسيا واجتماعيا أدى للتكييف أعلاه فما هي مظاهر هذه التربية السيئة وكيف نستطيع أن نتعامل معها تعامل العلاج؟
 أولا: الخوف الوسواسي الذي يتحول إلى مرض نفسي يشل المرء عن أي عمل. وعبارة "الخوف الوسواسي" مقصودة حتى تبين الفرق عن الخوف الطبيعي المبرر أو الحذر المشروع. لقد تربى الناس على أن آل سعود لديهم قدرات خارقة في المخابرات والتنصت والقمع ح
تى بلغت عند بعض الناس مستوى يتعارض مع صحة العقيدة والتوكل. نعم من المعقول والمقبول منطقا وعرفا أن يتفادى الإنسان المواجهة مع الحاكم على طريقة التهور لكن ليس من المعقول ولا من المقبول أن يجمد الإنسان أي نشاط بحجة أنه مهما اجتهد فلن يستطيع أن يخفي السر عن الحاكم.
ويذهب آخرون لمدى أبعد فيبادرون بالثناء على الحاكم لا حبا به ولا إيمانا بما يقولون ولكن حماية لأنفسهم بسبب هذا الخوف الوسواسي، ظنا منهم إنهم إن لم يمدحوه فسيبطش بهم.
 مع هذا الخوف الهالع لا غرابة أن يعتقد الحاكم أن الشعب قطيع غنم يقاد بالإشارة.
 ثانيا: الشك بالآخرين، وهي طبيعة منتشرة عند الناس حتى أصبح الأصل في الآخر هو الشك وليس الثقة، بل لا تكاد ترى أحدا جريئا إلا وبادر الناس باتهامه إنه مخابرات، لماذا؟ لانه لا يمكن أن يكون الإنسان جريئا إلا ظاهريا من أجل أن يستدرج الناس لمعرفة توجاتهم ويوصلها للحاكم.
 طبيعي جدا للحاكم مع هذا الشك الهائل أن يستخف بالناس ويسلط بعضهم على بعض ويستثمرهم لتأمين تماديه.
ثالثا: الاتكالية وانتظار الآخر، حيث يغلب على الناس الاعتقاد بأن المسؤولية ليست عليه وأن غيره يجب أن يتحرك. ومع الأسف الشديد رغم أن الناس تتحدث عن فروض الأعيان ووجوب البلاغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم وتؤمن بخطورة العذاب الرباني إن قصر المسلم فيه إلا أن الايجابية والمبادرة عملة نادرة جدا في مجتمعنا.
 والمزعج في هذه السلبية والاتكالية أنها لا تظهر إلا فيما يخص الموقف من الحاكم أو القضايا العامة أما إن كانت المسألة طلبا لمصلحة شخصية أو سباق في ظهور أو منافسة بين قرائن تجد الإيجابية منقطعة النظير.
 رابعا: التردد وضعف العزيمة والتفكير بالعواقب، حيث تجد الانسان الجريء الذي تخلص من عقدة الخوف ورهبة الحاكم ولديه بعض الايجابية ضعيف العزيمة مترددا زاعما أنه يخشى من عواقب غير حميدة لتصرفه. ومع الأسف الشديد لا توجد في بلادنا ثقافة الإقدام والمجازفة إلا من قبل قطاع الطرق ومروجي المخدرات والمجرمين والمفسدين. أما أهل الحق والدعاة والصالحين والمشفقين على الأمة والبلد فتجده يضع كل احتمالات الدمار قبل أن يبدأ بأي تصرف ويعتبر هذه الاحتمالات سببا لتردده وتمنّعه عن المبادرة. خامسا: احتقار الذات واعتبار أن القدرات الشخصية أو قدرات تيار معين أو جماعة معينة مهما كانت فلا توازي بحال قدرات النظام الحاكم.
 وبناء على هذه التربية يصبح من الحُمق أن تتم مواجهة النظام الحاكم بقدرات حقيرة أمام قدراته الجبارة.
ولا شك أن هذه ليست حقيقة لكنها مشكلة في التربية فمن جهة يستطيع الفرد أو الجماعة التغيير من خلال استثمار عقله وذكائه والأدوات الصحيحة في وقتها وطريقتها، ومن جهة أخرى فإن النظام نفسه صورة كاذبة لرعب غير حقيقي.
 الأسباب.... تراكمات دينية واجتماعية : مثلما أصبحت حالتنا الحاضرة حصيلة عقود من التربية فقد خلفت هذه العقود كذلك مجموعة مفاهيم دينية واجتماعية خاطئة تحولت إلى مسلمات خطيرة جدا يُكرّم ويُجرّم الناس على أساسها رغم خطئها.
 أولا: مفهوم ولي الأمر ومجموعة من التفرعات المشتقة منه. الحاكم عندنا ولي أمر كامل الشرعية له حق الطاعة التي يعتقد بها الإنسان أنه مأجور عليها وآثم إن قصر فيها. ولا يحتاج المرء أن يرفع السلاح في وجه الحاكم حتى يكون شاقا لعصا المسلمين بل يكفي أن ينصح الحاكم علنا ليصنف خارجيا.
 وخارجيا هنا ليست بالمعنى السياسي فقط بل خارجيا بالعنى العقدي، أي يصنف من يتجرأ وينصح الحاكم أو ينتقده علنا بأنه من الخوارج الذين هم خارج دائرة أهل السنة والجماعة.
 والمصيبة أن هذه الأمور لا تطرح لقضايا مستنتجة بأريحية شرعية بل تطرح كمسلمات محسومة، وإن نوقشت فإنها تناقش تحت إرهاب فكري يصاغ فيه الدليل صياغة تؤمن طاعة هذا الحاكم المتلاعب بالدين.
ثانيا: نحن أحسن من غيرنا، وإذا كنا أحسن من غيرنا فإن المفروض أن نشكر الله على كوننا أحسن من غيرنا بعدم التعرض للحاكم. ولا يدرك هؤلاء أنهم سيصبحون أسوأ من كل الذين غيرهم إن لم يقوموا بالأخذ على يد الظالم.
 ومثل هذا الشعار شعار آخر هو "من البديل"، وكأن آل سعود هم قدر الجزيرة و زوالهم يعني الفوضى والصراعات القبلية والفئوية والأقليمية، ولا يدرك هؤلاء أن آل سعود هم الذين يرمون البلد في أتون الفوضى.
 ومثله كذلك شعار "الشيوخ أبخص" وهذا الشعار مع أنه بدأ يتلاشى إلا أن معناه لا يزال قائما حيث يعتقد الكثير أن الحاكم بما لديه من معلومات واطلاع فهو الأعرف بالمصلحة. ثالثا: مفهوم العلماء ودور العلماء، حيث لا تفريق لدينا بين العالم العامل المجاهد القائل بالحق أو على الأقل غير المداهن والعامل الموظف لخدمة شؤون الحاكم، فكلهم علماء ولهم مستوى واحد من التقدير والاحترام والتقليد، بل ربما نال العالم الموظف من قبل الدولة حظا أكبر من التقليد لأنه سمي من هيئة كبار العلماء. ويتطور دور هذا المفهوم التخريبي ليصبح دور العالم هو تحييد وشلل بقية المجتمع، حيث استقر لدى الناس مفهوم أنه ما من وسيلة ولا طريقة لإيصال الاعتراض على الحاكم إلا من خلال العالم، وأن إيصال ذلك للعالم يبريء الذمة تماما، حتى صار دور العلماء عند بعض الناس مثل دور القساوسة الذين يعترف لديهم النصارى بأخطائهم فيؤمنوا لهم الغفران. أما أن يكون العالم قائدا اجتماعيا يحرك الناس ويبصرهم بواجبهم في الإصلاح بدلا من تجميدهم فهذا أمر محارب وغريب.
 الأسباب ... غياب التجربة السياسية والمدنية :
لا نحتاج الإطالة في شرح هذا السبب لأننا سبق أن تحدثنا عنه بإسهاب.
 وغياب التنظيم المدني وغياب التجربة السياسية يجعل الشعب من جهة عاجزا عن ترتيب أي عمل يسترد به شخصيته ومن جهة أخرى يجعله يتهيب أي مبادرة معتقدا أنها ستجره للفوضى.
ويهمنا أن نشير هنا إلى أن من ضرورات التنظيم المدني والنشاط السياسي وجود إعلام بديل.
وكما هو معروف لا يوجد في بلادنا إعلام بديل حتى بعد ظهور العولمة وخروج خدمة الإعلام من سيطرة الدول.
 الأسباب ... الدعم الخارجي : انتهاء ما يسمى بالحرب الباردة وهيمنة الأمريكان على المنطقة بالكامل وارتباط مصالحهم مباشرة ببقاء آل سعود أدى لأن يصبح بقاء آل سعود جزءا من استراتيجية الأمريكان في المنطقة.
 هذه الحاجة من قبل الأمريكان لبقاء آل سعود إضافة لشعور آل سعود بأن الأمريكان هم القوة الوحيدة في العالم التي تستطيع تغييرهم أعطاهم شعورا عارما بالثقة بالنفس ساهم في ظاهرة التمادي التي نتحدث عنها.
ولو كان آل سعود يشعرون بشيء من القلق من الدعم أو التعاون الأمريكي أو يشعرون بشك تجاه نوايا أمريكا في بقائهم لم يكونوا ليسترخوا كل هذا الاسترخاء في احتقار الشعب والتلاعب فيه.

 

يتبـــــــع

 

 

 

تقارير
  مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء
 

نجد 2004