لماذا تمادى آل سعود؟
(1)

 

ليس هناك جديد في استبداد آل سعود بالحكم، فمنذ أن استقر الأمر للملك عبد العزيز وآل سعود يحكمون جزيرة العرب حكما مطلقا.
 لكن آل سعود سابقا كانوا مدركين أنه رغم تمكنهم في الحكم فإن هناك متطلبات يفرضها البقاء في الحكم رغم كل هذا التمكن.
 إدراكهم لهذه المتطلبات منعهم من التمادي في الاستخفاف بالشعب ورؤوس المجتمع والتلاعب بهم وبمقدراتهم .
 وإلا فلماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة نهب المال العام إلى درجة أن الدولة تستدين من أجل أن تؤمن أطماعهم؟ ولماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة نهب أموال الناس الخاصة وأملاكهم وعقاراتهم بقوة السلطة بكل استرخاء ولا مبالاة؟ ولماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة الظلم بكافة أشكاله وأصبحوا يتصرفون على طريقة الذي لا يسأل عما يفعل؟ ولماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة أن تبقى معظم شرائح الشعب فقيرة في بطالة أو وظائف بأجور لا تقيم الأود مقابل ميزانية مفتوحة لكل أفراد العائلة الحاكمة وبطر لا يخجلون أن يستعرضوه أمام الناس؟ ولماذا استمرأ المتنفذون من العائلة الحاكمة التمتع بالخدمات من طائرات خاصة ومستشفيات متطورة وعشرات خطوط الهاتف وخدمة كهرباء وماء مجانية لكل أمير تكفي مدنا كاملة مقابل خدمات تعيسة ومكلفة للشعب المسكين بل حرمان في كثير من مناطق جزيرة العرب ؟ ولماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة قمع المعارضين للنظام من العلماء والدعاة والمثقفين وأساتذة الجامعات ومقابل ذلك استمرأوا نشر الفساد والانحلال رغم محافظة الشعب وحبه للدين والتدين؟ ولماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة استحلال الربا والحكم بغير ما أنزل الله وتمكين الجيوش الكافرة من استيطان جزيرة العرب وسخروا جهازهم الأمني والسياسي والإعلامي والديني للدفاع عنهم؟ ولماذا استمرأ المتنفذون في العائلة الحاكمة إعلان الأخوة مع اليهود الصهاينة المحتلين لبلاد المسلمين والاعتراف لهم بفلسطين حقا أبديا والترحيب بهم في بلادنا تجارا وسواحا وسفراء؟ نعم، لماذا وصل الحال بالمتنفذين في العائلة الحاكمة أن يحتقروا الشعب كل هذا الاحتقار وينهبوا خيراته ويصادروا رأيه ويتصرفوا كما لو كان الشعب قطيعا من الغنم ليس له قيمة آدمية؟ لا شك أن هذا التمادي فضيحة في حق الشعب الذي يتعامل مع هذا التمادي بعجز مطلق ويعطي كتفه لآل سعود يتحكمون به كيف شاءوا.
نتمنى أننا لم نقترب بعد من مرحلة قوم فرعون الذين قال عنهم القرآن {فاستخف قومه فأطاعوه} حتى لا ينطبق علينا بقية وصف الآية {إنهم كانوا قوما فاسقين}، كما لا نريد أن يصل حال الحكام معنا مثل حال فرعون {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}، لأن نتيجة هذا المآل معروفة وهي العقاب الإلهي للجميع الحاكم والمحكوم {إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين}.
 لكن السؤال الأهم هو كيف تم تطويع هذا الشعب الذي يفترض أن يكون شعبا مسلما ملتزما بالعقيدة الصحيحة، ومكونا من ناس هم سلالة الصحابة والتابعين والعرب الأقحاح الذين يعتدّون بشخصيتهم والذين قال عنهم ابن خلدون أنهم لا يخضعون لحاكم إلا بحكم الله الحقيقي؟ وإذا أجيب على السؤال أمكن البحث عن علاج لهذا الوضع الخطير الذي تعيشه الأمة.
تكييف المشكلة : قبل أن ندرس أسباب هذه المشكلة الفضيحة ينبغي أولا أن نصفها على حقيقتها حتى نكتشف أن المشكلة ليست ذلا وخنوعا للحاكم فحسب بل تسخير لقدرات وثروات الأمة لخدمة الحاكم وتسهيل متعته.
ونسرد هاهنا قائمة بتوصيف المشكلة على حقيقتها: أولا: الحكام بمعنى صناعة القرار والمسؤولية هم آل سعود فقط، ولا يوجد شخص له أدنى دور في القرار غير آل سعود.
 الوزراء والعلماء والمستشارون كلهم مجرد حاشية أو مساعدين يقترحون على آل سعود أو ينفذون أمرا وجه لهم أو يجيبون على سؤال طرح عليهم أو ندماء يوسعون صدر الأمير.
وكل متنفذ من آل سعود فهو حاكم وصاحب قرار وبينه وبين الشخص الذي ليس من آل سعود بينونة معروفة بمفهوم الحكم والأمر والنهي.
 أمراء المناطق مثلا أعلى شأنا من أي وزير من الوزراء من غير آل سعود، وأمير من الجيل الثاني أو الثالث له من الشأن ما ليس لأكبر وزير أو عالم أو قاضٍ.
والذي يردد عبارة اتهام البطانة ويزكي آل سعود هو إما جاهل لا يعرف طريقة حكم آل سعود أو مجتهد في تخليص آل سعود من المسؤولية.
 ثانيا: مفهوم الحكم عند آل سعود مبني على مبدأين لهما علاقة مباشرة بهذا التمادي، المبدأ الأول أن حكمهم لجزيرة العرب ليس ملكا فقط بل هو امتلاك حقيقي، ولذلك فالأصل مثلا في المال العام أنه لهم وما زاد فهو للشعب، وحتى المال الخاص آل إلى أيدي الناس بتفضلهم وكرمهم بل إن تحديد مصير مقدرات البلد من حقهم.
المبدأ الثاني في الحكم عندهم هو أن سلطتهم في البلد سلطة مطلقة تماما لا مجال فيها لأحد غيرهم للمشاركة في القرار ولا المحاسبة، بل لا حق لأحد أن يعرف مجرد معرفة ما يجري في مراكز القرار غيرهم. ثالثا: إن مرافق المملكة والجهات المتفرعة عنها والقوى الاجتماعية مسخرة لخدمتهم وترسيخ سلطتهم وتمكينهم كأولوية، وتأتي خدمة البلد كأمر ثانوي.
 ولذلك فإنهم لم يكتفوا بتسخير الأمن والقضاء والجيش والمال والإعلام ومؤسسات الدولة كلها، بل تعدوا ذلك إلى العلماء والمثقفين والمفكرين فحولوهم إلى أدوات لتأمين بقائهم وقمع مخالفيهم.
 ومع مرور الزمن تحولت مسألة تسخير هذه المرافق والقوى إلى ممارسة طبيعية باتت هي الأساس واستغرابه استثناء.
رابعا: مفهوم هذا التسخير لمرافق مملكة آل سعود والقوى الاجتماعية لا يقتصر على مجرد ضمان بقائهم في السلطة بل هو لتأمين كل مقومات متعتهم وفسادهم وأكلهم أموال الناس والتلاعب بمقدرات البلد.
مهمة رجل الأمن مثلا ليست حماية الملك أو الأمير فقط، بل مهمته أن يحرس القصر الذي تجري فيه الموبقات، أو أن يؤمن دخول المحرمات من منافذ البلد المختلفة، أو أن يرافق السيارات والشاحنات التي تحملها إلى حيث يجب أن تصل آمنة لقصر الأمير. ومهمة العالم ليست فقط تحذير الناس من التمرد على الحاكم، بل مهمته تزكية الحاكم والثناء عليه وتجريم وتقبيح مخالفيه.
ومهمة القاضي ليست فقط الحكم على مخالفي الدولة بالخروج، بل مهمته تحويل نهب أموال الناس وعقاراتهم إلى حق شرعي موثق بصكوك شرعية.
 وهكذا هي مهمة المثقف والمفكر ورجل الإعلام والعسكري في الجيش، فلكل دور في تأمين متعة الأمير وتوفير الغطاء لكل جرائمه. خامسا: المشكلة التي لا نستطيع أن نتهرب منها هي أن رجل الأمن ورجل الإعلام والعسكري في الجيش والموظف في وزارة المالية والعامل في صناعة النفط والقاضي والعالم والمثقف والمفكر كلهم من الشعب وليسوا من العائلة الحاكمة. بمعنى أن مرافق الدولة والقوى الاجتماعية التي تعمل جاهدة لتأمين متعة المتنفذين من الأسرة الحاكمة وحماية فسادها وتجريم مخالفيها كلها تتكون من أفراد من الشعب وليس من العائلة الحاكمة.
 الاستنتاج إذن هو أن الذي وفر لآل سعود هذا التمادي في الظلم والطغيان وأكل أموال الناس والاستخفاف بالشعب ودينه وكرامته هو الشعب نفسه!! هذه النقطة في توصيف أو تكييف المسألة مهمة جدا من أجل التعامل معها بوضوح.
بمعنى أننا حين نعبر عن ضجرنا من تمادي آل سعود يجب أن نوجه اللوم لأنفسنا بصفتنا نحن الشعب ونحن الأمة إن كنا نريد العدل والأمانة.

 

يتبـــــــع

 

 

 

تقارير
  مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء
 

نجد 2004