|
صدرت خلال الفترة القصيرة الماضية عدّة أبحاث مهمة ترصد التطور الاجتماعي والسياسي في الجزيرة العربية واتجاهات الإصلاح المختلفة، وحملت صيغاً وتوجّهات متعدّدة: البحث الأول لباحث فرنسي يحمل عنوان ظاهرة الإصلاحيين الجدد..أما البحث الثاني يحمل عنوان هل تستطيع مملكة آل سعود إصلاح نفسها؟
ظاهرة الإصلاحيين الجدد
الباحث الفرنسي ستيفن لاكرويكس الذي يحضّر رسالة الدكتوراه عن التيارات الفكرية والسياسية في الجزيرة، ويدَرس في جامعة باريس كان قد زار المملكة وأجرى مقابلات مع العديد من رموز الإصلاحيين في المملكة وفرّت له مادة لإعداد بحثه الذي نحن بصدد عرضه ، والذي نشره في مجلة الشرق الأوسط التي تعدّ من أبرز المجلات البحثية والأكاديمية عن الشرق الأوسط ، وذلك في عددها لصيف 2004م تحت عنوان "بين الإسلاميين والليبراليين: (الإصلاحيون الإسلاميون-الليبراليون) الجدد في جزيرة العرب
يلقي لاكرويكس الأضواء في بحثه القيم على ظاهرة جديدة في السياسة المحلية ، وهي ظهور كيان جديد يشكل تياراً سياسياً يدعو إلى تحوّل ديمقراطي في إطار إسلامي ، ويضم إسلاميين وليبراليين سابقين من السنة والشيعة، وذلك من خلال القيام بمراجعات فكرية وسياسية لمنهجية عملهم ومواقفهم السابقة.
ويوضح الباحث أن التحول بهذا الاتجاه بدأ بُعيد حرب الخليج الثانية في ظل غياب أبرز الرموز الدينية المتشددة التي كانت حينها رهن الاعتقال، وأخذ في التبلور بصورة أوضح في منتصف التسعينيات وخاصة لدى الإسلاميين الذين اختاروا خطاً وسطياً بين الدعوتين الصحوية والسلفية الجهادية.
واتبع الباحث منهجية رصد السير الذاتية لشخصيات بارزة ساهمت ولا تزال في مشروع التغيير و الإصلاح بمستويات مختلفة -وهي ذات المنهجية التي اتبعها مأمون فندي في كتابه عن المعارضة - حيث أضفت على البحث بعداً تفاعلياً من خلال قراءة التطورات الفكرية والسياسية لشخصيات البحث.
ويستنتج الكاتب أن هؤلاء الإسلاميين الليبراليين الذين يتميزون بخطاب سياسي معتدل يجمعون على ضرورة التغيير عبر خلق تيارٍ ديمقراطي متعددٍ الأطياف يعكس التنوع المذهبي والفكري و الجهوي القائم في المملكة.
ويؤكد الكاتب أن أحداث سبتمبر/ أيلول أتاحت مناخاً مناسباً لهذا التيار للتبلور والطرح العلني.
ويستعرض لاكرويكس البيانات التي أعدها الإصلاحيون "على أي أساس نتعايش" و"رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" وظروف إصدارها والعقبات التي اعترضت القائمين عليها وانسحاب البعض نتيجة للضغوط التي تعرضوا لها فيما بعد بسبب التفسيرات المختلفة لهذه البيانات..
كما يعتقد الباحث أن هذا التحالف السياسي يحمل مضموناً مهماً أيضاً يتعلق بالإصلاح الديني فقد يتحول إلى تيار "ما بعد الوهابية".
من الواضح أن الباحث قد بذل جهداً كبيراً في رصد هذا التطور المهم في المجتمع المحلي من خلال لقاءاته ومقابلاته المتعددة ورصده لهذه الظاهرة، ولكن عمله مع ذلك لا يخلو من ملاحظات منهجية.
هل تستطيع مملكة آل سعود إصلاح نفسها؟
أعدت مجموعة الأزمات العالمية (International Crisis Group) التي تتخذ من بروكسل مقراً لها وتعمل على حلّ ومنع النزاعات والصراعات في العالم بحثاً مفصلاً عن موضوع الإصلاح في المملكة نشرته في 14 يوليو/ تموز 2004م تحت عنوان "هل تستطيع مملكة آل سعود إصلاح نفسها؟"، وحمل الرقم 28 ضمن عدة أبحاث عن الصراعات في الشرق الأوسط.
يحتوي التقرير على سبعة فصول تبدأ بمقدمة عن علاقة العنف بالإصلاح، وخلفية عن المجتمع والمؤسسات السياسية والدينية، وضغوط الإصلاح الخارجية والداخلية، ومطالب الإصلاحيين وسبل عملهم، ورد الفعل الحكومي، الحل الأمثل: الإصلاح والدين والاستقرار وأخيرا الدور الأميركي.
يعرض البحث في البداية تشخيصاً للأزمة القائمة الناتجة عن محاولة الموازنة بين الضغوط الخارجية وبالخصوص من أميركا في مجال مكافحة التيار الديني، وبين الشعور الداخلي بما يمكن اعتباره تدخلا ورضوخا لواشنطن، معتبراً أن هذه الحالة_ إضافة إلى بروز الجماعات المسلحة وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية_ تشكل في مجموعها تحدٍ كبيرٍ أمام صانعي القرار.
ويرصد التقرير الأساليب والخيارات التي سارت عليها حكومة آل سعود خلال هذه الأزمة ابتداءً من اعترافها الخجول بالحاجة إلى الإصلاحات السياسية والاجتماعية والتعليمية..
وفي المقابل يرى التقرير أن تغيير النهج لاعتماد استراتيجية المواجهة الأمنية والتمسّك بالوضع السياسي القائم الذي أفضى إلى مضايقة الإصلاحيين واعتقال بعضهم ووضع حد للحريات العامة ساهم في تأزيم الأوضاع المأزومة أصلاً.
و يوجه التقرير توصياتٍ إلى دعاة الإصلاح بالتأكيد على المصالح المشتركة، مع مراعاة الحالة الفئوية و الجهوية، وتوسيع قاعدة المشاركين في مشروع الدعوة للإصلاح.
التقرير يحتوي على مادة وافية عن التطور السياسي والاجتماعي في الجزيرة العربية، ويرصد التحولات فيها بصورةٍ جيدةٍ من خلال اللقاءاتِ المباشرة مع العديد من الشخصيات السياسية والأكاديمية، ويلخّص بصورةٍ موضوعيةٍ وواقعيةٍ السبل الممكنة لاحتمال نشوب النزاعاتِ السياسيةِ.
|