الثقافات الخاصة في جزيرة العرب
ج1

 

 إن المناخ الثقافي المتلبِّد في الجزيرة العربية ينذر دائماً بالمزيد من الاستقطاب الثقافي الحاد وقد يتسبب في انسدادات خطيرة في قنوات التعبير الثقافي العام.
 إن جاذبية أي خطاب تنبع من قدرته على الانتشار في محيطات ثقافية تشهد فوراناً متصلاً، والتصالح معها بحيث تكون مصدراً مشتركاً لأنظمة ثقافية متنوعة.
 نلحظ بأن الثقافات الخاصة في الجزيرة شهدت ازدهاراً كبيراً مستفيدة من التغييرات الدراماتيكية في الأوضاع السياسية المحلية والاقليمية والدولية، مما أعطاها زخماً هائلاً وسط البيئات التي ولدت وتنامت فيها، وهذا بلا شك قد ألقى بظلال قاتمة علي اية محاولة لإنتاج خطاب ثقافي موحد، إذ لا يمكن في ظل تفجّر الخطابات الثقافية الخاصة أن ينتج خطاب ثقافي موحد بوسائل تقليدية أو حتى عصرية بسهولة ما لم يستوعب مجمل التطورات الثقافية والسياسية المحلية والدولية الراهنة والمستقبلية..
 لقد أجّلت الثقافات الخاصة في الجزيرة فرص تبلوّر خطاب ثقافي واحد، بفعل تضخم الخطاب الثقافي التقليدي، الذي حمل تهديداً مباشراً أو مبطّناً لتلك الثقافات، وساهم في تأكيد وشرعنة انتشارها وتجذّرها، الأمر الذي جعلها تعزز تحصيناتها الثقافية ضد الخطاب الثقافي المسنود رسمياً.
وكرد فعل طبيعي؛ فإن الثقافات الخاصة تولّد معها مضادات ضد غيرها ولكن حين يكون هناك تهديد ثقافي فإن هذه الثقافات تتحول الى ما يشبه كانتونات ، ولكن تشهد بداخلها حراكاً مضطرماً يستهدف بدرجة أساسية تحييد التأثيرات المحتملة لخطابات ثقافية أخرى مختلفة أو مضادة. طيلة العقود الماضية كان هناك خطاب ثقافي رسمي تسنده الدولة وتسوّده على المستوى العام باعتباره جزءاً من ماكنتها السلطوية، فيما كانت الثقافات الأخرى الخاصة تعمل بصورة منفردة رغم التقييدات الصارمة المفروضة عليها، وهي ثقافات كانت تستبطن ردود فعل مضادة على خطاب ثقافي صنعته الدولة ووفّرت له فرص الانتشار.
الآن، وبعد مُضي تلك الفترة الطويلة هناك عوازل ثقافية محكمة التحصين قد أقامتها الأنظمة الثقافية المحلية، وإنّ إزالتها تبدو مستحيلة.
 ولكن السؤال: هل الخطاب الثقافي الموحّد مناهضاً ومتناقضاً بالضرورة مع التنوع الثقافي الداخلي؟ والجواب لا، لأن مكونات الخطاب الثقافي العام مستمدة من خطابات ثقافية متنوعة تستهدف صناعة نسيج ثقافي مشترك، وثانياً لأن الاقرار بالتنوع وحده الحافز على القبول بالخطاب الثقافي العام، لأنه خطاب كما اسلفنا يجد فيه الجميع مشتركات ثقافية هي في الاصل مشتقة من الثقافات الخاصة ولكن جرى تخصيبها في فترة استجابة جماعية وهدوء نسبي لتكون مؤهلة بدرجة كافية للاندكاك في بُنية الخطاب العام.
وقد يجادل البعض بأن الخطابات الثقافية الخاصة لا تشتمل بالضرورة على عناصر قابلة للاستعمال في عجينة الخطاب الواحد، فهي خطابات تأسست في الأصل أو نشأت كرد فعل على منابذة الآخر والقطيعة معه، فكيف يمكن للاقصائي أن يكون متصالحاً مع الآخر ثقافياً فضلاً عن أن يكون عضيداً له؟ وهذه المجادلة تستند بدرجة أولى إلى المعطيات الثقافية الخاصة بالخطاب، وليس الى مشتقاتها اللاحقة، إذ لا يمكن لأي خطاب ثقافي أن يتصالح مع الآخر مع احتفاظه بنظامه التأويلي الخاص، فلا بد أن يعاد إنتاج النظم الثقافية وفق متطلبات جديدة ومرئيات منفتحة تأخذ في نظر الاعتبار رغبتها في التعايش مع الآخر.
 في الوقت نفسه، ليس الخطاب الواحد وحده المراد تسويغ تنظيمه واشاعته، لأن ثمة مقدمات أساسية لصناعة مثل هذا الخطاب وتتصل بدرجة أساسية في المناخ الثقافي الملائم لإنجاب خطاب بصفة شاملة، فالثقافات الفرعية او الخاصة مازالت مستحكمة ومتراصة وتتمتع بدرجة عالية من التجانس الداخلي، أضف الى أنها تشكل الرابطة الوثيقة لأفراد ينتمون لجماعات موحدة في داخلها.
إن النظم الثقافية السائدة والمسؤولة عن صناعة خطابات خاصة لجماعات تعيش صراع هوية ووجود تكون فيها الممانعة على أشدها ضد نوايا مازالت مرتابة إزاء بلورة خطاب عام. ربما يوحي هذا الى البعض أنّ غاية الخطاب الموحد تتحقق بتفتيت الثقافات الفرعية أو الخاصة التي أشير لها قبل قليل، بيد أن هذه ليست سوى قراءة خاطئة للحالة. فغاية الخطاب الشامل هي المساعدة على صياغة خطاب متجاوز للثقافات الخاصة ولكن في الوقت نفسه مشتقاً منها أي بالتعبير الشائع أن الثقافات الخاصة تصبح في طول الخطاب الوطني وليست في عرضه، أي ليست متعارضة معه بل تشكل امتداداً لهذا الخطاب.
 إذ لا فائدة من خطاب يحقق وجوده عبر تقويض الخطابات الأخرى، وخصوصاً في حالة الجزيرة العربية التي لم تنفك فيها الثقافات الخاصة تمد معتنقيها بكل أسباب القوة والمقاومة والهوية.
وبطبيعة الحال لا يمكن الكشفُ عن الصلة بين الخطاب الثقافي الوطني والخطابات الثقافية الفرعية ما لم تتأكد لدى الجميع المنفعة المرجوّة من وجود الخطاب الوطني، لأننا بهذا الاكتشاف ندرك بأن ثمة ظروفاً جديدة قد خلقت لتوليد مثل هذا الخطاب، أو قد بات الجميع على قناعة بأن ثمة حاجة للبدء بمراجعات جادة لفتح الحدود المغلقة بين الثقافات الفرعية من أجل تزويد المنبع الثقافي الكبير الذي منه يوّلد الخطاب الوطني.

 

عسران الرشيد

 

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004