الثقافات الخاصة في جزيرة العرب
 ج2

 

 في ظل الارتياب والنبذ الثقافي المتبادل تصبح مهمة صانعي الخطاب الموحّد شبه مستحيلة، لأن الجماعات لا تمس أغلى مكوّن لهويتها ومصدر تماسكها دون أن تكون على يقين تام بأن البديل يوازي في مكاسبه ما تجنيه الجماعات من منابعها الثقافية الخاصة، بل ولا تفرّط حتى في الأجزاء غير المفعّلة منها بما في ذلك المُدرجة في خانة الملهمات والتوسمات الروحية والاسطورية التي يتم استعمالها والتوسّل بها في فترة الاستقطاب الثقافي الحاد والتوترات الاجتماعية والسياسية التي تسود الجماعات وتحكم علاقتها مع الخارج.
 تشجيع فكرة تقريب الخطابات لا تتوقف على مجرّد إطلاق النوايا الطيبة، أو التصريحات المتفائلة التي لا تجد منفذاً سهلاً للمنابر الثقافية والإعلامية، بل على العكس قد تترك تلك التصريحات تأثيرات عكسيةٍ حين يكون التصريح معزولاً عن أثره العملي، فحينئذ تبالغ الجماعات في تكثيف حضورها الثقافي كتعبير عن الاحساس بالريبة والخوف مما تخفيه تلك التصريحات ، وبالتالي إطلاق العنان للثقافات الخاصة كيما تعبِّر عن نفسها بصورة ارتدادية وكاسحة، تماماً كما يحصل في انبعاث الهويات الفرعية القبلية والمذهبية كرد فعلٍ على تصدّع هيبة الدولة وسطوتها.
 يمكن القول بأن الخطاب الديني يمثِّل أحد المعوّقات الكبرى لتطوير خطابٍ ثقافي وتعميمه.. إن مضخات الخطاب الديني المتشدد تعمل بأقصى طاقتها.. فذات اللغة التحريضية، وذات قنوات التعبير عنه، وذات مضلة الحماية المحيطة به شكّلت مجتمعة الماكنة الثقافية الكبرى في البلاد.. وحتى الآن، لم يتغير شيء لافت في الخطاب المنبعث من هذه الماكنة، والمنبث في الفضاء الثقافي المحلي.. يكفي للوقوف على سطوة هذا الخطاب و مقاومته العنيدة إزاء محاولات الإصلاح المضنية .
فليس بإمكان أحدٍ الانفلات من مجال تأثير الخطاب المتشدّد، لكثرة الحراس الصامدين في ثغور العقيدة.. إنّ من نجى بنفسه قد أصابته سهام الطرد والنبذ، فالطاردون العقديون يمسكون بصكوك البراءة من أولئك المنعتقين من هيمنة الخطاب العقدي السلفي.
 إن طبيعة الثقافات المُغلقة بإحكام تُعينُ على تشكيل قوة دفاعية حصينة أمام محاولات الخروج منها أو عليها، فلا تسمح للخاضعين تحت تأثيرها أن يفلتوا منها الا بعد عملية سلخ لسمعتهم والقذف بهم بعيداً عن المجال الحيوي لتلك الثقافة المتصلّبة، ليكونوا عرضة لنبال الجهلة وسهام البُلهاء المملوئين بوهم الحقيقة الإيمانية ..
 لقد ظل الخطابُ الديني الرسمي محتفظاً بوسائل التعبير عن نفسه كافة، والذي يسمح بانبثاثه الواسع النطاق مستعيناً بموارد الدولة ذاتها التي مافتئت تمدّه بالتسهيلات التقنية والمالية رغم ما تدعيه الدولة من خطاب وطني غير مرشح للولادة في ظل هيمنة الثقافة التقليدية الرائجة عبر وسائل الإعلام الرسمية بتنوعاتها كافة.
 إن التدفق الفعّال لمفردات خطاب ديني ذي طبيعة انعزاليةٍ وفئويةٍ لا يرحب بانبثاق خطابٍ ينازعه السيادة والمشروعية.
 وما لم تخضع الثقافات الخاصة لعملية نقدٍ ذاتي تبدأ أولاً بالثقافة الدينية الرسمية التي تحظى برعاية الحكومة، فإن خطاباً ثقافياً مشتركاً لن تُقدَّر له ولادةً طبيعيةً وسهلةً ، إذ أن مكونات هذا الخطاب مازالت مفقودة بل وحتى الأرضية الصالحة لنموه أيضاً لا تزال معدومة..

 

عسران الرشيد

 

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004