|
استطاع نظام آل سعود أن يعتاش لفترة طويلة على الطقوس ، خاصةً وأنها دوماً تكون ظاهرة ومرئية للمتفرج والمشارك سوية. ولد النظام مجتمعاً يعتبر ممارسة الشعائر وعرضها على الملأ وإقامتها على مرأى ومسمع الجمهور، مقياساً وحيداً للدينية التطهرية.
ظهرت أهمية الطقس مؤخراً في لحظة مبايعة عبد الله ملكاً على البلاد؛ حيث أثبتت هذه البيعة بشكل جلي أن المجتمع هو بالفعل مجتمع للطقوس الدينية.
لا يخفى على الجميع ان بيعة الملك هذه تختلف اختلافاً جوهرياً عن بيعات تاريخية كبيعة الانبياء وغيرها من البيعات الإسلامية الماضية، ولكن لم يتردد الإعلام الرسمي ، وما يسمي بعلماء الدين من اجراء مقارنات تاريخية تُعرض على الشاشات التلفزيونية هدفها ترسيخ مفهوم البيعة الإسلامية للنظام واقناع الجمهور أن هذه البيعة التاريخية التي تحصل في القرن الواحد والعشرين ما هي إلا امتداد لممارسات المسلمين الأوائل.
لقد وصلت الوقاحة الفكرية والاستهزاء بالأنبياء والتاريخ القديم الى درجة اجراء مقارنة بين بيعات الانبياء وبيعة حالية لا تعتمد على اي بعد تاريخي أو شرعي، فمنذ متى كان المسلم يبايع أسرة أو أفرادها بالجملة؟ وفي اي نصٍ ديني ثبتت بيعة القياصرة والملوك؛ لقد فرغت البيعة ومفهومها ، ولم يبق منها إلا الطقس الديني .
هذا الطقس امتاز بميزات غريبة، إذ أنه بدأ بمبايعة فرد أو فردين من قبل أفراد العائلة ، ومن ثم عرض القرار على ما سمي بالوجهاء أو أهل الحل والعقد، وعلى رأسهم علماء الدين، اذ ان هؤلاء هم من يضفي الشرعية على هذا الطقس والذي لا يكتمل إلا بوجودهم ولو الشكلي.
يستطيع هؤلاء ان يسخروا علمهم الشرعي في سبيل إضفاء البركة والنعمة خاصة عندما يشرحون للرعية مفهوم الطقس وضرورته، ويرتلون الجمل المستمدة من حقبة تاريخية قديمة لإضفاء نوع معين من القدسية والتي هي بالنتيجة عملية تضليل واضحة المعالم. إن استعمال النص الديني في مناسبة ما سمي ببيعة الملك ما هو الا استهلاك مفضوح للدين ونصوصه.
وبغياب الخلفية الشرعية لمثل هذه البيعة يتشبث هؤلاء بالطقس ومظهره وكلماته ليتجاوزوا الواقع الحقيقي للنظام وبيعته الحالية والسابقة ومدى قربها أو بعدها من النمط الذي يكمن في الذاكرة الدينية والذي تتحدث عنه النصوص الشرعية.
انحصرت إسلامية نظام آل سعود بالطقوس الدينية، وهذا لا ينطبق على البيعة فقط، بل تتصدر الطقوس وهمينتها على الخير العام كل مناسبة من حج وصلاة وصيام وغيرها من الطقوس المعروفة.
وليس من الغريب أن يستغل النظام هذه المناسبات والشعائر لترويض النفوس وتعويدها وتدريبها على نمط معين يقلص الدين ويختزله في عمارة المساجد وسقاية الحاج بينما يتجاهل ما هو أكبر من ذلك وأعظم.
كلنا نعلم أن ، حتى المجتمعات التي تطبّق العلمانية تضطر الدولة إلى المشاركة في الخير العام الديني؛ ففي بريطانيا مثلا، تدفع الدولة مبالغ كبيرة من الخزينة العامة لمساعدة المدارس الدينية وخاصة التابعة للكنيسة البريطانية، وكذلك تموّل الكثير من المشاريع الدينية وتدخل في شراكة مع بعض الجهات ذات التوجه الديني، لذلك ليس بالفخر أن يتصدر نظام آل سعود المشاريع الدينية والتي تبهر الناظر إليها، فالدولة الدينية لا يقتصر مفهومها على المظهر الديني بينما يطمس جوهرها.
سياسياً أثبت نظام آل سعود علمانيته. هو بالفعل نظام يفصل بين الدين والدولة، الأول يبقي مطبقاً اجتماعياً فقط، أما شؤون الدولة الاقتصادية والسياسية فهي تدار دون اعتبار للدين رغم الطقوس الظاهرة والشكليات والتراتيل المتكررة.
خذ مثلاً القضاء. من المعترف به أن الدول تحترم سيادة قانون واحد يطبق على أرضها ، ولا تقبل أن تتواجد عدة مصادر للتشريع، إذ أن هذا يخل بمبدأ السيادة المرتبطة بالدولة وحدودها.
ففي مملكة آل سعود الكل يعلم أن الزواج والطلاق والإرث وربما بعض السرقات التافهة والأمور الاخلاقية كلها تخضع للشريعة الإسلامية، أما الأمور التجارية والاقتصادية فتخضع لسلسلة انظمة وضعية مرتبطة بمراسيم ملكية وكذلك مؤخراً القضايا الإعلامية ، حيث لها محاكمها الخاصة بها وهلم جرا.
التعددية القضائية والتشريعية هذه حالة فريدة خلقت وضعاً لا تعرفه الدول الاخرى، وإن عرفته فهي تعترف به كما يحصل في الدول العربية الأخرى والتي تصرّ دساتيرها على أن الإسلام هو دينها ولا تحتفظ إلا بقوانين الاحوال الشخصية، بينما تسن قوانينها الخاصة الوضعية في المجالات الحياتية الأخرى.
هذه التعددية أفقدت القضاء في مملكة الظلام مصداقيته، ونسفت مقولات الاحتكام إلى الشريعة والتي تتردد من باب الدعاية والتضليل، وقد زاد الطين بلة موضوع ما يسمي بالعفو الملكي، هذا العفو ما هو إلا دليل قاطع على مهزلة ما يسمي القضاء. هذا القضاء الذي يجرم أبرياء بعد تلقي الاتهامات من النظام والبحث عن أدلة شرعية لإثبات جرائمهم المزعومة، ومن ثم يأتي العفو ليكرس المكارم الملكية التي تأتي على حساب هذه الهيكلية المسماة محاكم شرعية. ليت النظام يكرس مكارمه على حساب شيء آخر وليس التلاعب بالقضاة والشرع الذي يزعمون انهم يطبقونه.
ان يصيب النظام اهدافه على حساب هذه المؤسسة هو دليل قاطع على تجنيد مؤسسة يجب ان تكون مستقلة في سبيل خدمة مصالح آنية.
القضاء كغيره من الأمور الجوهرية تحول على ايدي نظام آل سعود الى طقس آخر من طقوس الدين والتي تستغل أبشع استغلال في سبيل بناء شرعيات خيالية تنسجها آلة إعلامية ومؤسسة دينية وحلقات ثقافية همها الأول والأخير إقناع الجميع أن مجتمع الطقوس الدينية يحكم من قبل الدولة الدينية.
استغلال نظام آل سعود للدين وشرعيته نجح في تحويل دين سماوي جمع بين جوهر عالمي يصلح لكل زمان ومكان، وطريقة حياة نظمتها قوانين وقيود معروفة للجميع، إلى دين يختزل في طقوس دينية تعرض على الجميع. وبهذا التحول استطاع النظام ان يقرب بين الإسلام الممارس في بلد كالمملكة والدين اليهودي المعروف بأنه نمط واضح من أنماط الديانات التي يغلب فيها الطقس الديني على كل شيء آخر.
فبينما المسيحية مثلاً تخلّت عن كثير من الطقوس خاصة بمفهومها البروتستانتي، نجد أن اليهودية الأرثوذكسية بقيت تدور في فلك الطقوس وقيودها.
جاء الإسلام ليجمع بين روحانية الدين والجانب التعبدي الطقسي ، وبذلك تميز عن هاتين السابقتين التاريخيتين أي اليهودية والمسيحية. الأولى اغرقت نفسها في تفاصيل العبادات والحرام والحلال، اما الثانية فتجاهلت العبادات واغرقت في الروحانيات والتي ورثتها من فلسفات قديمة كالفلسفة اليونانية.
وعلى يد نظام ال سعود نجد أن الإسلام في المملكة بدأ يقترب من النمط اليهودي اكثر فأكثر، وتم تفصيل وتأصيل جزئيات العبادة حتى غرق المجتمع بأمور أبعدت الإسلام عن وسطيته.
فشغل المجتمع بأسره بموضوع دخول المرحاض وبأي قدم يبدأ المرء هذا الدخول، او بموضوع الرموش المستعارة هل هي حلال أم حرام، أما موضوع البيعة وموضوع الملكية وموضوع الدولة الاسلامية فبقيت موضوعات محرمة لا يتطرق اليها اي عالم إلا بما يكرس شرعية النظام.
وبينما كثرت موضوعات الدكتوراه التي تناقش الطقوس الدينية كالطهارة مثلا، نجد قحطا ثقافيا متعلقا بموضوعات تحرج النظام ولو من بعيد.
فما فائدة الجامعات الإسلامية اذا كانت لا تنتج الفكر الذي يسلط الضوء على أهم الأمور التي اقلقت المجتمعات الإسلامية الماضية والحاضرة، وتسببت في شتات فكري بل حتي في مآس كبيرة؟.
هؤلاء الذين يتصدرون الجبهة الرافضة لكل شيء وفكر غريب ـ أين هي يا تري أطروحاتهم الشرعية التي تفصل لنا مفهوم الدولة الاسلامية وإن وجدت ـ أين هي يا تري؟ لن يستطيعوا ان يقنعوا الجميع ان الدولة الرشيدة الحالية هي نمط متأخر زمنياً ولكنه في جوهره ما هو الا تجسيد لدولة الأنبياء والموحدين. إن في هذا تجنياً واضحاً على تاريخنا وعقولنا وقدرتنا على المقارنة والاستنتاج.
عندما كان المجتمع يتلقي الحكمة والكلمة بطريقة شفوية ترددها ألسنة علماء محليين محدودي النظرة والقدرة، ربما تقبّل هذا المجتمع التفسيرات الأحادية والتنظير السياسي المستتر تحت عباءة الدين.
اما اليوم فالوضع يختلف اختلافاً كلياً، إذ أن المجتمع يتعرض لهجمة إعلامية وفرتها التكنولوجيا الحديثة، اعادت للاسلام تعدديته ، والتي كانت ملازمة له منذ أيامه الأولى.
اليوم لا أحد يحتكر التفسير الديني ولا حتى الطقوس الدينية، وعندما يبني نظام ال سعود شرعيته على مركزية إقامة الشعائر، يستطيع الجميع ان يروا بأم أعينهم كيف تقام هذه الشعائر بعفوية في السنغال وماليزيا والهند وغيرها دون أن تجند طقوس الإسلام لمشاريع سياسية بحتة.
هذا التجنيد القبيح له انعكاسات خطيرة على تطور المفهوم الديني ذاته، حيث أنه ولّد ردة فعل اولى وثانية.
الاولى هي نمو جيل كبير يختصر الاسلام ورسالته بظهور الرجل بمظهر من يقيم الطقوس ظاهريا فقط، اذ ان ممارسة الطقس نفسه أصبحت بديلاً عن ممارسة الدين كرسالة.
هذه الرسالة طمستها ممارسات النظام ذاته. فاذا شوهد رجل في المسجد يصلي مع المصلين يتسارع الجميع لابداء أحكامهم عليه ومنها تزكيته وإعطاؤه بطاقة براءة من كل جرم قد يرتكبه خارج المسجد.
اما ردة الفعل الثانية فتجلت في رفض جيل آخر لجميع الطقوس الدينية والتعامل معها على أنها ضرب من النفاق والرياء يستغله النظام لإصابة اهداف خاصة به وليس بالعبادة.
ردات الفعل هذه ما هي إلا نتاجٌ طبيعي لعقود من الزمن تم فيها تحويل الدين كخطاب ورسالة وشعائر إلى آلية تستهلك يومياً من قبل نظام يبحث عن شرعية في مجتمع بدأ يفصل بين الطقوس الدينية المستهلكة من قبل النظام وبين ماهية هذه الطقوس ومغزاها الحقيقي.
لن ينجح نظام آل سعود في دروسه الدينية والتي تقارن يومياً بين بيعة الأنبياء القديمة وبيعته الحديثة مهما حشد أطياف العلماء وطوع النصوص، ولكنه بالفعل نجح في إرساء دعائم مجتمع الطقوس الدينية في النظام العلماني. فكلما ترسخت علمانية النظام كلما تطورت فنون الطقوس واستهلاكها.
لقد حقق النظام نجاحاً باهراً في التقريب بين الأديان عندما قرب بين الإسلام ودين سابق يعتمد اعتماداً كلياً على الطقس ويسقط غيره من حيثيات الأديان ورسالتها العالمية.
لم يحصل هذا التقارب عن طريق مؤتمرات عالمية تجمع بين أهل العمائم والحاخامات والرهبان بل عن طريق ممارسات يومية اختزلت الرسالة المحمدية بطقس أو طقسين وجردتها من جوهرها وجندتها لمشروع دنيوي سياسي ضيق.
وإن استمرت المتاجرة المفضوحة بالإسلام وشعائره ستذوب الفوارق بين ديننا ودين الأورثوذوكس من بني إسرائيل.
|