ثقافة و مثقفون
ح2

 

يلف الغموض عادة مفهوم الانتلجنسيا لرواجه و كثرة توظيفاته و تباين مدلولاته .. و خصوصاً أنه يتقاطع مع مفاهيم أخرى لمفهوم المثقف و المفكر فيغدو أحياناً مرادفاً لها ..
و قد ذكر الطاهر لبيب أن روبرت بريم يرى أن المثقف كمصطلح قد استخدم بصفة أساسية من قبل أولئك الذين كانوا ينادون بالحقوق السياسية، و قد تخلق هذا الاسم من خلال أدباء فرنسا الذين قادوا الحركة التي استهدفت تحرير الوظائف الأدبية و الكتابية و هي الحركة التي كانت ترمي أساساً إلى الحد من سيادة النزعة العسكرية وقد وجه ذلك أساساً ضد المحاولة التي قادها دريفوس عام 1894م أما إصطلاح " الانتلجنسيا " فقد استخدم من قبل الأوروبيين الشرقيين وهو اصطلاح يعنى المفكرين الذين يهتمون أساساً بنقد السلطة القائمة .
و يلعبون أدواراً رئيسة في الحركات الثورية، ولا يرى روبرت بالضرورة أن يكون المثقف راديكالياً أومن ذوي الميول اليسارية و لكنه أكد أن كثيراً من الكتاب يستخدمون اصطلاحي " المثقفين" و " الانتلجنسيا " باعتبارهما يعنيان تلك الفئة من الفكريين ذوي النزعة النقدية و التقدمية و يتخذان موقف الاغتراب و الانفصال عن المجتمع ..
فإن المثقفين فئة تقف من المجتمع موقفاً نقدياً انفعالياً و هذا يستوجب تحديداً سالباً لمفهوم المثقف.. وذكر روبرت أيضاً أن سيمور مارتن ليبست عرف المثقفين بأولئك الأشخاص الذين يمكن أن ينظر إليهم مهنياً باعتبارهم تلك الفئة المستغرقة في إنتاج الأفكار مثل الباحثين و الفنانين و الصحفيين و العلماء .....الخ .
و يميز بوتومور بين المثقفين و الانتلجنسيا، و يعزو هذا التفريق إلى أن مصطلح الانتلجنسيا استخدم لأول مرة في روسيا و يقصد به آنذاك أولئك الذين تلقوا تعليماً جامعياً يؤهلهم للاشتغال بالمهن الفنية العليا . وقد اتسع استخدامه و امتد مدلوله إلى كل الذين ينخرطون في مهن غير يدوية ، أما المثقفون فهم أولئك الذين يسهمون مباشرة في ابتكار الأفكار أو نقدها، و تضم هذه الفئة المؤلفين و العلماء و الفلاسفة و المفكرين و المتخصصين في النظريات الاجتماعية و المحللين السياسيين، وقد يصعب تعيين حدود هذه الجماعة تماماً ذلك لأن المستويات الدنيا منها تختلط بمهن الطبقية الوسطي، مثل التدريس والصحافة، لكن الخصائص المميزة لها التي تتعلق مباشرة بثقافة المجتمع تظل واضحة وضوحاً كافياً . أما " موسكا" فقد اعتبرهم جماعة مستقلة تقف وسطاً بين البرجوازية والبروليتاريا بحيث تصبح نواة لنخبة جديدة ومهمة تلعب دوراً كبيراً بمقتض تطور الصراع الاجتماعي ..
كما اشترك موسكا و كارل منهايم في انطباعهما الجيد عن الطبقة المثقفة بحيث تأخذ حسب رأيهما في اعتبارها مصالح المجتمع بصفة عامة ، حتى وإن أدى الأمر إلى تخليها عن مصالحها الخاصة لأنها تفضل التنازل عن منافعها الآنية تحاشياً لشرور المستقبل ، فالطبقة المثقفة هي التي تستطيع التحرك باستقلال لتحقيق المزيد من المصالح الاجتماعية العامة ..
أن بالنسبة إلى لأصول الاجتماعية للمثقفين فقد استطاع التعليم أن يساعد ذوي المواهب من الطبقات الاجتماعية الدنيا على الحصول على مراكز اجتماعية مهمة إلى درجة أنهم بدورهم أصبحوا نخبة وكدليل على ولوج المثقفين دائرة النخبة السياسية فإنه إتضح أن أكثر من نصف أعضاء مجلس النواب الفرنسي منذ عام 1871 م حتى عام 1958 م المنتخبين و البالغ عددهم 600 نائب هم من المثقفين بالمعنى الواسع و يضمون فئات متعددة مثل الكتاب و أساتذة الجامعات و المحامين و الصحفيين و العلماء والمهندسين و المدرسين ..
فالمثقف كان امتداداً طبيعياً ل(( الفيلسوف) في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر .
ذلك على المستوى المذهبي و الايديولوجي فبروز المثقف إرتبط بالصراع الفكري و السياسي حتى أنه أحيانا يقصد بالمثقفين الفئة النشطة والمعارضة للسلطة ..
فالمثقف هو الفرد الذي يلتزم بإثارة القضايا التي تتعارض مع أي ضغط سياسي ويشترط فيه أيضاً أن يكون مالكاً لرصيد معرفي مهم، و يعرف أحمد صادق سعد المثقف بقوله : " المثقف هو الشخص المنشغل بشؤون الثقافة المعنوية ، و بحيث تتوافر لديه المعلومات والمفاهيم النظرية و القدرة على التعامل مع الأفكار المجردة عن الشؤون العامة المكونة لثقافة المجتمع ..

 

محمد بن عبدالله

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004