|
في السادس من أكتوبرالعام الماضي أول الجاري كان الرئيس الأمريكي على موعد مع الكشف عن جديد خططه أمام " المؤسسة الوطنية من اجل الديمقراطية " وهناك أزبد وأرغى كما جرت عادته لكن خطابه جاء ليكشف عن أطروحة جهنمية تدور في رأسه وكعادته بدأ بوش باستخدام ما يمكن أن نطلق عليه " عفريت العلبة " أي الإرهاب كمدخل لحديثه الذي لم ينقطع منذ خمس سنوات وحتى الساعة رابطا وعلى طول المدى شأن الإرهاب بالتطرف الإسلامي وكأني بالإسلام والمسلمين هم حجر الزاوية الوحيد والأكيد في كل ما يصيب البشرية من هلاك ودمار سببه تطرفهم .
ويقول بوش في كلمته " إن هذا الشكل من أشكال التطرف يستغل الإسلام لخدمة رؤية سياسية تتسم بالعنف وتعمل على تأسيس إمبراطورية استبدادية تنكر كل الحريات السياسية والدينية عن طريق الإرهاب والتدمير والتمرد وأن هؤلاء المتطرفين يعتقدون أن السيطرة على بلد واحد ستحشد لهم جماهير المسلمين مما سيمكنهم من إسقاط كل الحكومات المعتدلة في المنطقة وإقامة إمبراطورية إسلامية راديكالية متطرفة تمتد من إسبانيا إلى اندونيسيا .
وباكتساب قوى اقتصادية وعسكرية وسياسية اكبر يتمكن الإرهابيون من تحقيق خطتهم المعلنة وهي تطوير أسلحة الدمار الشامل والقضاء على " إسرائيل " وتخويف أوروبا والاعتداء على الشعب الأمريكي وابتزاز حكوماتنا ودفعها إلى العزلة" .
والملاحظ في السطور السابقة أن الرئيس الأمريكي يرسخ في ذهن الرأي العام الأمريكي حالة العداء الكامنة تجاه الإسلام الذي لا يفرق الكثرة هناك بسبب الأدوار المغلوطة لوسائل الإعلام المسيطر عليها صهيونيا بين ما هو إسلام حقيقي معتدل عاش في ظله اليهود والنصارى أكثر من 1400 سنة ضمن لهم فيها كافة حقوقهم ، وبين جماعات كانت أجهزة الاستخبارات البريطانية في بداية القرن العشرين (الوهابية مثالا)وراءها وجاءت العقود الأخيرة من القرن المنصرم لتسلم الراية السوداء لبقية عملاء أجهزة الاستخبارات الأمريكية لإكمال المسيرة المظلمة .
ولأن السحر انقلب على الساحر فكان لابد من الصوت الزاعق بأن الراديكالية الإسلامية هي سبب الخراب الأعظم .
والمثير في كلمات بوش ، التي يضيق المسطح المتاح للكتابة عن تناولها كلمة كلمة ، هو أنه يضع " إسرائيل " بداية قبل أن يأتي في الحديث على أوروبا أو على الشعب الأمريكي.
من يقف وراء الأطروحات التصادمية ؟
هذا التساؤل حقيق بأن يتوقف المرء أمامه ذلك لأن هناك من يذكي اتجاه " الإسلاموفوبيا " ويشعل نارها في الولايات المتحدة الأمريكية على نحو خاص كلما بدأت في أن تخمد .
أما الإجابة فنجدها عند الرئيس الأمريكي نفسه إذ يقول في مقابلة له مع صحيفة " الواشنطن بوست " إذا شئتم الاطلاع على مفهومي للسياسة الخارجية فعليكم بقراءة كتاب ناتان شارانسكي فهو سيساعدكم على فهم الكثير من القرارات التي اتخذت أو ستتخذ... ؟ !
فمن هو شارانسكي هذا الآتي من بعيد؟
الرجل يهودي روسي ومعارض سوفييتي سابق وسياسي " إسرائيلي " حالي قضى سنوات طويلة في السجن الانفرادي احتجاجا على النظام الشيوعي وله كتاب تحت مسمى " قضية الديمقراطية " والذي يقول عنه بوش إنه ألهمه خطته لنشر الديمقراطية في العالم العربي بل إن فقرات بعينها وردت في خطاب بوش الأخير مختارة بالحرف من كتاب شارانسكي ومنها هذه الفقرة " إننا بتأييدنا آمال وحرية الآخرين نجعل حريتنا مصانة أكثر وأمريكا تتخذ هذا الموقف بطرق عملية .. إننا نقف إلى جانب المنشقين ضد الأنظمة الجائرة والمنفيين منهم لأننا نعرف أن منشقي اليوم سيكونون قادة الغد الديمقراطيين " .
والحال أن حديث الرئيس الأمريكي عن الأنظمة الجائرة وربطه بقصة الإمبراطورية الإسلامية الراديكالية إنما يرسل إشارات تبعث على الخوف والرهبة تجاه العديد من الدول العربية والإسلامية من جراء السيناريوهات السوداء التي تخطط وتحاك في الظلام لها.
أما الدليل على ذلك فيظهر من خلال نظرة متأنية لأفكار السيد شارانسكي الذي يعد كتابه " الإنجيل الجديد لبوش " وتؤكد هذه النظرة أن الرجل يتعامل مع الإسلام في إطار واحد ووحيد وهو الحركة الإرهابية ويعتبره تهديدا ليس فقط لوجود " إسرائيل " بل للعالم الخارجي أجمع وأن استئصال الإرهاب لا يمكن أن يتأتى من المواجهات الأمنية فقط في سعيها لدحر المنظمات الإرهابية أو عن طريق تجفيف منابع تمويلها بل لابد من ضرورة ملحة في معالجة الأسباب العميقة للإرهاب وهي عند شارانسكي نابعة حصرا من سياسات الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة كما من ثقافة الكراهية التي تنشرها.
هل من دليل جديد إذن على أن هناك من يدفع الشعوب الغربية نحو المزيد من العداوة والبغضاء تجاه الإسلام شعوبا وحكومات فيما يعمل المحافظون الجدد على ترسيخ مفهوم الإسلام الإرهابي عند القاصي والداني ؟ لا أظن ، لذا فقد جاءت الخطوة اللاحقة لتؤكد على أن الأمر ، أي الخطاب وما يليه ، ليس إلا سلسلة إجراءات تكتيكية في هذا الإطار.
عمليات القاعدة وتهديدات نيويورك
وحتى لا يضيع أثر خطاب الرئيس من الأذهان بسهولة ويسر كان لابد من رسم مخطط ثلاثي الأبعاد يستحضر فيه الماضي ويتواجد فيه الحاضر ويهول فيه من شأن المستقبل المظلم .. كيف ذلك ؟.
بداية أعلن الرئيس الأمريكي في خطابه عن قيام الولايات المتحدة وشركائها بتعطيل ما بلغ في مجمله عشر مؤامرات إرهابية خطيرة للقاعدة على الأقل منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 بينها ثلاثة مخططات للقاعدة للقيام بهجمات داخل الولايات المتحدة ، ومضيفا لقد أجهضنا على الأقل خمس محاولات أخرى للقاعدة لاستكشاف ومراقبة أهداف داخل الولايات المتحدة أو لتمكين عملاء من التسلل داخل بلادنا .
كان هذا هو البعد الذي يمثل الماضي ، فيما البعد الحاضر الموجود فجاء تحت عنوان عريض تمثل في الإعلان عن وجود تهديدات إرهابية لمترو أنفاق نيويورك ، إضافة إلى الكشف عن رسالة لم تثبت صحتها منسوبة للدكتور ايمن الظواهري وموجهة إلى أبو مصعب الزرقاوي في العراق وهو المستقبل الحاضر على الدوام أو على الأقل في المرحلة الحالية وقد ذكر بوش أنه يعتبر العراق جبهة مركزية للإرهاب وللإرهابيين في حربهم ضد الإنسانية .
ولعل ابلغ الردود على المنظومة البوشية ثلاثية الأبعاد جاء من داخل أمريكا ذاتها على لسان " مارك هوزنبول و مايكل ايسيكوف " في مجلة " النيوزويك " الأمريكية حيث تساءلا كيف يفترض في الأمريكيين أن يقيموا التهديدات الإرهابية حين تكون الوكالات الحكومية نفسها مختلفة بشأن ما تعنيه هذه التهديدات .
ويمضي التقرير يقول إن النيويوركيين واجهوا هذه المعضلة المدة الماضية حين قال المسؤولون المحليون إن نظراءهم الفيدراليين زودوهم بمعلومات استخبارية مثيرة للقلق حول مؤامرة تفجير محددة وشيكة الوقوع في مترو الأنفاق في المدينة.
لكن كيف عرفت الأجهزة الأمريكية بهذه التهديدات ؟ الإجابة جاءت على لسان أحد مسؤولي مكافحة الإرهاب المطلع على المعلومات الاستخبارية التي تلقتها شرطة نيويورك وهي أن مخبرا في العراق يتمتع بصدقية عالية وموثوق به ذكر قبل أسبوعين أنه سمع أشخاصا يشتبه بأنهم من عناصر تنظيم القاعدة يتحدثون عن قيام 19 إرهابيا خلال وقت قريب بمهاجمة قطارات الأنفاق بقنابل مخبأة في حقائب يد وعربات الأطفال.
وتضيف النيوزويك " إن هذا المسؤول وخمسة مسؤولين استخباراتيين آخرين طلبوا عدم ذكر أسمائهم بسبب حساسية المعلومات الاستخبارية قالوا إن مسؤولي القوات الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالية قاموا بسرعة باعتقال ثلاثة من المشتبهين العراقيين وقد تم في النهاية تقرير أنهم مجرد محتالين بينما وصف المتحدث باسم وزارة الأمن الداخلي روس نوك التهديد بأنه " ذو مصداقية مشكوك فيها " .
لقد تم إرهاب سكان نيويورك من هذا المنطلق بناء على معلومات محتالين وروايات مشكوك فيها لتبرير الحروب القادمة على دول الإمبراطورية الاسمية الموجودة في رأس بوش وفي كلمات شارانسكي .
بل إن الفضيحة الاكبر التي جاءت بها " النيوزويك " هي الكشف عن حصولها على تقرير استخباراتي سري يتعلق بقصة بوش والهجمات العشر وهو ما يصلح اسما لرواية بوليسية للمراهقين .
تقول الوثيقة " إن اثنتين من مؤامرات التحضير للقيام بأعمال إرهابية كانتا جزءا من خطة واحدة وضعها العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر/ ايلول خالد شيخ محمد للتزامن مع تلك الهجمات أو بعدها بقليل ، ويقول أحد المصادر الذي لم يكشف اسمه بسبب منصبه الرفيع في أجهزة تطبيق القانون إن أغلبية المؤامرات التي كشف عنها البيت الأبيض كانت ذات طبيعة تكهنية " .
هل يمكن من بعد ذلك المضي قدما في أطروحة التهديدات الإسلامية الراديكالية بصورة مطلقة ؟.
اليمين المتطرف والعداء للإسلام
في الأشهر القليلة المنصرمة التقى الرئيس الأمريكي جورج بوش في مكتبه مسؤول وقد تطرق الحديث إلى حربي العراق وأفغانستان وأكد الرئيس الأمريكي لضيفه أن الله أمره شخصيا بإعلان الحرب وتحرير هذه الدول من ربقة العبودية والاستعباد .
ولاحقا أنكر البيت الأبيض هذا الحديث كما حاول غداة الحادي عشر من سبتمبر القفز فوق تعبير صليبية التي استخدمها بوش وهو ما عبر بصراحة عما يوجد في عقله الباطني فهل تلقى بوش أوامر جديدة تجاه هذه الإمبراطورية المزعومة ؟ وكم من ضحايا أبرياء سيقعون فريسة لخطط مواجهاتها الجديدة إن قدر له المضي قدما في هذه السيناريوهات الظلامية ؟ يقول جون جوديس الأستاذ الزائر بمعهد كارنيجي للسلام الدولي " إننا لا يمكننا بحال من الأحوال نفي تأثير اليمين الديني في إدارة بوش " .
وهذه حقيقة واقعة جعلته يؤمن بأن لديه رسالة أو مهمة معينة من خالق السماء لنشر الحرية في كل أنحاء العالم وهو ما يضعه في قائمة القادة الذين استخدموا الأطر الدينية والتي تعود بأصولها للمستعمرين الأوائل القادمين من انجلترا وقد يكون ذلك المنهج أدى إلى خطب عصماء ولكنه انحرف بالولايات المتحدة عن فهم حقيقة التحديات التي تواجهها البلاد وهذا احد إفرازات إدخال الدين بالسياسة على طريقة بوش .
إلا أن الإفراز الأخطر هو القادم ولا ريب من خلال إشعال نار المواجهات الدينية من قبل قوة تملك الآلة العسكرية العمياء أو تظن أنها تملك الحقيقة المطلقة في مواجهة عدو مزعوم لا حول له ولا قوة على الأقل في الأمد القريب والى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .
الانتلجنسيا الأمريكية تفضح بوش
رغم الأوهام الأمريكية الرئاسية التي تحاول اختزال العالم الإسلامي في شكل " الإمبراطورية البعبع " فإن طبقة الانتلجنسيا الأمريكية نقول للأمانة والموضوعية تحاول إفساد هذا العرس المزيف للديمقراطية والحرية اللتين يتشدق بهما بوش ونتوقف هنا أمام مشهدين :
الأول جاء في كتاب حديث صدر في واشنطن تحت اسم " السياسة الخارجية الأمريكية ومصادرها الداخلية .. رؤى ومشاهد " وأعده أستاذا العلوم السياسية الأمريكيان تشارلز كيجلي ويوجين ويتكوف ويضم 20 دراسة لعدد من الباحثين حول قضايا منها المثلث الحديدي وخفايا السياسة الدفاعية والمشاركة في لعبة السلطة والإعلام والسياسة الخارجية وغيرها من الموضوعات الآنية .
والمثير في هذه الرؤى التي تعبر عنها زبدة المجتمع الأمريكي هي الخلاصة التي تتمثل في أن السياسة الخارجية الأمريكية تواجه ما اعتبراه سلسلة مطردة من الفشل فما تكاد تواجه أزمة حتى تبدو كأنها تسقط في حالة من الفوضى تخرج عن سيطرة الحكومة التي تعجز عن التعامل معها بصورة ناجحة وفي ضوء هذا الطرح يدرك المرء أبعاد الفشل الأمريكي الذريع الذي تعيشه إدارة بوش اليوم حتى إن صحيفة بوزن النيويورك تايمز الأمريكية تكتب منذ فترة سلسلة من المقالات تحت عنوان " الانفجار العظيم " الذي ستتعرض له أمريكا من جراء السقطات البوشية التي يحاول اليوم الهرب منها قدما من خلال طروحات مثل الإمبراطورية الإسلامية الراديكالية.
والمشهد الآخر مع طبقة الانتلجنسيا الأمريكية يأخذنا إلى جون اسبوسيتو المستشرق العادل والذي يرى في التهديد الإسلامي للغرب خرافة لا حقيقة والرجل أستاذ جامعي كاثوليكي علماني أي أنه ليس من رجال الكنيسة لكنه من الذين يقومون على الحوار وهو مؤسس مركز الحوار الإسلامي المسيحي بإحدى اكبر واعرق الجامعات الكاثوليكية في الولايات المتحدة الأمريكية جامعة جورج تاون.
قدم اسبوسيتو ستة كتب تناولت الإسلام من جوانب شتى كان آخرها وأهمها " التهديد الإسلامي أسطورة أم خرافة "، والدافع من وراء تأليفه هذا الكتاب على حد قوله هو تفريغ الحتمية التصادمية التي تقول بضرورة المواجهة الإسلامية المرتقبة مع الغرب من محتواها على أسس من البحث العالمي السليم والتأصيل للمرض لا الحكم على العرض من خلال فهم واع لجذور الإسلام كدين ولظاهرة الحراك الإسلامي في القرن العشرين .
ويعيب اسبوسيتو اشد ما يعيب على التحليل الانتقائي الغربي المتعصب لبعض المشاهد في حياة العرب والمسلمين والتي يريد البعض هناك أن يجعل منها الجامع المانع والأمر الذي يصيب كبد الحقيقة وعن زيف لا عن حق حتى إنه يعلق غير مرة بقوله " إن الأمر أصبح بمثابة فرض غشاوة من الجهل على رؤية الغرب للإسلام وللحضارة الإسلامية " .
وهذا يجعلنا نتساءل بدورنا عن دور المؤسسة الأمريكية الحاكمة في هذا الشأن.
|