هل هناك هويّة وطنيّة في جزيرة العرب..؟

 

  تستعصى أزمة الهوية الوطنية في الجزيرة العربية في أحيان كثيرة على التفكيك والتحليل وتالياً الفهم.
 السؤال المباشر الذي يواجه الباحث هو: هل هناك هوية وطنية في المملكة؟ والجواب قد يكون احتجاجياً: وهل يمكن أن لا تكون هناك هويّة وطنيّة في عصر الدولة القطرية.. عصر الحدود والإنتماءات القطرية؟! غير أن هذه الإجابة أبعد ما تكون عن توضيح المشكلة.
فأزمة الهويّة في المملكة لها خصوصيتها، والمملكة دائماً تتحدث عن خصوصية من نوع ما في كلّ شأن من الشؤون! هذه الخصوصية تستلزم قراءة أكثر عمقاً تستحضر فيه شتّى القضايا والمؤثرات المتعلقة بتلك الهوية.
سأجادل ابتداءً بأن ليس هناك هوية وطنيّة في المملكة، وليست هناك ثقافة وطنية، ولا قيادة وطنيّة، ولا دين وطني (بمعنى عقيدة جامعة لمواطني المملكة).
 وجدلي قد يمتدّ الى أبعد من هذا، فأقول بأن الهويّة الوطنيّة في المملكة ليست مرغوبة من العائلة المالكة ولا من المؤسسة الدينية ولا من القوى المناطقية المنتفعة بغنيمة السلطة، بل وقد أزيد بأن عدداً غير قليل من المواطنين لا يعرفون كنه الهوية الوطنية ولا يعيرونها بالاً. الهوية السائدة في المملكة اليوم هوية جزئيّة مناطقية. ليست المسألة محسومة تماماً بين هويّة دينيّة تمثّلها (الوهابيّة) وبين هويّة وطنيّة غير موجودة وتُعطى مسمّى الهويّة ((السعوديّة)).
الواضح أن هناك ثلاث هويّات ، متداخلة فيما بينها، متعاونة متنافسة متشابكة في العناصر، متّحدة بقدرٍ كبير في الغايات والوسائل. هذه الهويّات الفرعية الثلاث هي مكوّنات ما يزعم أنه هويّة وطنيّة.
 الهويّة الأولى: الهوية السعودية (Saudism) وهي تعني تحديداً نسبة الشعب الى العائلة المالكة، التي منحته هويتها واسمها، وهذه الهويّة تربط المواطن بالعائلة المالكة قبل أن تربطه بالإنتماء الى أرض أو إقليم مشترك بين السكان. وهذه الهوية تحاول أن تكون الأولى بين الهويات الثلاث، وأن تكون لها الأسبقية، لكنها هويّة بدون مضمون ثقافي، إذ لا يكفي خضوع المواطنين الى نظام سياسي واحد، او الى عائلة مالكة بنت دولة أن تشكل هوية وطنيّة، خاصة إذا ما كانت العائلة المالكة تطرح الإنتماء اليها قبل الدولة إن لم يكن في مقابلها.
الخواء الداخلي لهذه الهوية هو الذي جعلها مجرد إطار فارغ جاءت الهويتان الأخريان (الوهابية والمناطقية) فملأته. ولهذا عدّت الهوية ((السعودية)) وجهاً آخر للهوية الوهابية أو المناطقية أو كليهما. قد لا ينزعج المواطن من انتمائه لوطن وعائلة مالكة بمضمون ثقافة وطنية عامّة مساواتية، ولكنه يرفض الهوية ((السعودية)) إن كانت مجرد إسماً، ومحتواها يؤكد الثقافة الجزئية والإنحياز القبلية.
 الهوية الثانية: الهوية الوهابية (Wahhabism) وهي هوية تسعى لأن يسود المذهب أولاً هذه الهوية دينية وتعتمد تعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ورغم أن لها ارتباطاً محلياً قوياً بحكم المنشأ والجذور والقيادة والمناخ، إلا أنها تعتقد بأنها يجب أن تسود على كل الهويات الأخرى، وعلى الإنتماءات الضيّقة القبلية وغيرها. ولكنها لأسباب عديدة غير قادرة على التوسع والتحول الى عقيدة وطنية أي الى مذهب وطني بمعنى شموليته لكل المواطنين، فالوهابية أقل إغراءً، ولا يساعد مظهرها الخشن على القبول بها، وبدل أن تجسّر العلاقة مع الآخرين في محاولة لامتصاصهم مذهبياً أو ثقافياً، فإنها باعدت بين ذاتها وبين الآخرين.
 الهوية الفرعية الثالثة: هي الهوية القبلية التي تشير الى منطقة محددة والى ثقافة محددة والى مجموعة سكانية محددة. وهذه الهوية أعمّ من نظيرتيها، فهي تمتلك مخزوناً ثقافياً، وترى أن كل الإنجازات التي حققتها الهويتان السابقتان من قيام الدولة والإستفراد بمغنمها تعود الى قبيلة ال سعود وتفترض هذه الهوية تقليصاً لدور المؤسسة الدينية ودور الملك دون إلغائهما، بل تنشيطهما لخدمة الحس الجمعي.
 لذلك كلّه، فإن المجادلة بعدم وجود هويّة وطنيّة في المملكة له ما يبرره.

 

خالد الرشيد

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004