|
يجدر الالتفات هنا الى أن القمع لا يعني تعطيل خيار التغيير، وحكومة ال سعود تدرك بأن ذاك خيار لا خيرة لها فيه، ولكن ما يأمل "رجل الأمن" كما يصف وزير الداخلية نفسه تحقيقه من القمع هو تخفيض حجم التغيير، وهو ما جرى ايضاً في المرات السابقة.
وحتى يكون التغيير "مكرمة ملكية" لابد أن يأتي دون مستوى التطلعات الشعبية.
فالطموح العام لدى القوى السياسية بكافة اطيافها بلغ مستوى يستحثها لأن تحذو حذو الاحزاب الديمقراطية السائدة مع قبولها ببقاء الملكية ولكن المقيّدة بدستور، أي الملكية الدستورية.
إن انطفاء لغة النقد ضد ال سعود في بعض المحطات الفضائية العربية في المهجر، والمساعي المتصلة من اجل اخماد البؤرة الاكثر اشتعالاً، أعني قناة "الجزيرة" او لا أقل محاصرة تأثيراتها لم تكن سوى تعبيرات خارجية للقمع الداخلي.
فقائمة "ضحايا الفكر والرأي والتعبير في المملكة" كما تعدها هذه الايام شبكة "طوى" الالكترونية وقائمة "ضحايا الاختلاف في الرأي" الذي يعده "المركز السعودي لدراسات حقوق الانسان" تتزايد باضطراد.
ويعبّر كثير من حملة الرأي ودعاة التغيير وبأصوات مسموعة عن استيائهم من التدابير القمعية التي تستعمل بحقهم من جانب وزارة الداخلية، لا لشيء الا أنهم مارسوا حقاً اصيلاً من حقوقهم التكوينية وهو التعبير.
ولكنهم من جهة اخرى، يسخرون من هذه التدابير كونها تستعمل بعد انتهاء صلاحيتها، فهي قائمة لا تصلح لزماننا هذا الذي لم تعد الحكومة قادرة فيه على احتكار وسائل التعبير.
التجاذب المحتدم بين الحكومة وقوى الاصلاح يفرض حشد أوراق ضغط وتعبئة كل مصادر القوة من اجل كسر ارادة الطرف الآخر، ما لم يتوصل الطرفان الى حل سلمي.
بالنسبة لحكومة ال سعود يبدو القمع ورقة ضغط رئيسية، سيما مع تلاشي او تهافت أوراق الضغط الاخرى مثل المال والتحالفات الداخلية وصناعة الشراكات الاستثنائية والمرحلية.
ومع عدم ظهور مؤشرات "مرونة" لدى حكومة ال سعود لجهة التوصل الى تفاهم على طبيعة التغيير وآلياته، فإن المملكة ستشهد في المرحلة القادمة تجاذبات حادة بين الحكومة وقوى التغيير، واذا ما دخلت وزارة الداخلية كطرف في حركة التجاذبات هذه في ظل اختفاء عناصر اخرى (المال ومشتقاته) فإن ثمة نتائخ وخيمة تتربص بأسس استقرار الدولة وتبشر بدخول البلد في حالة من الفوضى الامنية مرشحة لأن تتطور الى حرب اهلية مناطقية بين المكونات القبلية والطائفية في جزيرة العرب قاطبة..
|