|
ليس هناك ما يتعرض للفناء في هذه البلاد فكل النزوعات المتطرفة تجد بيئتها الخصبة شاءت الدولة أم أبت، فعائلة آل سعود ترعى الشيء ونقيضه، فإن عجزت عن احتضانه في الداخل زرعته خارج حدودها مع ضمان كل أشكال الحفاوة والرعاية، فالأفكار وإن هاجرت خلف الحدود فإنها تعود ثانية كما لو أنها منتوجات محلية عالية الجودة..
فمازالت عملية التحديث حتى في شكلها الإغوائي تواجه مضاداتها في الداخل بما يحول دون مرورها عبر بوابة المحافظة الدينية المفتعلة، وكأن الدولة تقوم بتوفير تجهيزات انتقالها وتحوّلها في الخارج، حيث يصبح المجتمع المراد تأهيله للعيش ضمن ظروف التحول الداخلي للدولة يخوض دورة توجيه خارجية بتمويل محلي، فيما لا تزال الهياكل الداخلية أمينة على الاحتفاظ بخط سيرها المتثاقل.
التطرف والاعتدال، الأصالة والمعاصرة، كلها ثنائيات تجدها في مظاهر الحياة اليومية، ولا غرابة في ذلك، فالمكان الذي ينشىء مفكراً فريداً بحجم عبد الله القصيمي، الخارج من معقله السلفي بصرخة المتمرد، هو نفسه المكان الذي ينتج جيلاً من الانتحاريين المتشربين أفكار السلفية المتطرفة..
بنايات مدججة بآخر منتجات التكنولوجيا الحديثة مثل برج المملكة بالرياض تقع بالقرب من شواخص التقليدية الغارقة في ماضوية التراث المتجمد نصاً وقصداً.. هكذا تسيرجزيرة العرب، تجتمع فيها كل الثنائيات المتضادة والمتفجرة بعنفوان غير مسبوق، تشترك جميعاً بطريقة غير مباشرة في تعضيد السلطة والانتصار لها.
في المستوى المذهبي نجد من يجادل واهماً بأن ثمة تعددية مذهبية تعكس قدراً من التعايش بين المعتقدات وربما تمثل وجهاً للتعددية المعترف بها، ولكنها غير ذلك على الاطلاق، فهذه التعددية ليست قراراً رسمياً بقدر كونها ممانعات جماعية إزاء محاولات الاضمحلال في واحدية مفروضة ومرفوضة من قبل الحليفين التقليديين الرسمي والديني..
لا يصح مقارنة حال جزيرة العرب بالنصرانية في أسبانيا في العصور الوسطى، مع أن تجربة الجيوش السلفية التي غزت المناطق في الجزيرة العربية من الحجاز غرباً إلى الأحساء شرقاً كانت سيئة الصيت حيث كان إكراه السكان على تبديل عقائدهم والانضواء قهراً في العقيدة السلفية إحدى الوسائل التي اتبعها ابن سعود وجيوشه جنباً إلى جنب السلاح الغاشم الذي فتك بأرواح الكثيرين، ولكن الممانعة الشديدة من قبل سكان المناطق ضد محاولات قلب المعتقدات أبقت الغلبة الوهابية في حيزها العسكري.
وبالتالي فإن هذه التعددية المذهبية لم تكن تمظهراً للتسامح الديني، بدليل بسيط أن المذاهب الأخرى لم تحظ بالحد الأدنى من الحقوق الدينية في مقابل الانتشار السلفي الواسع والمهيمن على الحقول الدينية الرسمية: القضاء، التوجيه الديني العام، المساجد، الافتاء، القضاء، والهيئات الدينية العليا (هيئة كبار العلماء مثالاً).
كل ما جرى، أن الدولة حين عجزت عن استبدال عقائد السكان فرضت تدابير صارمة على طقوسهم الدينية، وجعلت الانتماء المذهبي مقياساً ليس في الانخراط في المؤسسات الدينية الرسمية فحسب بل والسياسية أيضاً.. إن وجود تمذهبات متنوعة في الجزيرة لا يمثل أكثر من واقع يصعب تجاوزه بسهولة. قد يحلو للبعض تسميتها بالانفتاح والقبول بالتعددية، أو حتى التعايش بين المعتقدات ولكنها غير ذلك بتاتاً.. وهي ذات الرؤية المعلولة التي تقوم على اعتبار الانسجام التام بين متطلبات الدين والدنيا والدولة واقعاً قائماً في هذا البلد.
ولكن الحقيقة، أن ما يُرى ليس أكثر من تشوهات خلقية تصيب عمليات التحول الاجتماعي والثقافي في بلد مازال يتمسك ـ بشراسة ـ بقواعده المهترئة على أمل الإفادة من مصادر قوة وخبرات العالم لترسيخ سلطة تعرضت لاهتزازات عنيفة بأمواج الحداثة في غضون العقود الثلاثة الأخيرة.
ثنائية بوجوه عدّة قابلة للاستعمال بحسب ظروف المكان والزمان..
في السنتين الأخيرتين أضافت عائلة آل سعود إلى مسلسل ثنائياتها المشوّهة عدداً من اللجان الحقوقية والنقابية التي تصلح كواجهات كرتونية ومغرية في العلاقات الدولية، فهي ليست مصممة لتحقيق أغراضها الحقيقية بقدر ما تعكسه من تحوّلات مفبركة لواقع افتراضي في ذهنية الدولة. فهذه الواجهات تعمل كحكومة ظل وتمارس دوراً تضليلياً في المحافل التي تكون فيها المؤسسة الرسمية عاجزة عن الوصول إليها أو تلك التي لا تنسجم معها.
ولكونها تستهدف بعث رسائل متواصلة للخارج، فإن اللجان الحقوقية والنقابية كما الانتخابات البلدية المشلولة تعجز عن تقديم تفسيرات رصينة حول قضايا داخلية ومن أبرزها قضية الاصلاحيين الثلاثة التي فشلت الحكومة ولجنتها الحقوقية في التعامل معها.
وفي حال كهذه، فإن الثنائية تمظهر ذاتها على هيئة داخل وخارج يكون فيها الأخير مطلوباً بدرجة أكبر، ولاريب أنها تعطي دلالات قوية على أن تلك اللجان الميّتة منشئاً هي مقوّضات لحركة التطور الطبيعي للمجتمع.
الثنائية ليست مجرد تشويه لواقع يلحّ السياسي على تجريده من مفاعيله الحركية، وإنما هي ضمانة مؤكدة لاستقرار النظام.
إن توليد الثنائيات من قبل الدولة يزيد في انقسام المجتمع ويزيد في ترسيخ أسس السلطة واستمرارها، فتجربة العمل السياسي الوطني التي خاضها الإصلاحيون المنحدرون من خطوط فكرية وسياسية متنوعة أثارت فزعاً متعاظماً لدى الطبقة الحاكمة، فهي تجربة فريدة من نوعها من حيث درجة التنسيق بين القوى الوطنية من مناطق ومدارس فكرية متعددة، فالتوحّد أفقياً يفضي إلى انقسام عمودي بصورة تلقائية، بمعنى أن تلاقي فئات اجتماعية متعددة على أرضية عمل مشترك وفي ضوء أهداف محددة يؤول في مؤدياته النهائية إلى تشقق بنية السلطة وتصدّعها.
كل التحالفات الاجتماعية تثير الهلع لدى آل سعود، لأنها تعيد توشيج المجتمع المراد إبقائه منقسماً، وستكون المشكلة أشد خطورة حين يتوشّج قسم من المجتمع على قاعدة حقوقية وسياسية، أي استهداف مباشر للسلطة الحاكمة. وعلى ضوء هذه الخلفية المفزعة، تتحرك عائلة آل سعود لفتح مجال الثنائيات على أفق واسع، كونها صمام أمان للنظام.
إن التكاثر المتواصل لمحطات ومراكز ثقافية وإعلامية متضاربة الأغراض والتوجّهات يبدو أحياناً مقصوداً لغيره، فهو تكاثر فطريات يلهي عن التفكير في محتوياتها، ولكنها في الوقت ذاته تشغل الجميع بالجميع، مع إخراج السلطة سالمة منها، ولها في ذلك نجاة، فحين تتحول الثنائيات إلى ظاهرة مضرّة يكون القابض على زمام الأمر قادراً على اللعب بالمتناقضات وخلط الأوراق، كأن يصبح سلفياً متشدداً على طريقة الأمير نايف الذي يكرر بلغة أمنية صارمة تمسك الدولة بالعقيدة السلفية، فيما يصبح ليبرالياً منفتحاً على طريقة الأمير عبد الله الذي تعلّّّك مفردة الإصلاح بطريقة فطرية منزوعة المعنى. بل قد تجد في الأمير نفسه صورة ثلاثية الأبعاد، يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، فهو سلفي وليبرالي بل وشيوعي أحياناً كما قال الامير عبد الله عن نفسه ذات لقاء مع أعضاء الحزب الشيوعي العائد من المهجر قبل عدة سنوات.
الثنائية السلوكية لم تعد موقفاً استثنائياً أو ظرفياً، بل باتت سمة في طبقة الأمراء الحاكمين، فالناسك المتهجد بالنهار يصبح فارساً ليلياً بامتياز، فشخصيات السر والعلن تتصارع فيما بينها ولا يمكن تلاقيها، كونها من ضرورات القيادة والحكم.. لهجة الطهرانية الدينية أمام عدسات الكاميرا فريضة سياسية قبل كل شيء، وللجلسات المغلقة والبعيدة عن الأضواء لهجتها المقيته المشحونة سباً وبهتاناً. من يسمع الأمراء الكبار بدءاً من الملك العليل وهم يلهجون بلسان عربي غير فصيح وتتخلل خطاباتهم آيات من الذكر وأحاديث نبوية مبتورة لا يصدّق أن من ذات الفم يتدفق سيل من الشتائم واللغة الهابطة أمام الحواشي وفي المجالس الخاصة، وكل ذلك محكوم بطبيعة الحال إلى قاعدة (المجالس بالأمانات) و(لكل مقام مقال) وباقي قائمة المسوّغات للخروج عن النص.
لكن السؤال ما هو المدى الزمني الافتراضي لبقاء هذه الثنائية المتضادة في ظل عمليات التحوّل الكبيرة التي تشهدها المجتمعات، والتي تعصف بكل البنى التحتية صعوداً إلى البنى الفوقية؟
ما نلحظه منذ بدء حملة الانتقادات الواسعة ضد السلفية المتطرفة، أن تنامياً مضطرداً لنزوعات التشدد في الخطاب الديني المحلي، وهو أمر يدعو للتأمل.
ثمة عزيمة راسخة على استئناف العمل بالثنائية المتضادة بشكل متطور، ويبدو كما لو أن التشويه الحاصل في الخطاب الديني المسرف في التشدد يعاد طلاؤه بألوان هادئة لغرض تعميمه وإخراجه في صياغة مقبولة محلياً وعالمياً، تماماً كما أن التشويه الحاصل في الخطاب الإصلاحي الوطني يتم عن طريق صناعة هياكل محدّثة وسلب العناوين الإصلاحية من مضامينها.
نعلم مسبقاً بأن عملية كهذه محكومة بالفشل، إذ لا يمكن السير في اتجاهين متعاكسين في وقت واحد، حتى وإن بدا أنهما متوازيان، فالنموذج الديني السائد لا يتقاطع بحال مع اتجاه تطور الدولة ولا نموذجها الأصلي.
وبالتالي فإن ما يقال عن توافقية الدالات الثلاث (دين ـ دنيا ـ دولة) هي مجرد فرضية وهمية، وخصوصاً بالنسبة للجزيرة حيث الركون التام إلى النصوص الساكنة والعودة الجماعية إلى نموذج الدولة الدينية في القرن الهجري الأول ينقطع بالكامل عن تيار الحداثة الجارف، حيث لا يبقى شيء متماسكاً مهما بلغ مستوى ثبوته وثباته.
|