|
ثمة إتفاق على أن هذه الطبقة تتشكل من الأساتذة في المدارس الحديثة (أي غير أساتذة المدارس الدينية)، والموظفين في قطاع الخدمة المدنية والضباط العسكريين، والمتسببين (المحترفين) والتجار. وتعود نشأة هذه الطبقة إلى أسباب داخلية محضة، أي متصلة اتصالاً حميمياً بعملية التحوّل التي يشهدها المجتمع.
وقد كان واضحاً من خلال تجارب دول العالم الثالث أن الطبقة الوسطى الجديدة تنشأ مبدئياً من نظم الحكم التقليدية للبحث عن (التحديث الدفاعي)، ولكن في نهاية الأمر تنزع هذه الطبقة لتصبح مجافية لأسلافها أو مؤسسيها الأوائل)، ليبدأ ضغطها الدائم لتحديث أوسع لتتجاوز مجال صلاحية الحكام أو على الأساس الأيديولوجي لقوتهم).
أدى التحديث إلى توسع في جهاز الدولة الإداري أو من أجل تنفيذ عدد كبير من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وقوى الأمن (من أجل حماية النظام) وجهاز التعليم (من أجل تدريب القوة العاملة المتعلمة التي تحتاجها المؤسستان الأخرتان) وقد وفّرت هذه القطاعات الثلاثة المكونات الرئيسة لطبقة وسطى جديدة.
بلغ عدد أفراد الطبقة الوسطى عام 1970 نحو 22.200 وفي 1980 وصل الرقم الى 86.200 وهذا يمثل زيادة بنسبة 2.5 بالمئة من قوة العمل الى 7.2 بالمئة. تزايد معدل التوظيف بمعدل سنوي قدره 8 بالمئة أو بفارق 1.420.000 بين عامي 1980 ـ 1985، وبنهاية المدة وصلت قوة العمل المدنية 4.446.000 مليون منها 2.660.000 غير مواطنين.
ومن المواطنين 1.649.200 ذكور و 136.800 إناث. في الخطة الخمسية الرابعة (1985 ـ 1990) تزايدت قوة العمل المدنية الى معدل 5.4 بالمئة في السنة لتصل الى 5.771.800 مليون معدل الموظفين في المجال الزراعي انخفض الى أقل من 1 بالمئة من إجمالي قوة العمل المدنية.
ومثال آخر، فقد بلغ عدد المدرسين المحليين في عام 1404هـ/1984 بلغ 66991 مدرساً، وفي عام 1409هـ بلغ عدد المدّرسين 122772 مدرساً (الكتاب الاحصائي السنوي الصادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني العددين 24 (1408)، و25 (1409هـ) ص 53 وفي الفترة ما بين 1984 ـ 2004 تضاعف العدد أكثر من مرة وبلغ عدد المدرسين ما يربو على 300 ألف مدرساً.
إن التجارب السياسية السابقة تؤكد بأن حكومةآل سعود تخشى من قوة هذه الطبقة بل إن صراعها كان واضحاً منذ الخمسينيات على أرضية (وعود الاصلاح): 1958 (صراع سعود وفيصل)، 1960 (تجدد الصراع ذاته)، 1962 (الحرب مع اليمن)، 1970 (بعد محاولة انقلابية عام 1969)، 1975 (إغتيال الملك فيصل)، 1979 (حادثة الحرم ومظاهرات الشيعة في المنطقة الشرقية)، 1982 (موت الملك خالد واطلاق تصريحات حول الاصلاحات السياسية).
في مرحلة النشأة، كانت الطبقة الوسطى، بفعل عوامل الضعف وعدم وضوح المسار، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام الذي أوجدها، فهي تمتثل لاملاءاته، وتقتفي أثره، وتلتزم بقراراته، ولكن ما إن تضع الطبقة أقدامها على سكة التحديث فإنها تمارس ضغوطاً مكثفة على الدولة من أجل السير بوتائر متسارعة في طريق التحديث، مما يضطر النظام السير معها، ولكن رضوخه لم يكن منزوعاً عن الخوف الذي يصيبه من جراء مبيّتات الطبقة الوسطى، فهو يدرك أن في هذه الطبقة عناصر تهديد كامنة.. وأن مطالبها تتجاوز الحدود التقنية لعملية التحول فهي تصل أحياناً حد الارتطام بالقيم الأكثر حساسية للنظام.
لقد حاولت العائلة المالكة ومن ورائها المؤسسة الدينية تطويق التأثيرات الفكرية والسياسية لبرامج التحديث، في مسعى لتدجين الطبقة الوسطى، وإبقائها تحت سيطرة النظام من أجل الإفادة من إمكانياتها التقنية والادارية.
ربما كان ذلك هدفاً مثالياً رغم أنه حقق نجاحاً في فترات سابقة، وقد ذكر أحد الوزراء السابقين بـ (إننا نجحنا في استيراد التكنولوجيا بدون ايديولوجيا)، ولكن هذا النجاح كان بطبيعة الحال نسبياً، فهذه الطبقة هي التي قادت بصورة غير مباشرة عمليات التحول الثقافي والسياسي، وفرضت على الدولة الاستجابة لمتغيرات الداخل، وهي التي شاركت في أعمال احتجاجية متفاوتة الحجم والشكل والتأثير.
وبالتالي فإن القيم الدينية التقليدية وهكذا أسس النظام الملكي قد تآكلت بفعل الانفصال النفسي والذهني لأفراد الطبقة الوسطى عن مجال التأثير الديني والسياسي الرسمي.
لقد أحسّت العائلة بالدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه الطبقة الوسطى في التحولات الداخلية ذات الطابع السياسي، وقد شكى الملك سعود في الستينيات بأن الأخطار التي يواجهها حكمه تأتي من المدن، باعتبارها الحواضن الطبيعية لأفراد الطبقة الوسطى، ثم صدّقت الاضرابات العمالية ومظاهر السخط في مناطق النفط في الخمسينيات والستينيات ما قاله سعود.
من الناحية المبدئية، فإن الطبقة الحاكمة تفضل التعامل مع زعماء القبائل لأنها تفهم لغتهم ووسائل استرضاءهم ولكنها مضطرة في مرحلة ما للخضوع والتعامل مع الطبقة الوسطى لأنها وحدها المطلوبة لتشغيل ماكنة الدولة وإدارة جهازها الإداري.
فالطبقة التي أنشأتها الدولة لحاجاتها الخاصة لم تقبل الرضوخ المفتوح لسلطة الدولة، بل هي طبقة تستجيب لشروط التحديث ووتائره المتسارعة أكثر مما تستجيب لشروط الدولة وأغراضها. ولذلك فإن من أكبر المشاكل التي تواجه الأنظمة التقليدية، هي كيفية احتواء العواقب السياسية للتحديث الاجتماعي والاقتصادي، فالنشاطات الاقتصادية الحديثة، والعلاقات المتغيّرة مع العالم الخارجي تنتج أدواراً جديدة وتولد حاجات لمهارات جديدة، ويقف أولئك الذين يتقدمون لشغل هذه الأدوار خارج النطاق التقليدي للتراتب الاجتماعي كثيراً ما يكونون معزولين عن النظام السياسي التقليدي.
ولأن الحكومة (العائلة المالكة هنا) تدرك تماماً بأنها تخلق منافساً مستقبلياً لها من خلال تنشئة طبقة وسطى لإدارة ماكينة الدولة وتحقيق المصالح الخاصة للطبقة الحاكمة، ولذلك فهي تحاول أن توفّر ضمانات كفيلة تحول تجاوز الطبقة الوسطى لحدود الحريم السيادي للعائلة المالكة.
بالرغم من أن الصيرورة الدولتية تستلزم تآكل سيادة الطبقة الحاكمة بصورة تدريجية. فجهود التطوير تبدأ من قبل الطبقة الوسطى الجديدة بالتعدي على المناطق الأكثر حساسية في النظام، كامتيازات الحاكم، وأسس النظام السياسي، والأسس الدينية والثقافية لكليهما..
وهنا يبدأ النظام المهدد ـ الذي لم يسبق أن ربط نفسه دون تحفظ بعملية التحديث بالمقاومة والتردد ومن ثم عزل الطبقة الوسطى الجديدة التي يكون التحديث قد أصبح بالنسبة لها في هذه المرحلة هدفاً بحد ذاته،
|