|
بعد أن تمكن عبدالعزيز آل سعود من الاستيلاء على الرياض ودعم مركزه فيها، سارع إلى إعادة التحالف التاريخي بين آل سعود وآل الشيخ (نسبة إلى
الشيخ محمد بن عبدالوهاب مؤسس الحركة الوهابية في الجزيرة العربية)
بهدف الاستفادة من البعد الأيديولوجي الديني للحركة الوهابية في توحيد
القبائل وسكان القرى النجدية، وضمهم تحت لوائه، وهكذا عمد
عبدالعزيز آل سعود إلى إحياء الوهابية، وبث مشايخها بين القبائل، وسعى
إلى توطينها في هجر متناثرة في أنحاء الجزيرة العربية، لاسيما في نجد
لإضعاف الروابط القبلية.
وقد نجح في ذلك مما مكنه من إيجاد جيش شبه
مؤدلج دون تكاليف تذكر، استخدمه في إسقاط الدولة الهاشمية في الحجاز
وإضعاف باقي الكيانات ذات الطابع السياسي في غرب وجنوب الجزيرة العربية حتى حدود اليمن الحالية، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى واندحارالدولة العثمانية، فكان بقاء الشريف حسين همّا أكثر منه عونا للمخطط البريطاني، وكذلك باقي الكيانات السياسية المطلة على البحر الأحمر.
ورغم النجاحات الكبرى التي حققها عبدالعزيز كانت بريطانيا تتعامل معه
ببرود وحذر مستغلة حاجته المادية لها، دون أن تعي أنه يتحرك على بحيرة
من النفط، وإذا اعتبرنا أن إحياء الوهابية قد ساهم إسهاماً فعالاً في قيام
مملكة آل سعود كخطوة أولى على طريق الهيمنة على مجمل جزيرة العرب، فإن هذا التآلف التاريخي بين أسرة آل سعود الحاكمة والمذهب الوهابي، أنتج دولة أصولية متشددة في تطبيق الشريعة الإسلامية في أكثر التفاسير ضيقاً وتزمتاً وإضفاء القدسية الدينية على القيم والعادات القبلية والقروية، ومحاربة كل حديث وجديد.
وقد أشاع المطاوعة مفهوم الطاعة والإذعان للحاكم «ولي الأمر» كواجب ديني، وقد حدّ هذا كثيراً من بروز الوعي السياسي الناضج والمستنير لدى عامة الناس، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور محاولات ومطالبات إصلاحية خاصة بعد اكتشاف النفط الذي دفع بالمجتمع في الجزيرة العربية إلى خضم الصراع الدولي والإقليمي، وساهم في عملية تحديث معقدة تشده إلى الطرف الآخر للتشدد الداعي للتحديث والانفتاح والتحرر الوطني.
جاء اكتشاف النفط بكميات كبيرة، بعد أن نجح الملك عبدالعزيز آل سعود في تحويل تحالفه من بريطانيا إلى تحالف وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ولهذا قيل إن مملكة آل سعود كانت نتاج حربين عالميتين. وكانت الشركات النفطية الأمريكية قد استطاعت «بطرق ملتوية» من سحب البساط من الشركات البريطانية والغربية الأخرى واشترت حق امتياز التنقيب عن النفط في الجزيرة العربية، بخمسين ألف جنيه استرليني ورفدت ميزانية عبدالعزيز الخاوية بآلاف الجنيهيات، فيما ركزت لندن استثماراتها على نفط العراق وإيران، واعتبرت أن إمكانيات الجزيرة النفطية غير واعدة، وغلب عليها البخل في تمويل ميزانية الدولة الوليدة.
وتضامنت مجموعة من الشركات الأمريكية الكبرى في تأسيس شركة الزيت
العربية الأمريكية التي اشتهرت باسم ( أرامكو) اختصاراً، لتستطيع مجتمعة
تحمل تكاليف الاستكشافات والبحث عن النفط، وتسديد العجوزات في الميزانية، ودعم استقرار الدولة الوليدة التي أعلن عن قيامها عام 1932.
كان الملك عبدالعزيز آل سعود قد عانى كثيراً من الإنجليز واللف والدوران
في تعاملهم معه، إلا أنه استفاد سياسياً من تلك التجربة، واستطاع بفطنته
وخبرته ومستشاريه السياسيين من اللعب على التناقضات في الحرب العالمية
الثانية، فلم يغضب الألمان والإيطاليين ومد جسوراً خفية معهم، وكان هتلر
قد حاول استمالة الملك عبدالعزيز وأرسل له رسالة، عبر فؤاد حمزة أحد
مستشاري الأخير، وعده فيها بتنصيبه ملكاً على العرب، إلا أن عبدالعزيز قد
خبر مثل هذه الوعود التي سبق وأن أطلقتها بريطانيا للشريف حسين بن علي واستقر به المطاف منفياً في قبرص حتى وافاه الأجل عام 1922م.
رفض عبد العزيز العرض الألماني وادعى الحياد وعينه على واشنطن، التي وجد فيها حليفاً مهماً بديلاً للحليف البريطاني الذي بدأت امبراطوريته بالتصدع وقلاعه بالتهاوي، فيما واشنطن خرجت من عزلتها وأصبحت اللاعب الأهم في العالم.
وفي الجانب الآخر أدرك مسؤولو الشركات الأمريكية المالكة لأرامكو أن الظروف المناسبة لاستغلال حقول النفط قد تتعرض للخطر إذا لم يُضمن نظام حكم مستقر موال لواشنطن ، ولم تكن جهود هذه الشركات ووسائل الضغط التي بحوزتها كافية لإبقاء المملكة في الفلك الأمريكي، لذا لابد من تحريك ماكنة الدولة الأمريكية بكل دوائرها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، فأعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام1943م (إن دولة آل سعود ذات أهمية حيوية للولايات المتحدة)، مما شجع الملك عبدالعزيز لأن يعلن انحيازه للحلفاء بعد زعم الحياد، وبدأ في الابتعاد التدريجي عن بريطانيا.
وجاء اللقاء الشهير بين
عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت عام 1954 م، ليرسم منحىً جديداً في مسيرة العلاقات مع امريكا، وكان الملك عبدالعزيز آل سعود يعتمد على عدد واسع من المستشارين من نجد والحجاز وخاصة أصحاب
الخبرة والمعرفة الوافدين من سوريا والعراق ومصر وليبيا، إضافة إلى
مستشاريه من الإنجليز وأشهرهم عبداللّه فليبي، الذي انحاز إلى جانب
الشركات الأمريكية التي وعدته بعمولات مجزية.
اتضحت الصورة بأن بقاء آل سعود في الحكم في منطقة تعج بالتنافس ويعاد تشكيلها، يرتبط بتوثيق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
واشنطن كانت لها استراتيجيتها المختلفة نسبياً عن لندن، فهي وضعت ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعم الحركات الأصولية والأنظمة التقليدية في المنطقة المناهضة للتحديث على رأس أجندتها السياسية، إذ أنها اعتبرت ذلك الدرع الأول ضد ما أسمته بـ (المد الشيوعي) والقومي العربي، في ظل اشتداد الحرب الباردة في العالم، واستطاعت واشنطن والرياض توظيف الدين والنفط لصالح أجندتهما، وتحول الدين بقدرة قادر إلى نقيض وعدو للقومية العربية والعلم والتحديث، مما أثر سلباً على انتشار دعوات الإصلاح وسهل لسلطات آل سعود القضاء عليها والحد من انتشارها، كما أن الإرث الاستعماري البريطاني المتمثل في التقسيم
التعسفي للخارطة السياسية في الوطن العربي ساهم في الخلط بين أطروحات
الإصلاح في الداخل مع الأطروحات والأحلام والشعارات العربية الكبرى. لقد
اختلط الخاص بالعام وتداخلا بقوة.
|