تحرير العقول وتغيير المناهج

 

 يرى أرسطو إن اعتماد الحضارة اليونانية إنما كان على التربية فيقول: «توجد هناك نقطة واحدة يستحق الاسبراطيون من أجلها الثناء وهي أنهم كانوا يعتنون كل الاعتناء بتربية أطفالهم بصورة علمية تناسب محيطهم، ويقصد بذلك التربية على الروحية والسمو والقوة والصبر والفداء في سبيل الوطن وبناء الحضارة..
 إن المناهج الدراسية التربوية تلعب دوراً كبيراً في خلق وتنشئة جيل متقدم متطور يحاكي الحضارة ومستجداتها، وأي خلل ينشئ في الدولة معناه هناك حتماً خلل في مناهج التعليم، لا يمكن أن تتقدم دولة بتعليم هش!. ولهذا نرى حينما كانت هناك الحرب الباردة بين «الاتحاد السوفيتي سابقاً» وأوروبا وأمريكا، حينما طارت مركبة الفضاء السوفيتية آنذاك، عملت الولايات المتحدة الأمريكية ثورة على إصلاح المناهج مباشرةً، وكانت النتيجة أول أميركي تخط قدماه على سطح القمر، وكل ذلك بفضل إصلاح المناهج، وكذا بالنسبة إلى اليابان وألمانيا «اللتان يصل فيهما متوسط مرتب المدرس السنوي 50 ألف دولار سنوياً» يراجعان مناهجهما كل ستة شهور، وتجدد رخصة المعلم كل خمس سنوات، وكذا بالنسبة إلى سنغافورة وماليزيا - التي تخصص 18% من ميزانيتها لتطوير التعليم والمناهج، والتي تكون 6% من الناتج المحلي الإجمالي تقريباً-، وهونج كونج والهند التي تخّرج مع الصين سنوياً مليون مهندس، ولهذا أكبر عشر شركات أمريكية مدراءها هنود!. وفي بريطانيا يخضع المعلم إلى تقويم مستمر طوال عامين .
 المناهج التعليمية منطلق أساسي للتقدم والرقي ومن غير إصلاح المناهج ومراجعتها بين فترة وأخرى لن نتمكن أبداً من تنشئة جيل مواكب للحضارة!. ومع ما نراه من تطور في المناهج الأمريكية إلا أننا نرى من كبار القوم من ينتقدها، يقول بيل غيتس الملياردير، صاحب مجموعة «مايكروسوفت»: «إن المدارس الأميركية باتت بالية» ويضيف بقوله: «أن مدارسنا الثانوية حتى عندما تعمل وتدار على النحو المخطط له، لا تستطيع أن تدرس التلاميذ ما ينبغي أن يحصلوا عليه من معرفة في عالم اليوم».
 فنحن سمعنا الكثير الكثير حول إصلاح مناهج التعليم في المملكة التي أكل عليها الدهر،ولا نعلم ماذا تريد أن تخرّج مناهجنا! هل تريد تخريج علماء دين؟ أم علماء مواد علمية؟.
 أم ماذا؟!. إن مناهجنا التعليمية بدءاً من الدروس الدينية لا زالت قائمة على سياسة الحفظ والإتباع والنقل المطلق عن السلف، حتى يكاد العقل لا يفكر ولا يناقش كل ما جاء عن السابقين وكل ما هو مكتوب في المناهج! وهذا النوع من التعليم أسّكت الفكر المتطلع المتنور وأمات روح الإبداع والتجديد... وفي الوقت ذاته نتطلّع إلى مناهج حديثة متطورة تهتم بتنمية الفرد تنمية متوازنة في شتى المجالات المعرفية المختلفة، وتغرس القيم الأخلاقية، وقيم التسامح، والانفتاح، وقيم المواطنة، والمحبة والسلام، والوحدة الداخلية بعيداً عن روح العنصرية والتمييز الجاهلي، وكذلك الاهتمام الجاد بالبحوث والدراسات الفعّالة، ففي بعض الدول مثل بريطانيا لا يتم تخرج الفرد من الجامعة إلا ويقدم بحث «اختراع».
فتطهير المناهج من شوائب التعصب المذهبي الآحادي - الوهابي - باتت ضرورة لا يمكن السكوت عنها أبداً.. فعصر المجاملات والمهاترات والسكوت «والترضية» قد ولّى وبلا رجعة، وما عادت تحتمل عنجهية المتشددين الذين يقفون حجر عثرة ضد التجديد والتطوير، وعلينا أن لا نخافهم، وأن لا نرهبهم، وأن لا نتوقف عن الإصرار والمطالبة للتغيير، فهم شرذمة عاثت فساداً في التحكم والسيطرة على المناهج التعليمية، وإلاّ كيف يسمح لكتب باسم الدين تدرّس لطلبة فيها تكفير لمذاهب إسلامية أخرى غير المذهب «الوهابي» ، وكأننا نعيش عصر الفصل العنصري «أبرتاييد» في جنوب أفريقيا، الذي وضع نظاماً للتعليم يتسم بعدم العدالة في توزيع المعرفة... نحن نتطلع إلى إرادة حقيقية للتغيير والوقوف بصلابة تجاه عصور التخلف والظلام. ونقول بصراحة ضد أيّة بيانات فتنة تصدر هنا وهناك للمتشددين المتحجرين، مثلما أشاروا في أحد بياناتهم «بأن أول من أوغر صدور الأمريكان على ما في المناهج من عقيدة الولاء والبراء، هم بعض الرافضة الذين ظهروا في وسائل الإعلام الأمريكي عقب أحداث جمادي 1422 الآخرة هـ «11 أيلول سبتمبر»، وذكروا أن هذه العقيدة – التي ينبزونها بالوهابية –تحرض على كراهية الأقليات الدينية وعلى الأديان الأخرى، وعرضوا نماذج لذلك بالجزء والصفحة وقد سعوا قبل ذلك ونجحوا في إلغاء مادة الفرق من المنهج المطور الصّادر سنة 1405هـ ويسعون إلى حذف كلّ ذكر للشّرك والبدع في المناهج ؟ يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ؟.
 نعم نحن سنقف ضد هذا النوع من التكفير بالجملة ضد المسلمين، وسنقف وسنطالب بحذف هذا النوع من المواد التي طالما كانت عائقاً أمام التطور ، وكما إننا نذكّركم بأنكم حاولتم سنين طويلة بتدريس مناهج الشرك الأكبر والأصغر والبدع وعبادة القبور إلى أبنائنا ولكن عقول أطفالنا البريئة النيّرة لم تستجب لخرافات أحاديثكم النتنة ضد عقول أطفالنا.. فمن أحاديثكم الذي طالما نشرتموها وتشدقتم بها هي الآتي: «إن الله اختارني واختار لي أصحابي فجعلهم أنصاري وجعلهم أصهاري وأنه سيجيء في آخر الزمان قوم يبغضونهم آلا فلا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم آلا فلا تناكحوهم آلا فلا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم حلّت اللعنة».

 

ابو عبد الله

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004