من يحمي الانظمة العربية

 

  قوة السلاح أياً كان نوعه تكمن في نوعية اليد التي تقف خلفه، فان كانت اليد موالية للنظام فأنها ستقف إلى جانبه ساعة العسرة والحرج، واما اذا كان من يحمل السلاح غاضبا على النظام، فانه من غير المستبعد ان يستخدمه ضده حينما تتهيأ له الظروف، وان لم يفعل ذلك «مشكورا» فأنه سيقف موقف القابل بمصيره ونهايته، متفرجا عليه ينتظر لحظة احتضاره وانتزاع روحه، وكل نظام على علاقة سيئة مع شعبه، هو نظام ضعيف، ومآله السقوط، إذ بمجرد أن يتعرض الى ابسط التحديات يضعف وينهار سريعا.
حين يقرع جرس المعركة لن تنفع الانظمة الدكتاتورية كل اسلحتها المتكدسة، لان السلاح لن يكون فاعلا ما لم تكن خلفه يد مخلصة، وروح متفانية، وهذا ما تفتقر اليه انظمتنا بكل أسف. وعليه فإن انظمتنا معنية باعادة النظر في علاقتها مع شعوبها، لأن شعوبها هي التي ستتمكن وحدها من إنقاذها، وإخراجها من محنها، وحمايتها من السقوط، وبصراحة شديدة ان انظمتنا بعسكرها، وحرسها وجيشها الخاص والعام، وترسانتها العسكرية واسلحتها النووية، وآلتها الاعلامية وابواقها «الصحافية»، لن ولم تتمكن من توفير الامن والحماية لنفسها ما لم يصطف معها شعبها.
واحد من اهم مكامن الضعف لدى الأنظمة القمعية في المنطقة يتمثل: في الهوة الواسعة بينها وبين شعوبها في حين ان توافقها وقربها من شعوبها هو مصدر القوة الحقيقية لها، وكلما كان النظام على صلة وقرابة وعلاقة متينة مع شعبه ازدادت قوته، وأصبحت له هيبة وخشية، وكلما اتسعت الفجوة صارت المسألة عكسية، وبانت نقاط ضعفه، ومن خلال هذه الفجوة تنفذ القوى المتربصة.تجسير هذه الهوة يأتي من خلال الأطر الديمقراطية الحديثة التي من شأنها أن تخلق تفاعلا وحراكا مجتمعيا ايجابيا نحو البناء والتعمير وفق مسارات وهياكل واضحة لا من خلال الأطر التقليدية التي عفا عليها الزمن ولم تعد منسجمة مع متغيرات الحاضر المتسارعة. الطريق لكسب ود الشعب ليس وعرا، وليس شائكا، ولا يحتاج لجهد كبير، ولا يحتاج لضرب أخماس في أسداس واستخارة حتى يأذن الله من فوق عرشه لان يتخذ صناع القرار خطوة واحدة متقدمة للأمام !!.المسألة في غاية السهولة والبساطة، كل ما عليه فعله ان يبدأ في خطوات اصلاحية جادة، ولو بخطى متدرجة، حتى وان جاءت على استحياء وعرجاء و«بالقطارة»، وفي الوقت الضائع ايضا.. المهم ان يشعر المواطن بان النظام قد بدأ بالفعل يغير سلوكه تجاهه ايجابا، وسيجد شعبه الى جانبه في كل المواقف والأزمات متفانيا مضحيا مقدما الغالي والنفيس من اجل حمايته.
 في العالم العربي والإسلامي شعور وأدارك متزايد بانها تعيش في زمن مختلف وجديد يرفض بشدة التعايش مع انظمة مستبدة، وترى نفسها مؤهلة لرسم طريقها ومصيرها بإرادة جمعية مشتركة دون وصاية من أية جهة، وما يجرى في العراق يدلل بشكل واضح على ان الشعوب قادرة على تقرير مصيرها بنفسها، متى ما أتيح لها المجال وترك لها الخيار، وهي تواقه الى هذا الفعل، بل هي منتظرة لتلك الفرصة على أحر من الجمر.
 الانظمة القمعية المستبدة لازالت شهوتها تدفعها في اتجاه الإصرار على الاستفراد بالقرار والتمسك بالحكم ولن تفسح المجال لشعوبها لرسم مستقبلها بايديها كما يظهر، وستصر على البقاء منفردة في سدة الحكم، مع ذلك كله، فالشعوب على استعداد تام لان تطوي صفحات الألم الماضي وتتناساه متى ما غيرت الانظمة من سياستها تجاهها.
وجود قوى خارجية تستهدف تغيير المنطقة ورسم خارطتها من جديد، وقد تكون أولى خطوات التغيير القادمة، اقتلاع الانظمة الاستبدادية، ذلك يدفع بالشعوب باتجاه مطالبة الانظمة في المنطقة نحو المسارعة في إحداث تغييرات حقيقية تؤدي لإشراكها في صناعة القرار كي لا تتكرر تجربتي العراق وأفغانستان في المنطقة، وهي تأمل ان لا تتدخل تلك القوى تدخلا عسكريا، وان تتريث بعض الوقت لإعطاء الفرصة الكافية للانظمة الحاكمة لتبدل جلدها بجلد آخر لتبادر هي بقناعتها الذاتية في إحداث التغييرات الضرورية في بلدانها بطرق سلمية دون ان تعرض شعوبها لتبعات الخضات والهزات العنيفة.
هذه الرغبة تعكس الحالة السلمية لهذه الشعوب، فهي لازالت تتطلع لتوبة الانظمة، ولا زالت مطالبها في حدودها الدنيا فهي لا تطالب بالتغيير بالقوة والعنف، ولا تريد ان تقوم بثورة ضدها، بل لا تريد ان تدخل في حلبة مصارعة ومناكفة سياسية معها، وانما تطالب الأنظمة بسرعة التغيير الجذري الهادئ عبر وسائل سلمية وبشكل تدريجي، ولكنها في ذات الوقت ترفض ان يظل القرار في يد مجموعة أو فئة تتفرد بمصير شعب كامل دون ان يكون له رأي مسموع، وقرار ملموس، وأكثر ما يزعج الشعوب العربية ان يبقى الحكم على سياساته القديمة البالية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وإذا ظلت الأنظمة على ما هي عليه فلتعذر شعوبها ان قبلت بتدخل القوى الأجنبية ولم تحرك ساكنا.
الشعب العربي- الإسلامي لا يرغب في التمرد ولا يحب المشاكسة والمعارضة، ولا يأنس الصدام، ولا يتمنى ان يتحول إلى شماعة أو حصان طروادة يركبه الغير، فهو شعب مسالم يجنح للسلام، لا يريد سوى ألعيش في وطنه في أمن، وكرامة، وعزة، وحرية بدلا من حياة الذل والمهانة والاستعباد.. فهل تعي أنظمتنا ذلك، وتستجيب لمطالب شعوبها، وتعود إلى رشدها – مع إنها لم تمر بمرحلة رشد قط ؟! أم أن باب التوبة موصد في وجهها ولا أمل للتغيير إلا بسياسة العصا؟!!.

 

ابو عبد الرحمن

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004