|
يرتّب الدستور الهيكلية الرسمية للحكومة، ويحدد سلطات ومؤسسات الحكومة المركزية، وهكذا التوازن بين الحكومة المركزية والمستويات الأخرى من الحكومة.
إضافة إلى ذلك، فإن الدساتير تحدد حقوق المواطنين، وفي ضوء ذلك فهي تضع حدوداً على الحكومة كما تحدد الواجبات تجاهها.
يمكن النظر إلى الدساتير من طريقين أو زاويتين مختلفتين: الأولى تعكس الدور التاريخي في الغرب لتحديد سلطة الدولة على مواطنيها. من وجهة نظر الليبرالي النمساوي Friedrich Hayek (1960) فإن الدستور ليس سوى جهاز لتحديد سلطة الحكومة. في نفس السياق، يعرّف Carl Friedrich (1937) الدستور على أنه (نظام من القيود المؤثرة والمنظّمة على عمل الحكومة).
وبوحي من هذه المقاربة و إنعكاس لها، فإن لائحة الحقوق (Bill of Rights) تشكل الآن جزءاً من كافة الدساتير المكتوبة تقريباً. إن أول لائحة حقوق تتألف من 10 تعديلات ألحقت بالدستور الأميركي في سنة 1791. وتغطي اللائحة هذه الحقوق مثل حرية الدين، والكلام، والصحافة، والاجتماع (والأكثر شؤماً) حق الشعب في حمل السلاح والاحتفاظ به وتتنازع الدساتير الحديثة كيما تكون أكثر طموحاً في إفادتها حول الحقوق، وفرض الواجبات على الحكام مثل تلبية كافة حقوق المواطنين في العمل والرعاية الصحية.
إن الحالة المتطرفة هي الدستور البرازيلي لعام 1988 (Howard, 1993). إن هذه الوثيقة الطويلة قدّمت وعوداً فارهة عديدة بحيث تطلّبت جلسات مراجعة خاصة للكونغرس في عام 1993 ومرة ثانية في 1997 لتخفيض زخم الالتزامات الواردة فيها. ولكن رد الفعل البرازيلي للدستور الوارف والمزخرف كان غير عادي.
وفي الغالب، فإن التعهدات الكبيرة التي قطعت لجهة رعرعة صناعة الدستور كان يتم تجاهلها حين يأتي الحديث عمن يجب عليه أن يدفع.
الزاوية الثانية في النظر إلى الدساتير تتجاهل دور الدساتير في كونها ترتّب هيكلية الحكومة. يصفDuchacek (1973) الدساتير على أنها خرائط السلطة، فالدساتير ـ بحسب وجهة نظره ـ توصّف التوزيع الرسمي للسلطة داخل الدولة. إن الدساتير تحدد ممرات أو مسارات السلطة، وتكشف عن إجراءات صناعة القوانين والوصول إلى قرارات.
ولذلك، فإن الدستور هو شكل من الهندسة السياسية التي يجب أن تخضع للمحاكمة شأنها في ذلك شأن أي بنية أخرى من حيث كونها تقف أمام اختبار الزمن. وعليه، فإن الدستور الأميركي، الذي مازال يسير من قوة إلى قوة بعد مرور أكثر من مائتي عام، يجب أن ينظر إليه على أنه انتصار. فقد حدد الانقسام الكلاسيكي بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والتي تعمل جميعها في إطار فيدرالي. ويفسر Sartori (1994, p.198) الخاصية التعريفية للدستور بأنها توفير إطار للحكومة. وبحسب قوله (إن الدستور بدون إعلان الحقوق لا يزال دستوراً، فيما الدستور الذي يكون جوهره ومركزه ليس توفير إطار الحكومة لا يعد دستوراً).
ويشتمل الدستور النموذجي على أجزاء عدة (Duchacek, 1991). إن مقدمة الدستور تبحث عن دعم شعبي للوثيقة مع إعلان حيوي للمبدأ، الذي هو غالباً مكيّف من أمريكا: (نحن شعب الولايات المتحدة، وفي سبيل تشكيل اتحاد كامل تماماً، نقرَ بالعدل، ونضمن السلام الداخلي، ونوفّر الدفاع المشترك، ونطوّر الرفاه العام، ونضمن مباركة الحرية من أجلنا ومن أجل إزدهارنا، نقر ونثبّت هذا الدستور للولايات المتحدة الأميركية).
ويحدد القسم التنظيمي سلطات مختلف مؤسسات الحكومة. إن لائحة الحقوق تغطي الحقوق الفردية وربما الجماعية أيضاً، وتشمل الوصول إلى الإصلاح القانوني، وعليه تضع حدوداً على الحكومة، وأخيراً، فإن إجراءات التعديل تعرّف القوانين التي بموجبها يتم مراجعة الدستور.
إن ثمة تمييزاً تقليدياً بين الدساتير المكتوبة وغير المكتوبة، ولكن يبقى أن ليس هناك دستور غير مكتوب بالكامل، وحتى الدساتير البريطانية والنيوزلندية غير المكتوبة تشتمل على تشريعات وقانون عام.
إن التقابل بين الأنظمة المصنّفة وغير المصنّفة، هي التحديد بصورة تفصيلية في وثيقة مستقلة موحدة أو هيئة قوانين. إن دستور ألمانيا، على سبيل المثال، تم وضعه في القانون الأساسي المصادق عليه عام 1949. إن دساتير كل من بريطانيا ونيوزلندا هي غير اعتيادية كونها ليست مرسمنة بطريقة ما.
إن إجراءات التعديل على درجة كبيرة من الأهمية. إن أغلب الدساتير جامدة، وهذا ما يجعلها مقبولة لمصالح مختلفة داخل البناء. وبشكل خاص، فإن الإطار الجامد يحدد مقدار التلف الذي يحصل في السلطة بفعل المعارضين السياسيين، حيث يجب عليهم الالتزام بالقيم المؤطّرة في التسوية الدستورية. إن الدستور الصارم يقدّم أيضاً فائدة عامة، مثمّنة من قبل الليبراليين، وهي عبارة عن قابلية التنبوء بالخاضعين له.
في المقابل، إن الفائدة الرئيسة للدستور المرن هي تكيّفه مع الظروف المتغيرة. في نيوزلندا على سبيل المثال، سمحت هذه المرونة في الدستور إلى إعادة صياغة النظام الانتخابي ، والإدارة الحكومية في البلاد في الثمانينيات والتسعينيات. وسواء كان للأفضل أو للأسوأ في العديد من البلدان فإن تغييرات راديكالية كهذه تطلبت تعديلاً دستورياً.
من الناحية العملية، رغم ذلك، فإن العديد من الدساتير الصارمة قابلة للتكيّف أكثر مما تبدو عليه. خذ الولايات المتحدة على سبيل المثال، ففي النظرة الأولى فإن الدستور الأميركي يبدو بدرجة كبيرة على أنه غير مرن ـ حيث يتطلب التعديل الدستوري أغلبية بثلثي الكونجرس والمصادقة بثلاثة أرباع الولايات. يبقى، أن الدستور لا يزال خاضعاً ـ وليس عن طريق التعديل الرسمي ـ الى التفسير القضائي المتغيّر.
إن المحكمة العليا أصبحت ماهرة في تكييف الوثيقة القديمة مع الازمنة الجديدة. وعليه، فإن تعارضاً بين الدساتير المرنة والجامدة يكمن في أن السلطة القضائية في الدساتير الجامدة تدير عملية التطور بينما في الاولى يتسلم السياسيون زمام الأمر.
إن التعديل المستمر هو إشارة على أن النظام السياسي (والدستور) في حالة إنهاك.
إن تعديلات كثيرة أيضاً هي انهزام ذاتي، حيث أنها تخفّض الاحساس بأن الدستور يقدّم وصفة مستقرة للحكم. لقد شهدت بلجيكا وكندا تغييرات دستورية في رد فعل على خلافات بين جماعات اللغة. إن التعديل الدستوري قد يعكس مشاكل ولكن يبدو أنه بمفرده غير قادر على حلها.
صناعة الدساتير
بحسب ما كتب المنظّر السياسي الإنجليزي جون ستيوارت ميل (الطبعة الأولى 1861) فإن الدساتير (هي من عمل الرجال.. إن الرجال لا يستيقظون في صباح صيف ما ليجدوا هذه الدساتير وقد انبثقت). وعليه، كيف تخرج الدساتير إلى الوجود؟ في الغالب، إنهم يشكلون جزءاً من بداية نقيّة عقب فترة اضطراب. وتشمل هذه الظروف تغيير النظام (على سبيل المثال انهيار الشيوعية)، وإعادة الإعمار بعد الهزيمة في الحرب (على سبيل المثال اليابان بعد 1945)، أو الفرض الخارجي (على سبيل المثال نفوذ الاتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية بعد 1945)، والاستقلال (على سبيل المثال معظم أفريقيا في الخمسينيات والستينيات). لقد كانت الثمانينيات والتسعينيات فترات مشغولة من قبل صانعي الدساتير: فقد كان هناك 17 دستوراً جديداً قد تم وضعها في أوروبا الشرقية بين 1991 و1995 وأكثر من 30 دستوراً في أفريقيا خلال التسعينيات.
إن الدساتير هي، لذلك، وثائق مصممة لخلق وتحديد نظام جديد، ولكن هذه الدساتير نادراً ما تولد في احتفال.
إن أغلبها هي نتاج أزمة، فمن يفضّل دستوراً جديداً إذا كان كل شيء يسير على ما يرام؟ وعادة، فإن الدساتير هي عبارة عن توافقات تمت بين لاعبين سياسيين ربما كانوا للتو في نزاع ومازالوا لا يثقون في بعضهم.إنها مناوشات وهدنة محكمة في كلمات ناعمة ودقيقة ..من الأمثلة على التسويات المناقشة تشكّل السود والبيض الذين عملوا على دستور 1996 في جنوب افريقيا، في محاولة لتلطيف الديمقراطية لتنبعث من التاريخ الخصامي لنظام الرق في الماضي القريب.
وحتى الدستور الأميركي لعام 1787 كان يوصف بأنه ( شيء من المخاصمات والتوافقات). وفي صيغته الكاملة، فإنه منظومة من الاقتراحات المتنافرة التي رقعت ببعضها، بل وأكثر من ذلك حسبما اعتقد كثير من مؤطريها ...حملت في أزمة ووضعت عن طريق توافق، فإن الخطر بأن الدستور لن يمنح الحكام الجدد الصلاحية المطلوبة لحكم فعّال.
إن الدستور الأميركي، على سبيل المثال، يقسّم السلطة إلى نقطة حيث أن نقادها يدّعون بأن الحكومة وبخاصة الرئيس غير قادر من الناحية العملية على الحكم. إن بعض الدساتير لا تعمل أكثر من تمرير حزمة المشاكل السياسية غير المحلولة إلى الجيل اللاحق.
إن السؤال المركزي حول الدساتير هو: متى تنجح في خلق إطار سياسي مستقر؟. من الناحية الجوهرية، كما يبدو، أن ذلك ممكن حين لا تحاول هذه الدساتير كثيراً فعل ذلك. إن روح وهكذا رسالة الدستور هي من المحتمل للغاية أن تنتعش حين يعكس الدستور المصالح والقيم المهيمنة. إن الدستور الأميركي ثبّت حكومة مركزية محدودة، مخلّقة، كما يضع ذلك الرئيس جون آدمز، من (الضرورة الطاحنة للأمة الحائرة). في حال خلقت مركزاً أشد قوة، كما أراد بعض المؤسسين ذلك، فإن الدستور قد يغرق تحت تأثير المعارضة من الولايات والمستوطنين المتحررين ذهنياً.
على العكس من ذلك، فإن الدساتير الليبرالية ـ الديمقراطية والتي أوصى المستعمرون الراحلون في الخمسينيات بالدول الجديدة في أفريقيا وآسيا قد أخفقت لأنها لم تأخذ في حسبانها التفاوتات الاجتماعية والثقافات غير الديمقراطية. وكان من السذاجة الافتراض بأن الدساتير الغربية ستصدر في ظروف أو شروط مختلفة في العالم النامي، فكثير من هذه الدول خضعت تحت حكام تسلطيين. إن البدايات النقيّة أصبحت بدايات خاطئة.
على أية حال، إن الانتشار الواسع لعملية إعادة الدمقرطة لتلك الدول عبر الحرب الباردة كشف عن عودة جزئية بصورة حازمة للحكومة الدستورية، وبالخصوص في أميركا اللاتينية.
إن هدف صنع الدستور هو لمنح الحكام الجدد أدوات للحكم بصورة فاعلة. يبقى، أننا هنا بحاجة للوصول بدون عزل أي جماعة ضالعة في تصميم ووضع الدستور، بما يشمل أولئك الذين يخشون أنهم مقدّر عليهم المعارضة. إن هذا يعتبر موازنة دقيقة، فالمقارنة بين الدستور الإيطالي لسنة 1948 مع التفاهم الفرنسي لعام 1958 توضح النقطة. فبينما بقي كل من الدستورين على قيد الحياة، فإن الدستور الايطالي أثبت بأنه أقل نجاحاً. إن العلامة الفارقة في الدستور الإيطالي هو (garantismo) أي بمعنى أن القوى السياسية كافة مكفولة بحصة في النظام السياسي. وعليه، فإن الوثيقة تؤسس لجمعية بمجلسين تشريعيين قويين وحكم ذاتي ممتد. إن هذه الضوابط على السلطة يقصد بها منع دكتاتورية ما قبل الحرب من التناوب. من الناحية العملية، فإن (garantismo) ساهم في الحكومة غير الفاعلة وفي النهاية في انهيار أول جمهورية بين 1992 و1994.
في المقابل، فإن دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة قصد تركيز السلطة أكثر من ضبطها.
وكان ذلك رد فعل على عدم استقرار السلطة التنفيذية التي تخللت الجمهورية الرابعة. في فرنسا، فإن أهداف الجمعية المكبوحة او المقيدة والسلطة التنفيذية القوية قد أنجزت بوضوح، بالرغم من أن الحل الخيالي للسلطة الهجينة والذي يخلط الحكومة الرئاسية والبرلمانية لا يزال يسبب مصاعب. ولكن الدستور الفرنسي استمر على قيد الحياة لأنه، وعلى العكس من إيطاليا، لم يشجع حكومة فاعلة.
النظر القضائي والمحاكم الدستورية
النظر القضائي هو حسب تعريف سميث (1989) هي (سلطة المحاكم العادية أو الخاصة التي تعطي تفسيراً رسمياً وموثقاً للدستور والملزم لكافة الأطراف المعنية).
وتغطي هذه السلطة ثلاثة أجزاء رئيسة: الحكم على قوانين محددة بأنها دستورية، حلحلة النزاع بين الدولة والمواطنين حول الحريات الأساسية، وحلحلة النزاعات بين المؤسسات المختلفة أو مستويات الحكومة.
ليست الدساتير فرضاً ذاتياً بقدر ما هي صنع الذات. ولابد أن توجد مؤسسة ما لتطبيق الدستور، لمواجهة من يقوم بتكسير القوانين والممارسات التي تشكّل هجوماً على مبادىء الدستور.
إن هذا يقيّم السلطة التي تقع في حوزة الجهاز القضائي. سواء كان للأسوأ أو الأحسن، فإن النظر القضائي يعطي القضاة غير المنتخبين موقعاً فريداً في وفوق السياسة ـ فبإمكان السلطة القضائية تجاوز القرارات والقوانين التي تصدرها الحكومات الديمقراطية. في الواقع، إن المحكمة العليا في الهند قادرة أيضاً على تجاوز التعديلات على الدستور نفسه. وأكثر من ذلك، فإن السلطة القضائية يتم تحديدها جزئياً بواسطة الدستور نفسه، حيث أن التفسير يتفاوت بدرجة لا مناص منها بحسب المزاج السائد في كل زمن.
وبحسب رئيس المحكمة العليا الأميركي Hughes الذي أشار مرة (نحن نعيش تحت دستور. ولكن الدستور هو ما يقوله القضاة). وفي الغالب، فإن القضاة لا يتفقون فيما بينهم على تفسير الدستور، وإن ربع الاحتجاجات القضائية فحسب والتي يتم التوصل إليها من قبل تسعة قضاة في المحكمة العليا الأميركية تشكل إجماعاً (انظر: Hodder William, 1996, p.20).
إن المحاكم الدستورية، التي تتمتع بموقع متميز، تعبّر عن مفهوم ليبرالي للسياسة، وتفرض تقييداً على سلطة ليس الحكام فحسب ولكن الانتخابات أيضاً التي تولّدها. إن النظر القضائي يؤدي إلى استقرار وتحديد الديمقراطية.
وتُعرّف المحاكم الدستورية على أنها تلك المحاكم الخاصة المنفصلة عن العملية القضائية العادية، والتي بإمكانها التعليق وإبداء الرأي في القضايا الدستورية دونما الحاجة إلى مناسبة متصلة بقضية محددة. وهذه المحاكم هي أقرب إلى السياسة منها إلى القضاء في الشكل بالقياس إلى محاكم الاستئناف، مثل المحكمة العليا الأميركية، والتي ترأس التراتبية القضائية النموذجية أو السائدة.
في الواقع، إن من المستبعد جداً أن تكون السلطة القضائية مطلقة التأهيل، وسبب ذلك أن الدساتير نفسها تضع قيوداً على القضاة من جهة كونهم قادرين على القول ما يشاؤون عن تلك الدساتير. فرؤوساء المحاكم العليا هم فقط (سادة غير أحرار للمستند الذي تتحد قيمته في دفاعهم عنه) (Rousseau, 1994, p.261). الأكثر أهمية، إن تأثير الاحتجاجات القضائية للمحاكم تعتمد على مقامها بين أولئك الذين يضطلعون بتطبيق قراراتها. وبعد ذلك كله، فإن السلطة الوحيدة لدى المحكمة هي في أقوالها، أي الصرّة والسيف الموجودان في مكان آخر. وعليه، فإن المحاكم يجب أن تأخذ في نظر الاعتبار المناخ الواسع للرأي داخل الفضاء الذي يعملون بداخله. وهكذا، وكما استنتج أوبرين O’Brien (1993, p.16) بشأن المحكمة العليا الأميركية:
إن نفوذ المحكمة على الحياة الأميركية كانت في لحظة ما غير ديمقراطية وأيضاً مناهضة للأغلبية.
ولكن هذه السلطة، والتي تنبع من إعطاء معنى للدستور، تقع بصدق، الأقوال البيضاء لرئيس المحكمة العليا (على موافقة فقط الشعب الحر).
إن النظر القضائي قد يحدد حكم الأغلبية، ولكن يتم فعل ذلك بواسطة تطبيق الديمقراطية الليبرالية. وكما لاحظ سميث (1989) فإن وظيفة النظر القضائي قد تخوّل به المحاكم العادية أو الخاصة. إن أستراليا وكندا والهند والولايات المتحدة هي أمثلة على المقاربة السابقة، فيما تزاول أعلى محكمة دور محكمة الاستئناف لمجمل النظام القضائي. في الولايات المتحدة، فإن الدستور يضع السلطة القضائية في محكمة كبرى واحدة، وفي محاكم أدنى كما يقضي بذلك الكونجرس من وقت لآخر. إن القضايا الدستورية يمكن أن تثار وتطرح في أي جزء من النظام القضائي العادي، فيما يتم اختيار المحكمة الكبرى للحكم على تلك القضايا التي اختارتها والتي لها أهمية واسعة.
إن القارة الأوروبية (الشرقية والغربية) تفضل محاكم دستورية خاصة، منفصلة عن النظام القضائي العادي.
وهذه المحاكم هي حديثة، ولكن تبدو أنها اختراع ناجح. في أوروبا الغربية، تم تبني هذه المحاكم بعد عام 1945، كما، على سبيل المثال، في ألمانيا الغربية، والنمسا، واليونان، وأسبانيا، وفرنسا. وإلى حد ما، فإن هذه المحاكم قد أصبحت (القاعة الثالثة) للسياسة. ويفيد (Shapiro and Stone, 1994, p.405) بأنه (في حال سيطرة السلطة التنفيذية على العملية التشريعية، فإن تأثير المحاكم الدستورية قد يوارى في بعض الأحيان البرلمانات).
ومع انهيار الشيوعية، فإن المحاكم الدستورية قد انتشرت الآن إلى معظم الأنظمة مابعد الشيوعية، على سبيل المثال، روسيا، وهنغاريا وبولندا.
إنهم يمثلون قصة ناجحة في التاريخ المختلط للدساتير مابعد الشيوعية. إن المحكمة الهنغارية، على سبيل المثال، قدّمت إحتجاجات مهمة حول موضوعات مثل عقوبة الإعدام، والإجهاض، والملكية الخاصة.
وفي ألمانيا، تمارس المحكمة الكبرى الفيدرالية الفاعلة نفوذاً واضحاً، وحيث أن السلطة السياسية لا تزال تحت غمامة بعد 1945، فإن قرارات المحكمة تجاوزت إلى موضوعات أخرى مثل الإجهاض، والإصلاح الجامعي وتمويل الأحزاب السياسية. وفي الفترة مابين 1951 و1990، فإن المحكمة قضت بأن 198 قانوناً فيدرالياً (أي حوالي 5 بالمئة من الإجمالي) ناقضت القانون الأساسي (Keating, 1993, p.276).
في صياغة مذكرات جديدة، فإن صانعي السياسة في ألمانيا يتوقعون رد الفعل المحتمل للمحكمة، ويجادل كومرز(1994) Kommers بأن تأثير المحكمة الألمانية هي متساوية بالكامل مع نفوذ المحكمة العليا الأميركية. فالولايات المتحدة وألمانيا هما ثقافتان قانونيتان ولكن لدى المحكمة الفيدرالية الأميركية ميزة العمل داخل مجتمع يقبل بدرجة أكبر بالتنظيم القانوني.
في فرنسا، أصبحت المحكمة الدستورية (Conseil Constitutionel) قوة مهمة أيضاً، فقد كان الهدف منها في الأصل هو مساعدة السلطة التنفيذية في السيطرة على السلطة التشريعية، وقد تسلّمت الآن سلطة تقييد الجهاز التنفيذي. لقد شدّدت على حق إبطال صلاحية التشريع غير الدستوري، وقد فعلت ذلك في حوالي نصف المذكرات القانونية السبعين التي تم تمرير المداولات القضائية بشأنها بين 1981 و1986 (Kesselman, Krieger and Allen, 1987, p.184).
ولكنها المحكمة الكبرى الأميركية التي تقدّم مثالاً أصلياً على النظر القضائي. ومن السخرية، فإن الدستور نفسه لا يحدد دور المحكمة في الفصل في الخلافات الدستورية.
وبخلاف ذلك، فإن هذه الوظيفة قد تم اكتسابها تدريجياً بواسطة رؤوساء المحاكم العليا أنفسهم، والتي يؤكد Marbury v. Madison (1803) بأنها كانت حاسمة. وبرغم أن نشاطاتها اخذت شكلاً قانونياً، فإن وظيفة المحكمة العليا كانت سياسية بصورة واسعة، وبالمعنى الحقيقي إنها تتربع على النظام الدستوري. فهي مسؤولة عن حماية الحقوق الدستورية للأفراد، كما أنها تنظر في دستور تشريعات الكونجرس وعمل السلطة التنفيذية. إن أحكامها القضائية قد تكون أبعد من ذلك، فعلى سبيل المثال فإن الحكم الفردي في 1982 (Immigration and Naturalization Service v. Chadha)، أبطل أقساماً لا تقل عن 49 تشريعاً. إن المحكمة قد فرضت أيضاً ضوابط مهمة على الرئاسة، وفي سنة 1974، على سبيل المثال، حكمت المحكمة بأن على الرئيس نيكسون تسليم تسجيلات شريط المناقشات السرية حول قضية واترجيت، وقد ختم هذا القرار مصير الرئيس بصورة مؤثرة.
وكما هو الحال بالنسبة لمعظم الهياكل القضائية، فإن المحكمة العليا تفضّل مبدأ الوقوف بجانب القرارات، (أي الالتزام بالسوابق).
وفي بعض الأحيان، رغم ذلك، فإن المحكمة تنقلب بوقاحة على سوابقها القانونية. إن التنافر أو التناقض قد أثبت بأنه مصدر قوة، تمكّن المحكمة من تكييف الدستور مع متغيرات المزاج الوطني. على سبيل المثال، فإنه بعد صراع الساقة ضد الصفقة الجديدة، فإن المحكمة تنازلت عن حق الحكومة الوطنية في تنظيم الاقتصاد.
وفي بعض الأوقات، غيّرت المحكمة وبصورة متعمدة رأيها وسعت لقيادة الامة. إن أهم هذه المبادرات، كانت تحت قيادة رئيس المحكمة العليا Warren في الخمسينيات والستينيات، المتعلقة بالحقوق المدنية للسود. وفي قرارها الرئيسي والاجماعي (في Brown v. Topeka 1954)، فإن المحكمة حظرت التمييز العرقي في المدارس، وقد عكست المحكمة بصورة دراماتيكية سياستها السابقة بأن تكون تسهيلات (منفصلة ولكن متساوية) للسود تندرج في الدستور.
وبالرغم من الالتزام بالسوابق، فإن المحكمة قد بدت في بعض الأوقات متعاطفة مع نقد Viscount Snowden للسوابق:
(كل التقدم الإنساني قد تم عن طريق تجاهل السوابق، واذا ما استمر الانسان في كونه عبداً للسوابق، فيجب علينا العيش في الكهوف والعيش على المحار والحبوب البرية).
إن المحكمة الكبرى في الثمانينيات والتسعينيات هي أكثر محافظة ولكن لاتزال قادرة على تأكيد ذاتها.
الفعالية القضائية
وترد الفعالية القضائية إلى إرادة القضاء للمغامرة خارج القرارات القانونية من أجل التأثير على السياسة العامة. إنها على الضد من القيد القضائي. وهذه الفلسفة المحافظة تقضي بأن القضاة يجب عليهم ببساطة تطبيق القانون (بما يشمل الدستور)، بصرف النظر عن دلالات السياسة وقيم القضاة أنفسهم. إن المصطلحين تطورا بالارتباط مع المحكمة الكبرى الأميركية ولكن لديهما تطبيقاً واسعاً في حقبة السياسة القضائية.
مع التحرك العالمي الواسع نحو حكومة أكثر ديمقراطية ودستورية، فإن القضاة يكسبون نطاقاً سياسياً أكبر. في باكستان، فإن البلاد تحكم من قبل العسكر لأكثر من نصف تاريخها تقريباً، وأن المحكمة الكبرى اتهمت رئيس الوزراء بالعصيان في 1997، معجّلاً بأزمة سياسية. ولكن التوكيد القضائي يرى غالباً في الديمقراطيات الراسخة. على سبيل المثال، فإن المحكمة العليا الاسترالية تحت السير أنتوني ماسون Sir Anthony Mason (رئيس المحكمة العليا في الفترة ما بين 1987 ـ 1995) كشفت بوقاحة عن (الحقوق الضمنية) في الدستور والتي ظلت غير مكتشفة عن طريق السلف المترددين الجبناء.
لقد أصدرت المحكمة الكبرى الهولندية قانون حالة مهمة في قضايا بدا أن البرلمان غير قادر على التشريع بشأنها، مثل الإجهاض، والإضربات، القتل الرحيم أو القتل بدافع الشفقة للمرضى الذين لا يرجى شفاؤهم (euthanasia).
لقد وضعت المحكمة الكبرى في إسرائيل في الاعتبار المناشدات من قبل الفلسطينيين بأنه في بعض الحالات فإن الجيش الإسرائيلي قد تجاوز صلاحيته في المناطق المحتلة.
وفي العالم الغربي، فإن التدخل القضائي في السياسة العامة قد تنامت، مسجلاً تحوّلاً من الحكومة إلى إطار الحكم بصورة عامة (Tate and Vallinder, 1995).
ماالذي يفسّر خضوع السياسة للتشريع القضائي؟ إن العامل المركزي يبدو كونه النطاق المتناقص للمؤسسات السياسية والأيديولوجيات الأخرى، بما يدع فضاءً يشاء النظام القضائي الدخول إليه والزعم بأنه منه. وعليه، فإنها الطبيعة المتغيرة للسياسة، وليست التطورات الحاصلة داخل النظام القضائي نفسه، هي المفتاح الرئيسي. على سبيل المثال، فإن ثقة الشعب الإسرائيلي في الأحزاب السياسية قد ارتكست مع ان الثقة في النظام القضائي تبقى عالية (Edelman, 1995, p.408). إن فساد أيديولوجية الجناح اليساري، قد سمحت أيضاً لنطاق قضائي أكبر. إن الاشتراكيين كانوا دائماً مرتابين في القضاة، معتقدين بأنهم مدافعون أقوياء عن الوضع القائم (status quo)، وأنهم يفتقرون للمشروعية الديمقراطية. وعليه، في السويد، على سبيل المثال، فإن ارتكاس قوة الديمقراطية الاجتماعية قد أعطى مساحة اكبر إلى القضاء المقيّد تقليدياً (انظر: Holmstrom, 1995). في بريطانيا، إن تحييد الامتياز الملكي، والذي سمح للدولة للزعم بأنها فوق القانون، وأنها أعطت كذلك فرصاً أكثر للقضاة. وفي العالم الديمقراطي، فإن جماعات المصالح، والأحزاب والمواطنين الواعين حقوقياً قد أصبحوا أكثر نزوعاً إلى مواصلة صراعهم في الحقل القضائي. وأخيراً، فإن المعاهدات الدولية أعطت القضاة رافعة إضافية بإمكانهم استعمالها لكسر القيد القضائي. إن وثائق مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لهيئة الأمم المتحدة (1948)، والمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان (1950)، قد أعطت القضاة تأسيساًً شبه قضائي والذي يبنون عليه ما تم النظر إليه في السابق على أنها تصريحات سياسية إلى حد بعيد.
بطبيعة الحال، فإن الفعالية القضائية قد سارت بصورة أبعد في بعض الديمقراطيات أكثر من غيرها.
وفي المراتب العالية المقارنة للفعالية القضائية، فإن الولايات المتحدة تأتي دائماً في القمة، ثم تليها كندا واستراليا و ألمانيا وإيطاليا وإسرائيل واليابان وفرنسا والمملكة المتحدة ثم السويد. وتبدي الولايات المتحدة كل المميزات التي تدعم الفعالية القضائية. وتشمل هذه: الدستور المكتوب، الفيدرالية، الاستقلال القضائي، لا محاكم إدارية منفصلة، الوصول السهل إلى المحاكم، تقليد قانوني عام، تقدير عالي للقضاة وحكومة محددة (Holland, 1991, p.7). إن الولايات المتحدة هي عقد وجيش من المحامين سيظل دائماً منشغلاً بلا طائل بالمصطلحات.
إن قلة من هذه الشروط متوفرة في بريطانيا، البلد الوحيد من بين الدول الديمقراطية القليلة التي تعمل بدون نظر قضائي. فهناك، تتماسك السيادة البرلمانية، وأن على القضاة العثور على وسيلة أخرى لإخضاع السياسيين. على أية حال، فحتى في بريطانيا فإن الفعالية القضائية تزداد، بما يعكس إلى حد كبير التأثير الأوروبي، وأن القضاة البريطانيين أثبتوا بأنهم على استعداد للاشتراك في المحكمة الأوروبية حيث أنها سعت إلى تأسيس نظام قضائي يصلح للعمل في كافة الدول الأعضاء. بالإضافة إلى ذلك، فإن النظام القضائي الوطني قد نما بثقة حيث أنه شهد خسارة الحكومة لقضايا في المحكمة الأوروبية (Woodhurst, 1996 p.439).
إن ظهور الجيل الشاب من القضاة، وبعض النزاعات العامة بين السلطة القضائية والوزراء المحافظين حول سياسة الحكم القضائي، قد شجّع أيضاً القضاة كي يصبحوا أقل تبعية أو ثانوية.
في الديمقراطيات الأخرى والتي لديها تقليد القيد القضائي قد بدأت أيضاً بالتحرك في اتجاه فاعل. خذ إليك كندا، ونيوزلندا، ففي كندا تم إلحاق ميثاق الحقوق والحريات بالدستور في عام 1982، الأمر الذي منح القضاة دوراً أكثر بروزاً في الدفاع عن الحقوق الفردية. وفي السنوات العشر التي تلت إعلان الميثاق، فإن المحكمة الكبرى ألغت 41 تشريعاً، مبدية مصلحة خاصة في حماية حقوق المتهمين في ارتكاب جرائم (Morton, 1995, p.58).
لقد وضعت نيوزلندا لائحة الحقوق في عام 1990، بما يكفل حماية (حياة وأمن الفرد)، وأيضاً تؤسس لحقوق ديمقراطية تقليدية ومدنية (على سبيل المثال، حق التصويت وحرية الاعتقاد والاجتماع والحركة). على أية حال، فإن القضاة في نيوزلندا غير قادرين على كبح التشريع الذي ينتهك لائحة الحقوق. ومن أجل حماية السيادة المبجّلة للبرلمان، فإن عضو البرلمان يتلقى بصورة مجرّدة نصيحة من المدعي العام حول ما إذا كانت مقترحات تشريعية متوافقة مع الحقوق الأساسية (Mulgan, 1997, p.178).
تتبنى بريطانيا دار منتصف الطريق المماثلة لإدخال المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان في القانون البريطاني.
إن مقاربة نيوزلندا تكشف بأن الفعالية القضائية يمكن أن يتم استيعابها حتى في البلدان ذات التقاليد الفاعلة للسيادة البرلمانية.
|