|
فشل الدولة في الإيفاء _ منذ أواسط الثمانينيات _ بما وعدت _ بوصفها دولة الرفاه المتكفّلة بحسب تكوينها ووظيفتها _ أن تدفع ثمن شموليتها مالاً ووظائف ورفاهاً وخدمات، أدى من الناحية العملية إلى انفصام الرابطة السببية بين السلطة والمجتمع؛ تأسيساً على أن الرابطة تلك نشأت من أجل تحقيق منفعة متبادلة يمكن تكثيفها في معادلة الولاء مقابل الرفاه.
الدولة التي وعدت رعاياها بالعيش في فردوس الأرض، تحوّلت إلى جحيم بالنسبة لكثير من الرحّالة المحليين الباحثين عن وظيفة محتشمة، ومقعد في الجامعة، وسرير في مستشفى، قبل التفكير في مأوى، وسيارة، ورصيد في البنك، باعتبارها من مزايا دولة الرفاه غير القابلة للعودة للحياة مرة أخرى.
هذا الجحيم هو ما يغذي مشاعر التضحية بالذات، من أجل وضع حد لرحلة البحث المضنية عن مخرج آمن من بؤس العيش المفقد للكرامة.
فالانجراف المتواصل نحو عالم مليء بكل أمتعة الدنيا ومتعها يحدث تدميراً للذات غير قابل للتعويض حين تعجز الذات عن الارتقاء إلى مستوى الحصول على جزء من تلك الأمتعة؛ حيث تنهض خيارات الحسم المتطرفة، فإما الارتهان إلى ذلك العالم والتسليم به والقبول بكل إملاءاته، أو تفجيره، حسم الخيارات من أجل تحسين الظروف الخاصة بالأفراد والجماعات جاء دائماً متطرفاً في السنوات الأخيرة بسبب عجز الدولة وإهمالها المقر ف.
فحين أهملت عصبة العائلة المالكة النداءات الراشدة من أجل تأمين طريق آمن للخروج من أزمة الدولة المتشابكة بتبني النهج الإصلاحي، قدّمت مبرراً إضافياً لجماعات العنف كيما تنفرد بالحل على طريقتها في التعامل مع مشكلات الداخل، _تماماً_ كما أن البلاهة السياسية في مارس 1992 قدّمت للعائلة المالكة مكافأة مدوّية في الرياض (1995) والخبر (1996)، وكأن تفجيرات الرياض في مايو 2003 تسخر من بلاهة الموقف الرسمي من نداءات العقل المنطلقة قبل أشهر، والمجمعة على أن صلاح الوطن بإصلاحه، كما أخبرت عن ذلك حكمة الموقعين على وثيقة الرؤية، والتي كان بإمكان العائلة المالكة أن تنظر إليها دون خشية كرسالة إخلاص لن تتكرر في سياق تاريخي تسير فيه الدولة إلى مصير معلوم.
استحواذ لغة الذعر على لسان الجهاز الأمني، والعودة المملّة للهجة التو عيد القاسية كأسلوب في التعامل مع الظواهر العنفية لا يعدو كونه سوى عبثاً يستهدف التعامل مع الظواهر بطريقة ساذجة ومباشرة، تبقي المهتمين منشغلين بسطح المشكلة، وتنسيهم الحاجة لسبر الأعماق.
وهذا ينبىء عن إصرار لدى آل سعود بأن الظاهرة العنفية طارئة، وليست متصلة بأوضاع وظروف محلية خالصة بل هي استجابة ثقافية وتحريضية لفعل خارج الحدود.
تزايد الطلب على العمليات الانتحارية، وانتشار مخصبّات الظاهرة العنفية في المملكة يتحول فيها الدين إلى مصدر احتماء وذريعة ووعد، احتماء من غدر الدنيا ممثلة في الدولة، وذريعة من أجل أحقان الشعور الديني بأمل انبعاث دولة تطبيق الشريعة، ووعد حيث يكون الدين أيديولوجية تحرر في الدنيا، ووعد حيث يكون الدين معبراً لدخول الجنة مع خروج الروح من الجسد في عملية انتحارية ـ استشهادية_ ضد أعداء الله والعقيدة.
واضح هنا أن الدين والنص الديني يتم تأويله تحت وطأة إكراهات نوعية سياسية واجتماعية وأيديولوجية يمكن التنبوء بما ستسفر عنه قراءة من هذا القبيل من نشوء صيغ أيديولوجية وتنظيمية.
حينئذ ليس هناك ما يدعو للغرابة حين تخرج الجماعة المتأوّلة هذه بمواقف راديكالية تنبذ التسامح والانفتاح والتنوع.
هذه الجماعة حين تقرأ في سياق احتكار السلطة من فئة وفقر مادي وربما معنوي يصبح العنف أحد الروافد النشطة للفعل الدفاعي الكتلي ويصبح الدين القوة التبريرية الدافعة إلى تحفيز الفعل ذاك.
|