إعادة إنتاج التحالف المزدوج
 مأزقٌ يستحكمُ، ونظامٌ يتآكلُ

 

إعادة إنتاج التحالف المزدوج

 

يبدو أن تكرار فرضية القسمة في مواقف الأمراء الكبار والممثلة إعلامياً في ولي العهد عبد الله ووزير الداخلية نايف، قد فقد الأدلة المساندة له.
 إذ بات ممكناً رؤية منهج توفيقي لدى الطبقة الحاكمة، يقوم على أساس الجمع بين ما يعتقد أنها متناقضات، كالتحالف بين آل سعود والتيار الديني التقليدي من جهة ، وآل سعود والولايات المتحدة من جهة ثانية، فهذا التحالف المزدوج حين يجري اختباره في ميدان السياسة يصبح أمراً مألوفاً.. فقد كان هذا التحالف بصيغته المزدوجة قديماً وكان حتى الوقت القريب يمثل إحدى دعائم الاستقرار السياسي في الدولة..
 فالمصاهرة محكمة الروابط داخل هذا التحالف اكتسبت مشروعيتها وقوتها في مرحلة الحرب الباردة على أساس مواجهة المعسكر الشيوعي كخصم مشترك لكل من الرأسمالية الغربية و الأميركية بوجه التحديد و الإسلام في شكله المحافظ، يضاف إلى ذلك حدة الاستقطاب الإقليمي و الصراعات الخفية والمعلنة في الشرق الأوسط. إن مبررات التحالف اكتسبت زخمها السياسي وغطاءها الشرعي ، في ظل أوضاع دولية شديدة التعقيد، هذا أولاً، وضمور الوعي الديني، أو التماس المتعاقدين العذر حيال بعضهم ثانياً، فقد سكت الطرف الديني التقليدي عن آثام الرأسمالية الأميركية؛ كون المصالح المشتركة تتطلب تأجيل المواجهة بينهما، فهما يواجهان الإلحاد العالمي، وقَبِل الطرف الأميركي الظهور بوجه مزدوج مع الليبرالية والمحافظة المتشددة في آن..
 وكان ذلك مسكوتاً عنه، بل ومبرراً في أجواء داخلية شديدة العداء للشيوعية، وجاء الغزو السوفيتي لأفغانستان ليمد التحالف الأميركي ـ الديني التقليدي في المملكة_ بمزيد من مبررات البقاء والتعزيز.
 لم يكن هناك من يتوسل بالحديث عن ميول أيديولوجية، فقد كانت السياسة تغلّف حقائق دامغة، ولم يعد بإمكان غير السياسة حلها. لا ريب أن ثمة عوامل عديدة ساهمت لاحقاً في إزالة مبررات التحالف الأميركي ـ الديني التقليدي في المملكة_ فالظروف الدولية والإقليمية لم تعد تتطلب بقاء هذا التحالف، فقد انهارت الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، ونجح مشروع الجهاد الأفغاني بقيادة الولايات المتحدة ، وبرزت الأخيرة كشرطي دولي، والقطب الأقوى في العالم، إلى جانب التبدّلات الدراماتيكية التي جرت بعد الحادي عشر من سبتمبر، وسلسلة المتغيرات المتعاقبة بدءاً من احتلال أفغانستان والعراق، وتغيير خارطة الشرق الأوسط، وخسارة المملكة موقعها المتميّز والاستراتيجي إقليمياً ودولياً، واندراجها في قائمة الحلفاء المشكوكين.
 ولكن الحكومة التي عجزت بعد الحادي عشر من سبتمبر عن بناء تحالفات بديلة محلية ودولية تجد نفسها أمام خيارات محدودة، فالأطراف المرشحة للتحالفات البديلة لها شروطها التي تتطلب صياغة جديدة لميزان القوى ومعادلات السلطة.. وفيما يبدو فإن ثمة مؤشرات قوية على عودة العائلة المالكة إلى خياراتها التقليدية ، ولكن على أساس تواضعات جديدة.
قبل اعتقال دعاة الإصلاح كانت ثمة رهانات متعددة لم يَجرِ حسم أيٍ منها وتدور حول إمكانية بناء تحالف قوي بين الحكومة وقوة، أو قوىً، اجتماعية متوافقة، ولربما رشحت بعض الآمال عن تحالف وطني يجمع الحكومة وطيف القوى السياسية والاجتماعية المجتمعة على أجندة إصلاحية محددة. إلا أن اعتقال الإصلاحيين بدا كما لو أنه العلامة الحاسمة في قائمة خيارات العائلة المالكة، فقد أصبح هناك ما يمكن وصفه بعودة غير حميدة للوراء، أي للتحالفات التقليدية باعتبارها مأمونة وفعّالة وناجحة حتى الآن.
 هناك ما يبّرر نزوع العائلة المالكة إلى إعادة ترميم علاقتها التاريخية مع حليفها التقليدي، الذي تعرض لتمزّقات عديدة، فهذا الحليف يظل بحاجة إلى معالجات راديكالية من أجل إعادة تركيبه بما يمنحه قدرة على توفير ما كان يضمنه في السابق للنظام السياسي.
 إن التيار التقليدي، من الناحية التاريخية، هو أقدر على توفير وصفة الشرعية، كما أن خطابه الأيديولوجي يتناغم وطبيعة السلطة باعتبارها حائزة على القوامة والهيمنة، فمن جهة يمثل التيار التقليدي بما يضم بداخله من علماء ورموز دينيين، وهكذا شبكة من الدعاة الشعبيين، الحاضن الطبيعي للمجتمع الديني السلفي، وبالتالي فهو المأوى الرمزي والتاريخي للسلطة السياسية.
 ومن جهة ثانية، إن استعمال عنصر المصلحة من قبل التيار التقليدي بكثافة شديدة لتبرير أخطاء ومفاسد السلطة يمثل أحد الضمانات الدينية للدولة.. وهنا تغدو المصلحة مساحة مشتركة بين التيار التقليدي والحكومة، وفي الوقت نفسه المبرّر المشترك لدى الطرفين للتعاون من أجل توفير كافة مصادر الاستقرار والاستمرار للدولة. لقد أثمرت جهود التعاون بين وزير الداخلية والرموز الدينيين خلال الفترة الماضية في احتواء التأثيرات الواسعة لعمليات التيار الديني المتشدد، وقد بدا التنسيق بين الطرفين يحقق تقدّماً مدهشاً بما ينبىء عن رغبة مؤكدة لدى كل منهما من أجل التوصل إلى صيغة تحالف جديدة.
بالنسبة للتيار الديني المتشدد غير المسلّح ؛ فإن ثمة ما يجعله أكثر تأهيلاً للعب دور مركزي في عملية الاستقرار الداخلي ، أو بعبارة أدق استقرار السلطة. فهذا التيار يكتسب شعبية وسط شريحة اجتماعية كبيرة، وهو أقدر على إعادة إنتاج خطاب ديني للدولة في صيغة متطورة، وهذا التيار، فيما لو جرى إقناعه بالتخلي عن بعض الأفكار المتشددة ،وخصوصاً المعادية للمسيحيين واليهود فإنه سيصبح وجهاً مقبولاً لدى الخارج، وخصوصاً الغرب. على أن ثمة مشكلة تواجه الحكومة في التعامل مع هذا التيار المتشدد غير العنفي، في كونه شهد خلال السنوات الأخيرة تباينات فكرية وأيضاً تكتيكية بما يشدد على الحاجة إلى إجراء عدة عمليات تجميل لهذا التيار، وهكذا وضع خطة دقيقة لتوزيع الأدوار بين رموز التيار في مسرح عمليات الحكومة سواء في الداخل أو الخارج.
 بالنسبة لتحالف آل سعود مع أمريكا، فمن المعروف أن العائلة مازالت تمثل أحد أهم الشركاء في العالم، ليس على أساس اقتصادي فحسب ، بل واستراتيجي أيضاً، بالرغم من كون العلاقة تمر بأزمة في الوقت الحالي، وبالرغم من المرارة التي تغمر مشاعر كثيرين في الدوائر السياسية في واشنطن منذ الحادي عشر من سبتمبر.
وحتى التشديد المتكرر على الفوارق الثقافية والسياسية والأمنية بين البلدين، وخصوصاً من قبل الساسة وصنّاع القرار في الولايات المتحدة كرد فعل على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن ثمة تواطأًً خفياً صلباً يقوم على الاعتقاد بأن المصالح الاستراتيجية بين البلدين يجب أن تكون بمنأىً عن تلك الفوارق.. فبالرغم من السجل السيء لحقوق الإنسان في المملكة، فإن الأميركيين يمثلون مصدر استقرار واستمرار حكم آل سعود ، لأن ذلك يجعل الأميركيين قادرين على قيادة سيارات تسير بكفاءة عالية بفعل استهلاك وقود بكلفة منخفضة.
 لقد جاءت الهجمات الإرهابية في المملكة لتخلق مبرراً جديداً لتعزيز التحالف بين واشنطن والرياض، بما يشبه (تحالف الضحايا) المزعومين للإرهاب، فبالرغم من الانتقادات الواسعة التي وجّهتها طبقة دُنيا من السياسيين في الولايات المتحدة، فإن ثمة تصريحات تشيد بجهود حكومة آل سعود في الحرب على الإرهاب، بل قد يصل الحال بمسؤولي الإدارة الأميركية إلى نفي الاتهامات التي تنشرها بعض الصحف الأميركية ضد العائلة المالكة والدفاع عنها، كما فعل ذلك وزير الخارجية في دفع التهمة الموجّهة لزوجة سفير آل سعود في واشنطن بتقديم هبات مالية إلى منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
 وبالرغم من التوترات المتقطعة في العلاقات بين آل سعود و أمريكا فإن ما تبرزه تقارير متلاحقة حول التعاون الاستراتيجي بين البلدين تؤكد على أن التحالف قد بلغ سن النضج بما ينفي بوادر قطيعة تامة تقوم على انفعالات أو ردود فعل استثنائية.
 وبالرغم من احتلال العراق، والانتقادات المتكررة حول تورط وهابيين في الأحداث هناك، فإن أهمية المملكة بالنسبة لواشنطن تظل باقية؛ وإن لم تكن بنفس المستوى السابق.
وهذه الأهمية نابعة من حقائق عديدة، كون المملكة أكبر مصدّر للنفط في العالم، وتزوّد الولايات المتحدة بنسبة 15 بالمئة من استهلاكها الداخلي، إلى جانب التعاون الثنائي بين البلدين في مجال المحافظة على مستوى ثابت لكميات النفط في السوق العالمية وكذلك الأسعار، أضف إلى ذلك التعاون العسكري بين البلدين.
فبعكس التقارير العديدة التي نُشرت طيلة السنة الماضية حول رفض الرياض استعمال القوات الأميركية لأراضيها في الحرب على العراق، فإن التقارير التي نُشرت مؤخراً تؤكد على أن تسهيلات عسكرية كبيرة منحتها عائلة آل سعود للقوات الأميركية قبل الحرب.
 فقد كشفت مصادر عديدة في الجانبين أن سلطات آل سعود ساعدت واشنطن في حرب العراق بصورة سريّة أكثر بكثير مما هو معلن؛ من بينها ثلاث قواعد في الشمال الشرقي من المملكة، والتي كانت تنطلق منها الطائرات الحربية الأميركية، وسمحت لقوات خاصة بشن هجمات من أراضي في شبه الجزيرة ،كما وفّّرت كميات كبيرة من النفط بأسعار متدنية كجزء من المجهود الحربي في عمليات قوات التحالف الأميركي ـ البريطاني في العراق. ونقلت مصادر أخرى أن انطلاقة الحملة الأميركية الجوية على العراق بدأت من داخل قواعد عسكرية في الجزيرة، التي أنشأ فيها قادة أميركيون مركز قيادة جوية ضمّ مقاتلات ف 16 وطائرات تجسس.. وكان الجانبان أبقيا جزءا كبيراً من هذا التعاون والمساعدة سرياً لأكثر من عام خشية من أن يؤدي كشفها إلى زعزعة الوضع داخل المملكة، ودرءاً لإثارة المشاعر الدينية والوطنية للجمهور العام في الداخل والعالمين العربي و الإسلامي. وبحسب وكالات الأنباء فإن العائلة المالكة سمحت بانطلاق عمليات عسكرية واسعة من داخل أراضيها خلال الحرب.
 ونقلت الاسوشيتد برس عن مسؤولين عسكريين في البلدين بأن قوات أميركية خاصة شنّت هجوماتها انطلاقاً من أراضي الجزيرة وخصوصا بعد ما رفضت تركيا السماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها، وكانت مقاتلات التحالف والمقالات الأميركية بما فيها طائرات التجسس والمهمات الاستطلاعية انطلقت من ثلاث قواعد جوية بما في ذلك قاعدة الأمير سلطان، وأشاروا إلى أن ما بين 250 و300 طائرة تابعة لسلاح الجو انطلقت من أراضي الجزيرة. وأكّد هؤلاء المسؤولون بأن سلطات آل سعود أجازت أيضاً انطلاق عمليات جوية وعسكرية من قاعدة تبوك الجوية ومطار عرعر قرب الحدود مع العراق، إضافة إلى مهمات بحث وإنقاذ. وقد وصف الجنرال ت . مايكل موزلي الذي، كان من أبرز مهندسي الحملة الجوية على العراق، آل سعود بأنهم (شركاء رائعون).
 في الواقع إن الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن ليست منحصرة في الجانب العسكري، فقد ظلت العلاقة بين البلدين على مستوى القيادة السياسية ذات طابع متميز، وإن التوترات الظاهرية في التحالف بين البلدين بسبب ظهور عنصر أسامة بن لادن لم يكن سوى إحدى إفرازات هذا التحالف ومنتجاته التي تَبيّن لاحقاً عدم إمكانية التعامل معها في مرحلة تتطلب شروطاً واستراتيجية تعاون مختلفة.
 لاشك أن مشاعر العداء للولايات المتحدة في الشارع المحلي في حالة تصاعد، تماماً كما هي في أغلب الشوارع العربية عموماً بسبب موقف الإدارة الأميركية من القضية الفلسطينية والتأييد المفتوح للكيان الإسرائيلي، وأيضاً بسبب الاحتلال الأميركي للعراق.. ولعل هذا ما يجعل آل سعود كحكومة تتبنى موقفاً موارباً من أجل درء سهام الرأي العام المحلي والعربي، وحتى لا تكتسب رؤية أسامة بن لادن حول النظام المزيد من المصداقية والتعاطف.
 وفي واقع الأمر، إن تحالف آل سعود وأمريكا سيبقى مرتكزاً على التفاهم التقليدي بأن توفّر الولايات المتحدة الحماية للعائلة المالكة في مقابل حفاظ الأخيرة على تدفق النفط باستمرار إلى أمريكا بسعر ثابت ومقبول.
 ولذلك فإن الحديث عن تبني الولايات المتحدة لفكرة دمقرطة المملكة يبقى محفوفاً بالشكوك ما لم تحقق الفكرة قدراً من الاطمئنان إلى أنها تأتي في سياق الهدف المرسوم، والذي يحققه التحالف الاستراتيجي بين البلدين.

 

مازن العلي-واشنطن

 

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004