مأزقٌ يستحكمُ، ونظامٌ يتآكلُ

 

المجتمع الدولي" كما تعبّر عنه فرنسا والولايات المتحدة على سبيل الأمثلة بات اليوم يراكم السبب تلو السبب لمغازلة عائلة آل سعود هنالك الاعتبارات العتيقة شبه الأزلية التي تخصّ الثروة النفطية أولاً؛ ودور النظام"الإيجابي" داخل منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، بما يخدم مصالح الغرب؛ والودائع الخرافية في مختلف مصارف "المجتمع الدولي"، وشطره الأمريكي خصوصاً؛ وصفقات بيع الأسلحة بالمليارات، على نحو يجعل عقد "اليمامة" الأسطوري الشهير أثراً دارساً؛ وانخراط النظام بنشاط وحماس أكثر ممّا هو مطلوب منها في اجتثاث المال الخيري الإسلامي من جذوره، سواء أكانت الجمعيات الأهلية تلك تموّل المسلمين من أهل التطرّف والإرهاب أم تسدّ رمق أهل الجوع والبؤس منهم؛ فضلاً بالطبع عن الأدوار السياسية الإقليمية التي توجّب أن تعود المملكة إلى لعبها بطلب أمريكي: مبادرات السلام، ترتيب تأهيل العراق المحتلّ عربياً، التناوب مع الرئيس المصري حسني مبارك في دفع الرئيس السوري بشار الأسد إلى تقديم أيّ وكلّ تنازل تطلبه واشنطن... ثمة إلى هذه كلها اعتبار جديد سوريا لي بعض الشيء، يخصّ "إدارة" وليّ العهد عبد الله بن عبد العزيز، إذا جاز التعبير هكذا: امتداح الإصلاحات السياسية التي تنخرط فيها المملكة، طبقاً للنهج "الإصلاحي" الذي ينخرط فيه الأمير! خذوا ما قاله الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن هذه "الإصلاحات" خلال زيارة ولي العهد إلى باريس أواسط الشهر الماضي: "ضمن الزخم الذي خلقتموه [مخاطباً الأمير، بالطبع]، باشرت المملكة برنامجاً طموحاً في التحوّلات، أودّ هنا أن أوجّه له تحية خاصة.
 مختلف جلسات الحوار الوطني، والتطوّرات الأخيرة في المجلس الاستشاري، وإجراء الانتخابات البلدية الجزئية، كلّها مبادرات تستحقّ التحية وفي التمهيد للزيارة الأخيرة التي قام بها الأمير إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش في مزرعته الخاصة في كراوفورد، ولاية تكساس، لم تكن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أقلّ من الرئيس الفرنسي حماساً للإصلاحات المزعومة، وقالت في حوار مع صحيفة "وول ستريت جورنال" : "السعوديون يحاربون الإرهابيين ومموّليهم، ويحاولون دفع جهود السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني، ويتحركون لتوسيع حقوق التصويت وحقوق المرأة. هنالك صورة لا تفارق مخيلتي رأيتها خلال الانتخابات البلدية ، حين اصطحب رجل ابنته إلى مركز الانتخاب وجعلها هي التي تسقط ورقة الاقتراع في الصندوق.
 هذا يدلنا على ما يتوقع لحياتها أن تصبح إذا استمرت الإصلاحات الديمقراطية وبالطبع كان شيراك قد تجاهل أن جلسات الحوار الوطني تظلّ أشبه بحوارات الطرشان، خصوصاً مع استمرار اعتقال الإصلاحيين الثلاثة ،عبد الله الحامد ،ومتروك الفالح ،وعلي الدميني، وتعامى عن حقيقة أنّ التطورات الأخيرة في المجلس الاستشاري كانت تجميلية وشكلية في مجلس يظلّ استشارياً في نهاية الأمر، وتناسى أنّ المجالس البلدية بلا صلاحيات عملياً وبلا إرادة مستقلة ،لأنّ السلطات تعيّن نصفها، كذلك تجاهلت رايس أنّ الإجراء الإصلاحي الأبسط، فيما يخصّ المرأة على الأقلّ، هو أن تتمتع هذه الفتاة الصغيرة بالحقّ في القيام بنزهة في سيّارة تقودها والدتها... غير أنّ الخطاب الغربي الرسمي في امتداح المملكة يُخفي قلقاً شديداً من عجز آل سعود عن المصالحة بين مسألتين متفجرتين: مكافحة التيارات الإسلامية المتشددة ،والحدّ من عملياتها العسكرية المتزايدة من جهة، والحفاظ على استقرار النظام ،وتماسك علاقته بالمؤسسة الدينية الوهابية من جهة أخرى. والأرقام تقول : إنّ المملكة شهدت 22 عملية إرهابية بين تفجيرات وهجمات واختطاف، ضدّ مصالح حكومية وغربية، أسفرت عن مقتل 90 مواطناً ومقيماً أجنبياً، وجرح أكثر من 500، ومقتل 39 عنصر أمن، وجرح 213، ومقتل 92 من الإسلاميين وجرح 17، وإحباط 52 عملية، وإلحاق خسائر مادية تعادل مليار دولار صحيح أنّ أجهزة الأمن تمكنت من قتل سعود العتيبي الذي يُعتقد بأنه زعيم تنظيم القاعدة في المملكة)، والمغربي عبد الكريم المجاطي المشتبه في أنه العقل المدبر لتفجيرات مدريد وذلك خلال الاشتباكات التي جرت شمال غرب العاصمة الرياض، وقبلهما عبد العزيز المقرن الذي قُتل في حزيران الماضي وهو، حسب بيان وزارة الداخلية ، سلف العتيبي. غير أنّ هذه الحملة على الإرهاب، والتي يمتدحها شيراك وبوش ورايس، ما تزال تقتصر على المستوى الأمني والتقني المحض، وهي عاجزة تماماً عن تحقيق الأهداف المرجوة منها في المستويات السياسية والتربوية والدينية، كما أنّ نتائجها على المستوى الإعلامي الرسمي كارثية تماماً كذلك لم تعتمد الحملة أية خطة منهجية لكشف النقاب عن المصادر المالية والدينية والثقافية المسؤولة عن شيوع تيّارات التطرّف ،وتوغلها في أعماق المجتمع، بل حدث العكس أحياناً لأنّ إعادة تفسير المقولات الدينية حول الجهاد والحاكم والرعية ،بما يخدم إدانة الإرهاب، كان ينقلب على السلطة، فيمنح المتشددين مشروعية إضافية في الوعي الشعبي العام يُضاف إلى هذا كلّه أن الحملة لم تقترن بأية إصلاحات ملموسة، تخصّ الحريات العامة ،والتعددية الفكرية وحقّ التعبير، فبدا واضحاً أكثر أنّ ما يقوم به المتشددون من عمليات هو جهاد الحقّ ضدّ الباطل وجهاد المسلم ضدّ السلطان الجائر والفاسد. وهذا الوضع العالق يزداد سوءاً إذا تذكرنا أنه ليس جديداً على المملكة، وهو ليس ظاهرة منعزلة عما جرى ويجري في العراق والكويت وقطر. وليس من المتوقع أن ينحسر أو يتراجع، بل أن يزداد ويتفاقم فيبلغ مستوى مهاجمة المنشآت النفطية واغتيال الأمراء من أبناء العائلة المالكة وكبار مسؤولي الدولة والأساسي في الأمر كما يتوجب أن نتذكّر، أنّ مظاهر العنف بدأت حين انقلب السحر على الساحر وعاد إلى المملكة المقاتلون الذين كانت السلطات الحاكمة والدينية قد شجعهتهم على السفر إلى أفغانستان للجهاد ضدّ "الشيوعيين الكفار"، وموّلتهم، ومنحتهم كلّ التسهيلات اللازمة.
وبالطبع، أدركت السلطات سريعاً أن العائدين قنابل موقوتة فلجأت في التعامل معهم إلى سياستين متناقضتين: مطاردتهم ومراقبتهم والتضييق عليهم وزجّ بعضهم في السجون ، وتعريضهم للتعذيب من جهة أولى؛ ومن جهة ثانية تنشيط أقنية للتفاوض مع أسامة بن لادن المقيم آنذاك في السودان، ومع قيادات الطالبان الذين كانوا قد سيطروا على أفغانستان. والتحقيقات الأمريكية التي أعقبت 11/9 زعمت أنّ الملك فهد بعث الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السابق والسفير الحالي في لندن، إلى أفغانستان للتوسط مع زعيم الطالبان لإقناع بن لادن أن لا يتخذ من المملكة قاعدة له في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية. ومن المثير، والغامض تماماً حتى اليوم، أنّ حكومة آل سعود لم تنسب إلى بن لادن أية علاقة بعمليتَي التفجير الكبيرتين في 1995 و1996 ضدّ أهداف أمريكية، ويُقال أنّ هذا تمّ بناء على أوامر من الملك فهد نفسه، رغم أن بن لادن أوحى لمراسلين عرب وأجانب أنّ من قام بعملية "الخبر" هم من أتباعه ومريديه وممّا يسرّع في وتيرة التفاقم الراهنة أنّ شرعية النظام اهتزّت دينياً وسياسياً، وأخذ يزداد ضعفاً مبدأ الطاعة المبنيّة على النص الديني، بل لعلّ المبدأ ذاته تحوّل إلى شرعية مضادّة، جهادية وتدعو للخروج على النظام. وعلى الصعيد السياسي، لم يعد النظام قادراً على إقناع الجمهور، وأخذت تتلاشى تدريجياً صورة التلاحم الداخلي التي رسمها في أذهان المواطنين، بل إنّ علاقات النظام وسياساته الداخلية ومواقفه الخارجية منذ 11/9 باتت تتسبّب في العكس تماماً، أي انكشاف مقدار الزيف في تركيب عناصر تلك الصورة، وقبل هذا وذاك، انتهت دولة الرفاه أو تكاد، والأوضاع الإقتصادية تسير من سيء إلى اسوأ، وثمة مشكلات إقتصادية جدّية بالفعل تعيشها المملكة للمرّة الأولى منذ تأسيسها سنة 1932. ويكفي التذكير بأنّ الدخل الفردي انخفض من 26.600 دولار أمريكي في العام 1981 إلى 6.800 سنة 2001؛ وأنّ نسبة العاطلين عن العمل لا تقلّ عن 30%؛ والدَين العام بلغ حوالي 120% من الدخل القومي، وهو الرقم الذي يقترب من المعدّل القائم في دولة مثل لبنان؛ وأنّ 5% فقط من النساء يعملن في المملكة، و110 آلاف شابّ يدخلون سوق العمل سنوياً، و40 ألفاً فقط هم الذين يحصلون على وظيفة وبذلك فإن مطالبة المواطنين بالإصلاح السياسي ترفاً أو تقليداً للآخرين، بل رغبة فعلية في الدفاع عن مصالحهم المعيشية ومستقبل أبنائهم ولقد ساد مؤخراً اعتقاد مفاده أنّ القطاع الخاص هو «رافعة» التغيير الديمقراطي، واستحداث مؤسسات المجتمع المدني، ووضع حدّ لهيمنة السلطة والولاءات العشائرية على السياسة والسيرورة السياسية. والمفارقة أنّ المثال الغربي كان هو النموذج المرجعي في تحليل يهمل دور الدولة في ضخّ رؤوس الأموال إلى القطاع الخاص، ودور العائدات النفطية في تكوين الدائرة «الإنتاجية» الأكبر من حول القطاع الخاص، وطبيعة التقاسم الوظيفي المسالم بين الدولة والسوق. غير أنّ الميل العامّ السائد لدى الغالبية الساحقة من أصحاب الرساميل الضخمة هو الاستثمار الخارجي أوّلاً، والإبقاء على الفتات لتوظيفات آمنة في قطاعات استهلاكية وخدماتية محدودة وغير صناعية، تضمنها مؤسسات الدولة المنشغلة في التصنيع الوحيد ذي المعنى: النفط. والتجارة، وليس الاستثمار الصناعي كما يحلم المراهنون على دور «إصلاحيّ» للمال، ما يزال النشاط الأساسي في ثقافة مرشحة لمزيد من توطيد الولاء العشائري والمؤسسات المحدودة المنغلقة وللمرء دليل سوسيولوجي في النكات التي اعتاد أن يتداولها الشارع ، والتي تعكس ــ كما في كلّ مجتمع ــ آلام الاجتماع البشري مثل الآمال. نكتة أولى تقول: إذا لم تصبح غنياً في عهد الملك خالد فلن تصبح غنياً في أي عهد، وإذا لم تصبح فقيراً في عهد الملك فهد فلن تصبح فقيراً في أي يوم.
 نكتة ثانية، أشدّ ذكاء ربما لأنها تتحدث عن احتمالات إجراء انتخابات ديمقراطية في المملكة، تقول: إذا شمل حقّ الانتخاب جميع المواطنين فإن بندر (بن عبد العزيز) هو الذي سيفوز، وإذا كان أبناء العائلة المالكة هم وحدهم أصحاب الحقّ في التصويت فإن الأمير سلمان سيكون الفائز، والأمير نايف سيفوز بصوت واحد هو صوته شخصياً، وأما الأمير سلطان فسيحصل على ما يستطيع شراءه من أصوات وفي كلّ حال، المأزق الشامل الذي يعيشه هذا النظام لا يقتصر على المشكلات الآنفة الذكر، أو على رفض الإصلاح أو الاكتفاء بالإجراءات التجميلية، بل في أنه نظام هرم متآكل عاجز عن تجديد دمه وأطرافه

 

مسعد الأزرق

 

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004