صراع الحلفاء....

 

لولا الوهابية لما أصبح عبد العزيز ملكا للجزيرة العربية، ولولا محمد بن عبدالوهاب لما تكرست سلطة أبناء عبد العزيز وأصبحت الجزيرة العربية مُلكاً لهم يتوارثونها جيلاً بعد جيل.
 و دامت العلاقة الحميمة بين الطرفين لسنوات طويلة، فالدعم الوهابي لأبناء عبدالعزيز كان دائماً متوفراً على هيئة فتاوي من كبار علماء الوهابية، حتى أنه قيل بأن فتاوي المرحوم بن باز المفتي الوهابي كانت أكثرها في خدمة أبناء عبد العزيز، حتى إن ما كان حراما على بقية الحكام العرب أصبح حلالاً لسلطة آل سعود بفضل الشيخ بن باز.
 ولكن العلافة الحميمة بين الطرفين اصابها الفتور في السنوات الأخيرة خصوصاً مع حرب الخليج الثانية و الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها الجزيرة العربية.
 و رجوع بعض من شاركوا في تحرير أفغانستان. و المواجهة بين الطرفين بدأت وتلاحظ جليا في المساجد، حيث يتم توزيع منشورات و أشرطة كاسيت مناهضة و منددة بالنظام.
بالطبع لا تريد السلطة الاستغناء عن الوهابيين، فالدعم الشرعي لسلطتها أمر مهم و اساسي لبقاء الحكم.
 بل تعمل الحكومة على تأديبهم وإعادتهم إلى بيت الطاعة سواء عبر فتاوي شرعية أو بالمال والمناصب او بالحديد والنار كما فعلت مع بعض المشايخ.
 فأسرة آل سعود لم تستفد فقط من الوهابية في دعم سلطتها داخليا، بل استفادت منهم أيضاً في نشاطات خارج حدودها، وبالأخص في الدول المجاورة.
 ففي اليمن تم كشف جماعات وهابية على ارتباط مباشر مع مخابرات ال سعود، و لايخفى على الجميع عملية اغتيال رئيس الوزراء ، التي كان وراءها مخابرات ال سعود.
 كما أن السلطات في قطر اكتشفت أيضاً بأن مجموعة من كبار رجالات السلفية في قطر هم على اتصال بمخابرات آل سعود.
 المواجهة بين الطرفين بدأت مع نهاية حرب الخليج الثانية، وبالتحديد مع تدخل شيوخ الوهابية في سياسة المملكة وطلب إجراء تغييرات في سياسة البلاد.
 و تجاوز الخطوط الحمراء بدأ بخطاب الشيخ عبدالله التويجري، الذي استطاع أن يجمع فيه توقيع أكثر من 200 شخصية من شيوخ الوهابية وأساتذة الجامعات.
 تبعه بعد ذلك خطاب آخر عرف بوثيقة شوال، و آخر عرف بمذكرة النصيحة. و مما أزعج الحكومة هو توقيع كبار رجالات الوهابية على المذكرة و وثيقة شوال من بين هؤلاء مفتيهم الخاص المرحوم عبدالعزيز بن باز.
 و مما أغضب آل سعود هو انتشار المذكرة و بعض الأشرطة الصوتية بين الناس و وصولها الى محطات الإعلام الخارجية منها لندن و مجموعة جرائد عالمية حيث تناقلت الخبر.
 و تفاجأ شيوخ الوهابية من تعامل أبناء عبدالعزيز معهم، حيث كان قاسياً و فيه قلة أدب لمن لهم الفضل عليهم في تأسيس و تمكين حكمهم. كان رد آل سعود واضحاً وصريحاً للوهابيين "لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم وإلا..."، ففي نهاية محرم 1414 اجتمع مجموعة من شيوخ الوهابية مع بعض أساتذة الجامعات في إحدى صالات الديوان الملكي بأمل مقابلة الملك، الا انهم تفاجئوا بسوء تعامل الحكومة، حيث فتح الامير نايف باب الصالة، واطل عليهم بنصف وجهه قائلاً: إن الملك يأمركم بأن تعودوا من حيث أتيتم وان لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم وإلا... وحاول البعض الرد على نايف إلا أنه أغلق الباب و انصرف.
 و تدخلت وزارة الداخلية بأوامر من الملك فهد، فتم اعتقال مجموعة من شيوخ الوهابية وأساتذة الجامعات بتهمة التعامل مع جهات خارجية، ومنع من وقع على المذكرة أو الوثيقة من السفر.
 كل ذلك فاجأ الوهابيين، لأنهم اعتقدوا بأن لهم احتراماً ومكانة خاصة لدى أبناء عبدالعزيز.
 لم تكن العائلة مهتمة بنشاط الوهابيين، لأن ذلك لم يكن يمس أبناء عبدالعزيز رغم شكاوى عديدة وصلت عبر قنوات دبلوماسية من الجزائر ومصر و حتى الاتحاد السوفياتي و مؤخراً اليمن.
 و تواجه المؤسسة الوهابية مجموعة تحديات، أهمها تحديث الفكر الوهابي وتغيير بعض مفاهيمه، منها على سبيل المثال مفهوم "الشيوخ أبخص" وهذا يعني بأن ولي الأمر أعرف بالمصلحة، وان إطاعة ولي الأمر واجبة والخروج عليه يعد كفراً وخروجاً عن الاسلام.
 وهذه أكبر عقبة امام جماعات الاصلاح الوهابية، ويحاول الدكتور سعد راشد الفقيه تصحيح المفهوم قائلا:"أفتى علماء المسلمين أن الذي يمكن أعداء الإسلام من المسلمين أفراداً أو جماعات أو يسلمهم لهم فهو مرتد".
 و تجد جماعات الإصلاح الوهابية صعوبة في تغيير هذه المفاهيم لدى عامة الناس في الجزيرة العربية، خصوصاً وأن كبار شيوخ الوهابية مازلوا على أتم الاستعداد لدعم النظام بما يريد من فتاوى شرعية.
و يساعد على صعوبة تحديث الفكر الوهابي هو التعصب والجهل الذي أصبح سمة من سمات الوهابيين ، فالتعليم الوهابي يكون عادة في مدارس مغلقة يمنع فيها الطالب الاطلاع على كتب غير وهابية. و مما يساعد على تصعيد الخلاف هو موقف مجموعة من الأمراء الجدد والمعروفين بالأمراء المتنورين، فهم ضد الانغلاق الذي عاشته الجزيرة العربية لسنوات طويلة.
 والأزمة الاقتصادية أقنعتهم بأنه لا يمكن الاعتماد فقط على دخل البترول لتغطية مصروفات الدولة وأبناء عبد العزيز، ويتساءل هؤلاء لماذا لا يمكن للمملكة ان تكون دبي او البحرين.
 و يعلم الامراء المتنورين بأن الوهابيون حجر عثرة امام محاولات الانفتاح ولمسوا ذلك عندما تم اقامة حفلات غنائية في جدة.
 و يتفق خبراء الاقتصاد على ان إرتفاع أسعار النفط سوف لن يعيد المملكة الى وضعها السابق، فالمملكة مثقلة بديون خارجية وداخلية والاقتصاد يعاني من مشاكل تحتاج الى سنوات لحلها.
 و نجحت حكومة آل سعود في اولى خطواتها في مواجهة مخاطر الوهابيين في الداخل، وذلك عبر كسب كبار رجالات المؤسسة الوهابية بالمال والمناصب.
 و تعزز انتصار آل سعود بانسحاب الشيخ بن عثمين وصدور سيل من الفتاوي الوهابية تكفر جماعات الإصلاح.
 أما بخصوص الشعب فلايوجد إحصائيات تؤكد رغبته في إبقاء البلاد وهابية مغلقة، ولكن ممارسات المواطنين في خارج بلدهم تؤكد على ان الرغبة في الانفتاح أقوى، وكما يقول البعض.."إذا كان حساب آل سعود على الله رغم ما يفعلونه من مناكر، لماذا إذن لا يتركوننا و شأننا أيضاً".
و يتساءل المراقبون هل ستبقى مملكة التوحيد موحدة، ام اننا سنقرأ عن المزيد من الصدامات بين الوهابية و آل سعود ؟.

 

عادل العامل -بيروت

 

 

 

 

على الطريق
 الرئيسية |مدخل | أخبار | البرلمان النجدي |بلا أقنعة |أضواء على الأنباء

نجد 2004