بشر فوق الحساب.. الشرطة الدينية في جزيرة العرب

 

   انشغل المواطنون في بلادنا قبل هذه الأيام بمتابعة دعوى قضائية رفعتها سيدة ، لمقاضاة «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، بسبب ما ألحقه أحد رجال الهيئة من ضرر بالسيدة وابنتها.
 وتأتي أهمية هذه الدعوة، بكسرها حاجز الخوف والقداسة المحيط بالشرطة الدينية وأفرادها، ووضعهم على قدم المساواة مع باقي المواطنين، من دون منحهم امتيازات تجعلهم فوق القانون، وفوق المساءلة، وكأنهم ملائكة لا يعتريهم الباطل. إن الشجاعة التي تحلت بها السيدة افتقدها الكثير من الموطنين ممن انتقص رجال الحسبة حقوقهم، وتعرضوا لهم بالتطاول والإهانة.
وإن ما يبذله المحامي عبدالرحمن اللاحم من جهود كبيرة في الدفاع عن حقوق الإنسان، ومكافحة الممارسات الاستبدادية، من شأنه أن يشق طريقا عجز وجبن عنه طابور طويل من المحامين والمثقفين ودعاة النضال الزائف.
 السيدة تعرضت للأذى العام ,2004 وذلك عندما «خرجت مع ابنتها من منطقة مخصصة للنساء، ولكنها فوجئت بإيقافها وابنتها والقبض عليهما من دون سند قانوني وإنزال سائقهن من السيارة، حيث قام رجل الهيئة بقيادتها بتهور بدلا عنه ومنعهن من الاتصال بذويهن، وحاول التوجه إلى مركز الهيئة بسرعة جنونية حتى اصطدمت السيارة بعمود وتعطلت وتصاعدت منها أعمدة الدخان الأمر الذي أدى لتعرضها وابنتها لاختناق نتيجة إصراره على إغلاق النوافذ.
 وأضافت أن رجل الهيئة قام بعد الحادث بالترجل من السيارة وتركها وابنتها في وضع مزر من الخوف والهلع وتسببت الحادثة لها في مضاعفات صحية جسيمة اضطرتها إلى إجراء عملية جراحية في صمام القلب» السلوك غير المنضبط هذا، أدى إلى إدانة رجل الهيئة، بعد أن اعترف بفعلته، إلا أن ما منع من استكمال الدعوى في حينها، هو الرد الذي تلقته السيدة المتضررة، من أن «رجل الحسبة لا يحاسب»، ما دفعها للتوجه لديوان المظالم ورفع شكوى ضد جهاز الهيئة بأكمله، من دون الاقتصار على الفرد الذي قام بالاعتداء عليها. قصة كهذه تحكي عن فداحة الممارسات الخاطئة التي تتزايد يوما بعد آخر، والتي ترتكبها الشرطة الدينية من دون أن يردعها رادع، خصوصا أنها تجد نفسها تحتمي بستار الشرعية الحكومية من جهة، والشرعية الإلهية من جهة أخرى، كيف لا، ورجالها هم «رجال الله» الساهرين على تطبيق شرعه، والذود عن حياضه!.
 إطلاق يد رجال الحسبة، أتى بناء على فتاوى علماء كبار، أصبغوا بفتواهم نوعا من العصمة وإن لم يقولوا بها-، فالشيخ محمد بن إبراهيم، وهو أحد كبار العلماء ، يعتبر أن شهادة أهل الحسبة مقدمة على شهادة رجال الشرطة، وهم بذلك لا يحتاجون لبينة للتدليل على صدقهم، ومجرد إخبارهم يعد إثباتا بحد ذاته. حيث نقرأ في رسالة منه وجهها لوزير الداخلية، جاء فيها «وعليه نشعر سموكم أنه من المعلوم أن الشرطة ليست جهة دينية تقوم بما تقوم به غيرة وحسبة. كما أنه من المعلوم أن رجال هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجهة الدينية المختصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يقومون بما يقومون به من واجبهم غيرة لله من انتهاك حرماته أو تعطيل شيء من شرائعه.
 وقد ذكر الفقهاء أن دعوى الحسبة في حق الله تسمع، وأن شهادة المدعي فيه تقبل، لأنه لا يجر إلى نفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرراً، بخلاف رجال الشرطة فإنهم إنما يتولون بعض هذه الأشياء بصفة الجندية وحفظ الأمن، وقد يكون ذلك في انتظار المكافآت التي يتقاضونها في مقابل اكتشاف الجرائم، وهم بهذا قد يجرون بشهادتهم إلى أنفسهم حظاً مادياً، وحينئذ فهم كغيرهم من الشهود الذين لابد من تزكيتهم وسماع الطعن في شهادتهم، والله يحفظكم. والسلام» بن إبراهيم لم يقتصر على إضفاء الشرعية على كل ما يصدر من رجال الهيئة من قول، بل عززهم بأن أوكل إليهم تطبيق الحدود. فقد جاء في إحدى رسائله « فيجب على أرباب الحسبة إقامة العقوبات الشرعية المترتبة على تعاطي سائر المخدرات، كما يجب عليهم إقامة الحدود على تعاطي المسكرات، وعلى ولاة الأمور تحريضهم على ذلك ومساعدتهم فيما هنالك» وهو التطبيق الذي يفترض حصره لدى الدولة وحسب، وإلا شاع الهرج والمرج.
 ذهب بن إبراهيم إلى ربه، وبقيت فتاواه درعا يتمترس خلفها المحتسبون، يبررون بها ما يرتكبونه من أخطاء، وإلا كيف نفسر قيام ثلاثة من رجال الهيئة بالهجوم على شاب من الخلف، وضربه ضرباً مبرحاً، وتمزيق ملابسه، واقتياده إلى سيارة مدنية، وإجباره على ركوبها بالقوة وهو في حالة ضعف وهوان، من شدة ما تعرض له من الضرب أمام أعين الناس. حادثة رد عليها رئيس فرع الهيئة بخطاب يطلب فيه الاعتذار من المجني عليه عن «ما حصل من خطأ غير مقصود أثناء القبض في إحدى القضايا الأخلاقية..راجيا منكم قبول الاعتذار ونسيان الخطأ» خطأ أتى نتيجة لثقافة العنف وسوء الظن والتجسس على الناس وانتهاك خصوصيتهم، وكلها ممارسات يجد المحتسبون في مرجعيتهم الفقهية ما يبررها، بل، ما قد يوجبها!.
قصص كثيرة يمكن سردها، ومقال «نزهة في سوبربان الهيئة» للصديق الناقد المسرحي أثير السادة، والذي يروي فيه ما حدث معه في المدينة المنورة، يعد وثيقة تدين الهيئة وممارساتها التي لا تقف عند التعرض للحريات الشخصية، بل تتعداها لإثارة النعرات المذهبية وتكفير الآخرين.

 

 

 

 

 

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004