ماذا بعد الملك فهد
 الجزء الثالث

 

ويستمر هندرسون في سرده لتاريخ الصراع الدموي داخل أسرة آل سلول فيقول في نفس الفصل : إحدى موروثات هذا التاريخ تمثلت في انبثاق سلسلة متنوعة من الفروع المختلفة في العائلة، تقع على مسافات متباينة من خط الوراثة الرئيس، وبالتالي من السلطة.
 وكان أبرز نقاط قوة بيت سعود في هذا القرن هي قدرتهم على توحيد مختلف فروع العائلة حول الهدف العام لإدارة البلاد، وذلك بدلاً من التصارع الصريح حول أحقية هذا الفرع أو ذاك والمسار المفترض لخط الخلافة.
 رغم أن العديد من أفراد العائلة لا يلعبون أي دور في الحكم، فإن وحدتهم ومساندتهم مسألة حاسمة في إدامة حكم آل سعود. وثمة أهمية خاصة في عددهم الفعلي.
 والخط الرئيس لآل سعود يعدّ المئات من الأفراد (سعود بن عبد العزيز وحده أنجب أكثر من خمسين ولداً)، لكن "الفروع الأصغر"، أو "الفروع المجاورة" كما يطلق عليها بعض الباحثين، تضاعف الرقم مرّات عديدة.
وفي أواسط السبعينيات كانت التقديرات تشير إلى نحو 20.000 . آل سعود الكبير، نسل سعود الشقيق الأكبر لوالد عبد العزيز هم أبرز الفروع الأصغر، والفرع التالي الحامل للكنية العائلية. وفي العام 1903 أعلن ابن سعود هذا، ويدعى عبد العزيز بدوره، اعتراضه على أحقية عبد العزيز بن عبد الرحمن في الحكم. وبقي الخلاف قائماً حتى بادر ابن سعود إلى ترتيب زواج شقيقته نورا من سعود الكبير، أقوى وأبرز الأحياء في العشيرة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت عشيرة سعود الكبير فرعاً نافذاً في العائلة السعودية الحاكمة، لكنهم مبعدون عن السلطة السياسية.
 فرع آخر" بنو جلوي" وهم نسل الشقيق الأصغر لفيصل، جدّ عبد العزيز. ولقد تحالف بنو جلوي مع ابن سعود لتطويق تهديدات عشيرة سعود الكبير. وخدم عبد الله الجلوي كنائب لابن سعود في قيادة الجيش، وساعد على غزو المنطقة الشرقية من جزيرة العرب.
 فرع ثالث هو آل تركي، وهم نسل شقيق آخر لفيصل.
 فرع رابع هو آل ثنيان وينحدرون من أحد أشقاء محمد، الحاكم الأول في آل سعود، ويضيفون إلى شرعيتهم عاملاً آخر يتمثل في انتسابهم إلى الأمير التاسع عبد الله.
الفرع الخامس هو آل فرحان، وهم نسل واحد من اخوة محمد. عشائر أخرى حاسمة مجموعتان إضافيتان صاهرتا آل سعود وأصبحتا في عداد المجموعات الحاسمة الجديرة بالذكر.
 آل الشيخ هم نسل محمد بن عبد الوهاب الشيخ المؤسس للمذهب الإسلامي الوهابي المتشدد.
 ولقد جرى العرف على تقديم هذه الأسرة لفئة علماء الدين، ذات التأثير الحاسم في مسائل الشريعة والقانون والتربية، سواء كوزراء في الحكومة أو كأعضاء في المجلس الديني الأعلى. وهم اليوم ينتشرون في مختلف الدوائر الحكومية وأجهزة الأمن والجيش. رباط المصاهرة الأول حدث عند البدايات الأولى لنشوء الأسرة، حين وطد محمد بن سعود علاقته مع محمد بن عبد الوهاب بالزواج من ابنة الأخير، ثم تواصلت المصاهرة، وعلى سبيل المثال كانت والدة الملك الراحل فيصل تنتسب إلى آل الشيخ. أما آل السديري فهم قبيلة عربية ارتبطت مع الأسرة الحاكمة عبر أحد شيوخها، وهو أحمد بن محمد السديري من أوائل مساندي ابن سعود، ولقد تزوج ابن سعود من حصة إبنة السديري، وأنجبت له سبعة أبناء (بينهم الملك الحالي فهد) يعرفون اليوم باسم ـ السبعة السديريون .
 كذلك تزوج ابن سعود من سديريتين غير حصة: جوهرة بنت سعد وحيّة بنت سعد. وأبناء أحمد بن محمد السديري ـ ثم أحفاده اليوم ـ يشغلون مناصب حساسة كحكام ونواب حكام للأقسام الإدارية الفرعية من مناطق المملكة الثلاث عشرة. وفاة ابن سعود في الأيام الأولى من حكمه اعتاد ابن سعود على إسناد وظائف حكومية إلى أبنائه الأكبر سناً فقط، وذلك لتدعيم أركان عرشه. وهكذا كان ابنه فيصل وزيراً للخارجية منذ عام 1919، ثم أصبح حاكم الحجاز منذ عام 1926. وعند وفاة الابن الأكبر تركي سنة 1919، تولى سعود (شقيق فيصل الأكبر) حكم منطقة نجد الوسطى عام 1932. لكن ابن سعود أسند العديد من الأدوار الأخرى إلى أبناء الفروع الأخرى من العائلة، وإلى أفراد من قبائل أخرى مثل آل السديري الذين ساندوه. ولقد توفر مرشحون كثر في هذه الشجرة العائلية الكثيفة، لكن الاختيار كان صعباً إذ تعين على ابن سعود ـ بوصفه الملك ـ نشر أقاربه في طول البلاد وعرضها بهدف بسط نفوذه، ولكن تعين عليه أيضاً عدم منحهم سلطات كافية لمنازعته في زعامته أو المطالبة بحق الخلافة.
 ولقد توصل الملك الداهية إلى إقامة توازن محسوب في التوترات عن طريق بناء إجماع مستند إلى العرف البدوي في الديمقراطية القبلية، حيث يعقد الشيخ الاتفاقات مع رؤوس الأسر والأفخاذ المختلفة، الأمر الذي ما يزال يطبع عملية اتخاذ القرارات في المملكة اليوم (وهو التقليد الذي أطلق عليه سفير أميركي سابق لقب ـ "البدو ـ قراطية").
 وفي عام 1933 نجح ابن سعود في تطويق جملة نزاعات نشبت بين أبنائه وبعض أقاربه عن طريق التصريح بأن فيصل سيكون ولي العهد حين يصبح سعود ملكاً.
ولقد ساد الشعور بأن الولاء العائلي سيتحول إلى التركيز على الشراكة أكثر من الالتفاف حول فرد بعينه. وإكتسب قراره الشرعية حين دفع إبن سعود مجلس العلماء إلى إعتماده.
 وفي عام 1947 أشار طبيب أمريكي فحص ابن سعود إلى أنه يعاني من التهاب المفاصل، لكنه توقع له العيش لمدة تتراوح بين عشر إلى خمس عشرة سنة.
 بعد ثلاث سنوات ذكرت مجموعة أمريكية أخرى من الخبراء الطبيين أنه يبدي المزيد من علامات الشيخوخة والخرف، وأنه بات ملزماً باستخدام الكرسي النقّال.
 لكن الرجل توفي في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1953، بعد ثمانية أشهر من نقله لبعض سلطاته إلى ولي العهد سعود وإلى مجلس وزراء.
 وفي يوم وفاته أعلن سعود ملكاً جديداً للمملكة.
 وعند وفاة ابن سعود كانت المملكة قد بدأت السير على طريق التحديث، ففي عام 1938 كانت شركة "ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا" قد استخرجت النفط في أراضي المملكة، ثم تبعتها بعد ذلك شركة "تكساكو". وبينت الحرب العالمية الثانية دور النفط الحاسم في الاقتصاد العالمي، وفي عام 1948 شكلت شركة "ستاندارد أويل أوف نيوجرسي"، كما تسمى اليوم، وشركة "سوكوني ـ فاكوم"، أو "موبيل" اليوم، ما عرف آنذاك باسم "شركة النفط العربية ـ الأمريكية" أو "أرامكو".
 وأسفر التوسع عن توفير منافذ أضافية لرأس المال والتسويق، وباتت المجموعة بمثابة المؤسسة الاستثمارية الأضخم خارج الولايات المتحدة . لكن الأوان لم يحن لإنقلاب البلاد إلى دولة ثرية. وخلال السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية توجب على ابن سعود الاعتماد على بريطانيا في الحصول على المال والبضائع، كسلفة تسدد لاحقاً من عوائد النفط. وفي عام 1943 شرعت الولايات المتحدة في تقديم المساعدات المالية المباشرة، والبضائع، والسبائك الذهبية بقيمة 33 مليون دولار على مدى السنتين التاليتين.
 وفي عام 1945 جرى اعتماد صفقة مساعدات أخرى بقيمة 57 مليون دولار.
عهد سعود: سنوات الأزمة: كان قرار تعيين سعود ملكاً قراراً غريباً في العديد من أوجهه، ولعله عكس القلق حول العائلة الحاكمة أكثر من الثقة بها، ومنذ مطلع العام 1933 حين سمي ولياً للعهد، اتضح أن الصفات القيادية في شخصيته أدنى من تلك التي يتمتع بها شقيقه فيصل، الأصغر منه مباشرة. وحين توفي ابن سعود انكشف الفارق بين الرجلين أكثر فأكثر، وعلق مصدر على ذلك بالقول: "سعود معروف بأمر واحد: إنه لا ينفع في شئ". ولأنه مبذر مشهور، فقد احتفل سعود بتوليه العرش عن طريق هدم قصر منيف الفاره وبناء قصر آخر بدلاً عنه... أكثر رفاهاً وبهرجة.
وسرعان ما تراكمت التحديات في وجهه، ولم تكن اقتصادية أساساً بقدر ما عكست الاضطراب السياسي في المنطقة.
 ولم يدرك سعود أن إسقاط ملك مصر وصعود جمال عبد الناصر كقائد شعبي في عام 1952 هو تهديد للعروش الملكية العربية الأخرى مثل عرشه، ولكنه اعتبر الحدث مجرد طريقة في الثأر من شرور الإمبريالية البريطانية والفرنسية.
 ولقد وقع اللوم على واشنطن في إقامة دولة إسرائيل، في حين بادرت لندن إلى منع سعود من استرداد واحة بريمي الواقعة على حدود ما يعرف اليوم بإسم الإمارات العربية المتحدة وعُمان.
وفي عام 1955 انضم الملك سعود إلى مصر وسورية في موقف موحد ضد حلف بغداد، وهو التحالف الذي قادته بريطانيا وجمع تركيا والعراق والباكستان، وهدف إلى وقف امتداد النفوذ السوفييتي إلى الشرق الأوسط. وفي عام 1956 وقف سعود إلى جانب مصر إثر العدوان البريطاني ـ الفرنسي على قناة السويس.
 ولكي يزيد الطين بلة، ناور سعود داخلياً لوقف خلافة فيصل للعرش، حين هندس تقديم ابنه محمد لوراثته. وفي آذار (مارس) 1958 كان الكيل قد طفح بباقي أفراد الأسرة الحاكمة، فدعوا إلى نقل كامل لمسائل السياسة الداخلية والخارجية والمالية إلى ولي العهد فيصل، رغم أنهم لم يطالبوا سعود بالتنازل عن العرش. وبعد ذلك بيومين جرى إعلان نقل السلطات من إذاعة مكة.
 وفي الشهر التالي أصدر فيصل بلاغاً حول السياسة الخارجية الجديدة، وأعلن التقارب مع بريطانيا وفرنسا، ورسم خطة عمل لمجلس الوزراء. وفي شهر أيار (مايو) اكتشف أن الخزينة شبه مفلسة، الأمر الذي يوجب تخفيض الموازنات وتعليق المبالغ المستحقة في ديون الدولة لاستعادة التوازن المالي. وفي حزيان (يونيو) منع فيصل استيراد السلع الكمالية. في أثناء ذلك أثار مسار هذه الأحداث حنق سعود، فقرر استعادة السلطة.
 ولقد استفاد من سياسة فيصل في التقشف الاقتصادي واستخدم أمواله الخاصة لبناء مشاريع تجذب انتباه القبائل، وفي الوقت ذاته شجع الإصلاح حين طرح صيغة للتمثيل الحكومي. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1960 تآكل دعم فيصل إلى درجة اضطراره لتقديم استقالته، فشكل سعود مجلس وزراء جديد وسمى نفسه رئيساً للمجلس.
 وعين شقيقه طلال وزيراً للمالية، لكنه استقال بعد أشهر قليلة حين أدرك أن سعود لم يكن ـ مثله ـ مهتماً كثيراً بالتغيير الدستوري. وبعد مرور عام، وبضغط من كبار أبناء العائلة المالكة، وافق سعود على إعادة فيصل إلى السلطة أثناء غيابه في الخارج للعلاج الطبي. وكان فيصل غير مستعد لخسران موقعه السياسي.
لكن فوضى آل سعود تواصلت... الأمير طلال أعلن وقوفه مع عبد الناصر بصراحة، وذلك حين هنأه بتجريب مصر لصاروخ بعيد المدى. ورغم تصريح عبد الناصر، القائل بأن تحرير القدس يمر بتحرير الرياض، فإن طلال ضم إليه في القاهرة شقيقيه بدر وفواز وابن عم ثالث.
في الرياض أعلن شقيقه عبد المحسن دعمه لتحالف إخوته مع جمال عبد الناصر، وساند دعوة طلال إلى تأسيس ديمقراطية دستورية ضمن الإطار الملكي في البلاد.
 وفي غضون ذلك استفاد فيصل من تدهور صحة سعود، فقوى مواقعه، وفي آذار (مارس) سنة 1962 عين فيصل الشيخ أحمد زكي يماني وزيراً للنفط، وبعد أشهر قليلة استبدل أبناء سعود ببعض أبنائه في مجلس الوزراء. وفي نهاية عام 1963، وأثناء تولي فيصل لمقاليد الحكم في إحدى غيبات سعود، بات واضحاً للجميع أن الملك يشك أكثر فأكثر في إمكانية استعادته للسلطة التامة من جديد.
 وفي آذار (مارس) 1964 افتعل فيصل أزمة في الرياض حين أصدر إنذاراً (سلمه المفتي الأكبر) بأنه ينوي الاحتفاظ بالسلطة، وطالب سعود بقبول هذا الوضع. لكن سعود رفض ذلك، وعبأ حرسه الملكي، فرد فيصل بتوجيه أمر إلى قوات "الحرس الوطني" الأقوى عدداً وعدة، وطلب منها العمل على استسلام قوات سعود. واستسلم الحرس الملكي وأصدر العلماء فتوى بنقل السلطات التنفيذية إلى فيصل في الوقت الذي تركوا فيه لسعود حق البقاء ملكاً. وبعد ثمانية أشهر خلع نفسه وأقسم يمين الولاء لفيصل.
 ولم يعين فيصل ولياً للعهد حتى ربيع عام 1965. وكان المنافس الواضح لهذا المنصب هو محمد، التالي في أقدمية السن، لكنه اعتبر غير صالح بالنظر إلى سوء سلوكه وإدمانه على الخمر .
 كذلك يقال بأن محمد لم يكن مهتماً بالوظائف الإدارية والألقاب الملكية، فبادر بدوره إلى التنازل بعد بضعة أسابيع من تولية فيصل. وكان خالد هو التالي بعد محمد، فهو شقيقه وأصغر منه بسنتين. وعلى العكس من أشقائه، كان خالد شخصاً هادئاً ورجل مصالحة داخل الأسرة، بالرغم من عزوفه عن الحكم.
 وكانت الحاجة ماسة لهذا الدور بعد شقاقات وصرعات عهد سعود . وظلّ فيصل رئيساً لمجلس الوزراء، لكنه منح لقب نائب رئيس مجلس الوزراء إلى خالد. اغتيال فيصل بلغ عهد فيصل نهاية مفاجئة في آذار (مارس) 1975، حين قتل بالرصاص على يد ابن أخيه البالغ من العمر 22 عاماً، ويدعى فيصل بدوره، وهو ابن لأخ غير شقيق يدعى مساعد.
 وكان فيصل بن مساعد قد قصد ديوان الملك بذريعة الاجتماع معه، وأطلق عليه ثلاث رصاصات عن قرب. إحدى الطلقات مزّقت شرياناً في عنق الملك، فمات خلال ساعة.
 ولعل الأمير، الذي درس في الولايات المتحدة الأمريكية، أراد الانتقام لموت شقيقه خالد المتعصب دينياً، والذي قتلته الشرطة عام 1965 أثناء مظاهرة ضد إدخال التلفزة إلى المملكة، الأمر الذي اُعتُبر مخالفة للإسلام.
 وتضاعفت صدمة وفاة فيصل بحقيقة أن القاتل ينحدر من الأسرة الحاكمة. وعلم الناس بالخبر من مذيع راديو الرياض الذي أجهش بالبكاء وهو يعلن النبأ. وفي اليوم ذاته صدر بلاغ لاحق يعلن أن خالد أصبح ملك البلاد. ولم يكن تعيين فهد ولياً للعهد بالأمر اليسير، إذ كان يسبقه في الولادة شقيقان هما ناصر بن عبد العزيز وسعد بن عبد العزيز.
 ورغم أحقيتهما في العرش، فقد كانا مرشحين ضعيفين. في مقابل ذلك كان فهد قد عمل وزيراً للتربية منذ عام 1953 وحتى عام 1960 ووزيراً للداخلية منذ عام 1962 وحتى عام 1968، وكسب خبرة جوهرية وذاع صيته كتكنوقراطي ناجح، وهما أمران تحتاج إليهما المملكة الآخذة في ثراء متزايد. إضافة إلى ذلك خدم فهد كنائب ثانٍ لرئيس مجلس الوزراء منذ عام 1968، وكان نائب فيصل الفعلي بالنظر إلى أن منصب خالد كنائب أول لرئيس الوزراء كان شكلياً وتشريفياً. والحق أن أوراق قوّة فهد كانت كثيرة إلى درجة أن بعض الدبلوماسيين في جدّة اعتقدوا أن فهد سيصبح الملك وأن العائلة الملكية ستتجاوز خالد تماماً، لكنهم أساءوا تقدير حسّ الوحدة داخل عائلة آل سعود.
 اللاعب الأساسي هنا كان الأمير محمد، الذي جرى تجاوزه من قبل، والذي اجتمع مع خالد وبقية الإخوة في الرياض في تلك الأمسية. وإذ بادر إلى تحية خالد، أردف بإعطائه البيعة، ثم التفت إلى فهد وبايعه كولي للعهد. وبذلك أعاد محمد تأسيس خط الخلافة الذي لم يعترض عليه أي من الإخوة. والواقع أن ناصر وسعد كانا الأميرين التاليين في إعطاء البيعة. وفاة خالد: الانتقال اليسير لم يكن بالأمر المفاجئ أن يكون عهد خالد بعيداً عن الديناميكية. وكانت مقادير الحكم ـ وبينما سقط شاه إيران في كانون الثاني (يناير) 1979 واستيلاء الجهيمان على الحرم الشريف في مكة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته ـ بيد فهد أساساً، سيّما وإنه احتفظ بلقب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء لكنه في واقع الأمر كان رئيس الوزراء الفعلي. لكن تعيين عبد الله، قائد الحرس الوطني والتالي في خط الخلافة نظرياً، كنائب ثانٍ لرئيس الوزراء أطلق الجدل داخل العائلة حول درجة تكريس سلطة فهد رسمياً.
وفي عام 1977 تنامت مخاوف حقيقية حول صحة خالد وسرت شائعات قوية حول ضرورة إعتزاله .
 وباتت مسألة إعطاء عبد الله مزيداً من السلطات كولي عهد مؤجل ذات صلة بالجدل، ومال بعض الأمراء إلى تفضيل سلطان ـ شقيق فهد الأكبر سناً بعده ـ سيّما وأنه عمل وزيراً للدفاع والطيران منذ عام 1962.
بيد أن عبد الله بدا مصمماً على الاحتفاظ بمنصب قائد الحرس الوطني، مدركاً أن العكس سيجعل سلطان ـ بوصفه وزيراً للدفاع ـ قادراً بالمعنى المادي على منعه من الخلافة.
 ويذكر أحد التقارير أن 250 أميراً اجتمعوا في الرياض بتاريخ 16 آب (اغسطس) 1977 لمناقشة هذه القضية.
وفي هذا الاجتماع قيل إن فهد عرض تعيين عبد الله ولياً للعهد إذا تخلى الأخير عن قيادة الحرس الوطني لصالح الأمير سلمان (أحد أشقاء فهد من أبيه وأمه)، أو إدخال فصائل الحرس في الجيش النظامي بقيادة سلطان.
 ورفض عبد الله هذا العرض، وبقيت مسألة خط الخلافة غير محسومة. وعند وفاة خالد في أيار (مايو) 1982، أعلن كبار الأمراء بقيادة الأمير محمد تسمية فهد ملكاً، وقام هذا الأخير بتسمية عبد الله ولياً للعهد في اليوم ذاته. فهد يحاول تنظيم الخلافة حين بادر خالد إلى تعيين عبد الله نائباً ثانٍ لرئيس مجلس الوزراء، كان بذلك يسجل إقراراً بسيطاً بحق الأخير في العرش. لكن فهد واجه مشكلات أكبر عندما أصبح ملكاً.
 ولقد سمى سلطان نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، في خطوة خلقت مخاوف متجددة لدى الإخوة غير الأشقاء. وكما هو حال الإخوة الآخرين الخمسة أو "السبعة السديريون" كما يطلق عليهم، عُرف عن فهد وسلطان الطموح والجسارة مما جعل أبناء إبن سعود الآخرين يقلقون على فرصتهم في الجلوس على العرش إذا إحتفظ السديريين بالخلافة ونقلوها إلى أبنائهم. ولقد أثيرت بعض المعارضة حول تسمية سلطان نائباً ثانٍ لرئيس الوزراء، إذ كان أمامه إثنان من أخوته يسبقانه في خط الخلافة.
 إحتجاجات مساعد ظلّت بلا طائل لأن إبنه إغتال الملك فيصل. ولكن كان من الصعب تجاهل مصالح بندر، المولود سنة 1923 مثل عبد الله. وبندر لم يكتف بحقه في أن يكون التالي في الوراثة، بل أراد وزارة الدفاع أيضاً.
 ولقد نشب نزاع عائلي، ورفض طلبه في تولي وزارة الدفاع على أساس إنعدام خبرته الإدارية. وتعويضاً له عن هذا الرفض عُيّن إثنان من أبنائه في مناصب رفيعة .

 

عادل بن مخلوف

 

 

 

 

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004