|
في الفصل الأول من كتاب ماذا بعد فهد يورد هندرسون موجزاً عن تاريخ الخلافة لدى أسرة آل سعود ويقول :
تأسست الدولة الحديثة في مملكة آل سعود على يد الملك عبد العزيز (ابن سعود) سنة 1932. و عند وفاته سنة 1953 كان قد أنجب أربعا وأربعين ابناً، عاش بعده منهم خمس وثلاثون. مأثرة الإنجاب هذه اقترنت بزواجه من اثنتين وعشرين زوجة، رغم أنه رسمياً لم يعقد نكاحه إلاّ على أربع نساء حسب الشريعة الإسلامية .
و حين توفي ابن سعود تولى العرش بعده ابنه الأكبر سعود، وسُمي فيصل ـ الذي يليه في السن ـ ولياً للعهد وريثاً صريحاً له.
وثمة خلاف حول ما إذا كان ابن سعود قد كون فكرة واضحة عن تعاقب الخلافة بعد سعود وفيصل، أو أنها ستنتقل بين أبنائه من أخ إلى أخ . وهذا الإجراء حري بإظهار درجة ما من الفخار بالذرّية، بيد أن الأدلة تشير إلى أن همّ ابن سعود انحصر في تفادي تكرار الكوارث الأولى في عائلة آل سعود. وهو لم ينس لحظة واحدة كيف عولجت مشكلة الخلافة على نحو خاطئ طيلة أكثر من مئتي سنة من هيمنة عائلته على شبه الجزيرة العربية.
ولقد حدث في مناسبات عديدة أن المشاحنات بين الإخوة وأبناء العم قادت إلى إضعاف قبضة آل سعود، كما أسفرت في مناسبات أخرى عن فقدان السلطة نهائياً.
الدولة الأولى
من منظورهم الخاص يرى آل سعود أن دولتهم أقدم من الولايات المتحدة ، وذلك بالرغم من انقطاعات عارضة في الحكم، وحقيقة أنهم لم يبلغوا المفهوم الغربي عن الاستقلال السيادي إلاّ في هذا القرن. وكان ابن سعود، بوصفه مؤسس الدولة الحديثة، يردّ أصول أسلافه إلى أواسط القرن الخامس عشر حين وفدوا إلى المنطقة الوسطى من جزيرة العرب قادمين من منطقة الحسا شرقاً. وفي بداية القرن السابع عشر بات أجداده حكاماً محليين لمنطقة تقع حول مستوطنة الدرعية قرب مدينة الرياض الحديثة. والرجل الذي يعدّ مؤسس العائلة يُعرف باسم سعود بن محمد ، الذي أعقبه ابنه محمد على المشيخة سنة 1725، وهو يوصف عادة بأول حاكم في سلالة آل سعود.
ويبدو أنه كان جديراً بالإسم. فبعد أن ذاع صيته كمحارب شديد المراس في الدفاع عن مشاتل نخيل الدرعية ضد مطامع البداة الغازين، أجار محمد بن سعود رجلا هو محمد بن عبد الوهاب، ولاقى تفسيره الصارم للإسلام (المذهب الوهابي) هوى في نفس محمد بن سعود.
وتحالف الرجلان، ورسما خطة مشتركة، وبالزعامة القبلية وبأس القتال عند محمد بن سعود، والحماس الديني عند محمد بن عبد الوهاب، خطط الرجلان لحملات "جهادية" لفتح وتطهير جزيرة العرب.
وكانت الإستراتيجية بسيطة: القتل أو الفرار الإجباري هو مصير الرافضين للتفسير الوهابي للإسلام. و توطدت العلاقة عن طريق المصاهرة العائلية، بما في ذلك زواج محمد بن سعود من إحدى بنات محمد بن عبد الوهاب.
وكان التحالف بداية لما يشار إليه اليوم باسم الدولة الأولى.
وحين توفي محمد بن سعود سنة 1765، واصل محمد بن عبد الوهاب الحملة العسكرية القائمة على الغزوات القبلية، بمساندة ابن الشيخ المعروف باسم عبد العزيز بن محمد.
وانتهى الأمر بالرجلين إلى السيطرة على معظم المنطقة الوسطى من الجزيرة العربية (نجد) بما في ذلك بلدة الرياض التي تحولت اليوم إلى مدينة وعاصمة للمملكة .
وفي الجنوب الغربي تمكن حكام مكة، قبلة المسلمين وحاضنة الكعبة، من وقف الزحف الوهابي، في حين لجأت الكيانات القبلية في الشمال والجنوب والشرق إلى الرد على الوهابيين بغزوات مضادة.
و توفي محمد بن عبد الوهاب سنة 1792، لكن عبد العزيز بن محمد واصل غزواته حتى اجتاح مدينة كربلاء (المقدسة عند الشيعة، والتي تقع اليوم في العراق) سنة 1802، كما اقتحم مكة سنة 1803.
هذا النشاط المكلل بالنجاح أوغر الصدور، فاغتيل عبد العزيز سنة 1803 على يد مسلم شيعي (كما يرجح) أراد الثأر لانتهاك وتخريب كربلاء، المدينة التي تحوي ضريح حفيد النبي.
كذلك استند سلطان القسطنطينية العثماني إلى موقعه الديني كسادن لمكة المكرمه، فكلف حاكم مصر محمد علي بتجنيد حملة لاستعادة مكة (التي سقطت في يد الوهابيين سنة 1805 ) والمدينة.
و في وجه هذا الجبروت العسكري المتفوق فقد الوهابيون، بزعامة سعود بن عبد العزيز، السيطرة على المدينة سنة 1812 وعلى مكة سنة 1813. وتوفي سعود سنة 1814، وعقد ابنه عبد الله هدنة مع القوات العثمانية.
وفي عام 1816 قام جيش مصري آخر بالاندفاع نحو منطقة نجد في وسط جزيرة العرب، وغزا الدرعية بعد سنتين، وأرسل عبد الله أسيراً إلى القسطنطينية، ثم أعدم بعد ذلك.
وفي عام 1820 طالب مشاري، شقيق عبد الله، بالحق في العرش، لكن المؤرخين يجمعون على أن الدولة الأولى انتهت بوفاة عبد الله.
الدولة الثانية
في عام 1824 تمكن تركي، ابن أمير آخر يدعى عبد الله هو أحد أخوة عبد العزيز، من طرد المصريين خارج نجد و احتلال الرياض.
وتراجع المصريون إلى منطقة الحجاز على سواحل البحر الأحمر، التي تضم أيضاً مكة والمدينة.
لكن مطالبة تركي بالعرش انقلبت إلى نزاع داخلي، فاغتيل سنة 1834 وخلفه ابنه فيصل جد ابن سعود.
وحين عادت القوات المصرية سنة 1838 ألقي القبض على فيصل وأرسل أسيراً إلى القاهرة، ونصب المصريون خالد (شقيق عبد الله ومشاري) بدلاً عنه، لكن الأخير توفي عام 1841 فأعقبه عبد الله بن ثنيان حفيد أحد أشقاء محمد بن سعود، الذي حكم سنتين حتى فرار فيصل من الأسر وعودته من القاهرة سنة 1843 واسترجاع سلطانه بمعونة قبيلة رشيد.
عهد فيصل الثاني تميز بطوله (إذ دام إثنتين وعشرين سنة)، و باستتباب النظام والرخاء الملحوظ .
لكنه اقترن أيضاً بالفوضى العارمة التي سادت بعد وفاته سنة 1865، حين تشاجر إثنان من أبنائه على ولاية العهد: الأكبر، عبد الله، زعم لنفسه الحق في العرش، لكنه خسر موقعه لصالح شقيقه سعود سنة 1871 مما أدى إلى فقدان الأسرة لسيطرتها على معظم أرجاء وسط وشرق الجزيرة العربية حيث مارست نفوذها أساساً.
وعند وفاة سعود سنة 1875 آلت زعامة القبيلة مؤقتاً إلى أخ ثالث هو عبد الرحمن.
لكن عبد الله استرجع السلطة في العام ذاته، واحتفظ بها حتى وفاته سنة 1889، حين عاد عبد الرحمن إلى زعامة القبيلة من جديد. وفي تلك الأثناء كانت قبيلة رشيد، التي حكمت حائل إلى الشمال الغربي من الرياض منذ عام 1835 وبناء على طلب فيصل، فقد وسعت سيطرتها على ما تبقى من أراضٍ بدعم من العثمانيين.
وبعد سنتين من حكمه، وفي عام 1891، اضطر عبد الرحمن إلى الفرار مع أسرته إلى مشيخة الكويت المستقلة . وهذا الحدث يعتبر نهاية الدولة الثانية .
الدولة الثالثة
في عام 1902 بادر عبد العزيز (الملقب بابن سعود، وابن عبد الوهاب البالغ من العمر 22 عاماً) بقيادة مجموعة مؤلفة من خمسين مسلحاً غادروا الكويت ونفذوا غارة ليلية جريئة على الرياض أسفرت عن استعادتها من قبيلة رشيد.
و لقد خلع عبد الله نفسه حين أدرك أن ابنه هو الأحق بالعرش لأنه القائد الأكثر قدرة ونفوذاً.
لكن استعادة السيطرة على الأراضي السابقة انقلبت إلى عبء باهظ الثمن على ابن سعود.
وفي السنوات اللاحقة لم ينجح سوى في طرد قبيلة رشيد المنافسة من منطقة قاسم الواقعة بين الرياض وحائل إلى الشمال الغربي.
ولقت أثار تقدمه اعتراضات من داخل أسرة آل سعود ذاتها وبواسطة أبناء الأشقاء الكبار لأبيه، الذين ألقوا بثقلهم إلى جانب قبيلة رشيد.
وفي عام 1906 ألقى ابن سعود القبض على ثلاثة منهم، لكنه لم يقتلهم بل قدم لهم المأوى والمقام وسط الأسرة. بيد أن محاولة قتله بالسم عام 1910 على يد أثنين من أبناء إخوته جعلته يدرك الطبيعة الخائنة المتماثلة لهذا الجانب من حياة الأسرة، فاستمر العصيان أكثر من ستة أعوام أخرى .
وتدعمت شوكة ابن سعود العسكرية عام 1912 حين أطلق حركة "الإخوان"، وهي أخوية دينية قائمة على أساس قبلي بدوي، وأسند إليها مهمة غزو جزيرة العرب باسم المذهب الوهابي.
وسقطت منطقة الحسا الجنوبية سنة 1913، وبعدها بثلاث سنوات استسلم سعود الكبير آخر وأقوى وجوه آل الرشيد.
وكعادته في استخدام أسلوبه الذي بات معروفاً، تحرك ابن سعود بسرعة لاستئصال شأفة المعارضة لدى قبيلة رشيد فتزوج من أرملة سعود بن رشيد وتبنى أطفالها وعقد السلام مع أقربائها.
ثم أصدر عفواً عن سعود الكبير وزوّجه شقيقته الأثيرة نورا. ولقد كان هدفه من هذا الزواج سياسياً صرفاً، إذ أراد توحيد القبائل المتخاصمة من حوله وإلى جانبه تمهيداً لغزو الجزيرة.
وفي عام 1921 استولت قوات ابن سعود على منطقة عسير اليمنية، واستردت السيطرة على منطقة حائل التي كانت بيد قبيلة رشيد.
وقرب نهاية العام 1925 بسط الإخوان سيطرتهم على منطقة الحجاز، ومكنوا ابن سعود من حكم المدينتين المقدستين مكة والمدينة.
ولقد أجبر حاكم الحجاز الشريف حسين على الفرار، لكن البريطانيين نصبوا ولديه عبد الله وفيصل في حكم الأردن والعراق اعترافاً للشريف حسين بفضل مساعدته لهم في الحرب ضد الأتراك العثمانيين.
وفي هذه الأثناء كان الإخوان يعملون دونما رادع أو وازع، إذ نفذوا سلسلة مجازر في الطائف سنة 1924 وفي نجد سنة 1929، وكانت غزواتهم تتوغل عميقاً في أراضي الأردن والعراق، المحميتين البريطانيتين. وتوصل ابن سعود إلى اتفاقات حدودية مع البريطانيين فرضها هؤلاء باستخدام الطائرات المجهزة بمدافع رشاشة.
وأدرك ابن سعود وجوب اتخاذ إجراء سريع لقمع الإخوان، وتم له ذلك في معركة السبيلة سنة 1929.
و بدءاً بعام 1927 أطلق ابن سعود على نفسه لقب ملك الحجاز ونجد وتوابعهما، لكنه في أيلول (سبتمبر) 1932 أعلن نفسه ملكاً للمملكة العربية( السعودية).
|