|
لقد عاد التحالف الديني ـ السياسي ليعبّر عن نفسه مجدداً عن طريق التوسل باللغة الوعظية والإنذارية بنكهتها الدينية والتي أثبتت التجارب المتوالية إخفاقها الفادح والمدمّر...
ويغفل القائلون بأن الدولة مستهدفة من جهات محلية وأجنبية، وربما غيبية، عن عمد وسابق إصرار، حقيقة كون الاستهداف الحقيقي موجّها لحرية الشعب وكرامته، وأن المسؤول الأول عن ذلك كله هم آل سعود بدرجة أساسية.
لم يعد الأمر بحاجة إلى مزيد من المساجلات الكلامية الفارغة من أجل إثبات صدقية وجدارة البديل الذي تطرحه المعارضة، ولم يعد الأمر بحاجة إلى مزيد من الشهادات لإثبات الإجماع الوطني على هذا البديل.
فقد عبّر السكان بوضوح شديد عن موقفهم من الأجندة الإصلاحية الحكومية، فكانت الإنتخابات البلدية في المرحلة الأولى والثالثة دليلاً عملياً على أن ما أرادت الطبقة الحاكمة إقراره لم يحقق الرضا بين المعنيين بتلك الأجندة.
إن من أفدح الأخطاء التي اقترفتها أسرة آل سعود هو توسلها بالدين في شؤون الدنيا، لأنها بذلك أفسدت الدين والدنيا معاً، وإن توظيف طبقة العلماء من أجل تحقيق مآرب السياسة الدنيوية لا يقل فساداً وفداحة..
لقد بات أكثر من ضرورة تجنيب العلماء مهازل السياسة التي أنضبت مصداقية العلماء، وحرمتهم من نعمة التأثير الروحي في جمهور الإتباع بفعل انغماسهم طوعاً حيناً وكرهاً أحياناً كثيرة في شؤون السياسة الدنيوية بتأثير من أهل الحكم.
إن سجل الإقترافات بصبغتها الحمراء القانية في بعض الأحيان، تفرض على أتباع العلماء إعانتهم على الخلاص من بلاء الوقوع تحت ضغط السلطة، وإخراجهم من مجال التأثير السياسي المباشر، درءا لاقتراف المزيد من الأخطاء الدامية..
ولاشك أن جهاز القضاء بات اليوم أكثر من أي وقت مضى في عين العاصفة، وهو يجسّد الاختلال العميق في بنية السلطة، ويعبر بجلاء عن استشراء الفساد في الجهاز الدولتي.
إن التواطؤ المشين بين الأمراء والعلماء في مجال القضاء لم يضرّ بالعدالة، التي ذبحت على الطريقة الدينية غير الشرعية، ولكن أضرّت بمجمل المؤسسة الدينية التي بات الحديث عنها بطريقة تهكمية يترجم معاناة المتظلمين.
يلزم وقوف أغلبية هذا الشعب في وجه من يلوذون بلغة الاتهامات الدينية من أجل تهشيم قيمة الحرية ومصادرتها، فالدين لم ينصّب وكيلاً عنه من هؤلاء كي يرشدنا إلى ما هو حلال وما هو حرام، كيف بهذا الدين وقد صار في أسر السياسي الذي لا يرى في غير مصالح الدنيا غاية ومآلاً.
إن رفع الوصاية الدينية عن هؤلاء العلماء ضرورة قصوى دينية وسياسية، لأن استمرار هذه الوصاية وفي طورها الحالي يعني استمرار الاستبداد في شكليه السياسي والديني..
لقد سئم دعاة الحرية من تلطيخ القيم بدعاوى دينية لخدمة أغراض سياسية وفئوية محضة.
ويلزم، في اضطراد مع ماسبق، تجنيب كتاب الله وسنة نبيه المصطفى معارك السياسة وأغراضها، أفكلما دعيت العائلة المالكة إلى الإصلاح وإنصاف الرعية من نفسها، وإحقاق الحق الذي عليها وأبطال الباطل الذي ساد فيها لجأت إلى آيات الذكر الحكيم وأحاديث الرسول الكريم، فتجعل منها غطاء لباطلها ومانعاً لحق العباد.
لقد أسرف العلماء والأمراء في النيل من الحريات العامة، وأفرطوا في تشديد الخناق على النص الديني، بفعل التفسيرات الضيقة والحرفية، وعاضدها أهل الحكم بالإفراط في الإستعمال الساخر لمصطلح (الخصوصية) التي باتت ترهن مصير المجتمع والدولة لخيارات عقيمة وتسوق الجميع إلى جحيم المستقبل المجهول..
إن احتكار الحقيقة الدينية وحق تفسير النص الديني متظافراً مع احتكار الحقيقة السياسية وحق تفسير الأحوال الاجتماعية لا يزيد إلا خبالاً، فليس من عقم في هذا المجتمع حتى ترى فيه هاتان الطبقتان: العلماء والأمراء، رأياً سديداً ومسلكاً رشيداً ينجيه من عذاب أليم ويكفيه تبعات القصور التكويني الذي هو عليه منذ أن نشأت دولة آل سعود وحتى قيام الساعة رغم ما شهده المجتمع من تطوّر ذهني وترق فكري، وبات مدركاً تماماً لما يجب أن يكون عليه مساره ومسيرة الدولة معه.
ويخبر واقع الحال عن أن العلماء يقعون ضحية قوتين تدفعهم لتبني أحكام إقتلاعية واقصائية وهما: قوة الحكم وقوة الشارع.. فالطبقة الحاكمة تزاول ضغطاً مستمراً على العلماء للخضوع لممليات السلطة، والشارع يزاول ضغطاً على العلماء لتنفيذ ممليات اجتماعية وسياسية.
وتحت وطأة هذين الضغطين يصبح العلماء في مواجهة أعداء افتراضيين تطلق عليهم مسميات خصامية مثل: ليبراليين، وعلمانيين، وحداثيين، وأهل ضلال، وأهل بدع.. وتبقى القائمة مفتوحة على مسميات أخرى مطلوبة في المعاركة الحالية والمؤجّلة.
لقد باتت دعوى تطبيق الشريعة سلاحاً يشهر لضرب الحرية ومصادرتها، وتخريب أسس العدل وتقويضه، وليس لصيانة الحرمات، وإشاعة السلام الأهلي، وضمانة الحريات الفردية والعامة، وترسيخ قيم العدل والحرية والمساواة.
فالذين يطالبون بتطبيق الشريعة إنما يأملون في تطبيق سياسة التمييز ضد الآخر، لأنهم يدركون بأن الشريعة المقصودة هي مصممة على مقاسات خاصة لا تصلح كإطار قانوني يحكم الفئات الاجتماعية من أطياف فكرية وسياسية واجتماعية ومذهبية متنوعة.
لقد هال أولئك الذين ملئوا الدنيا زعيقاً وصراخاً مطالبين بتطبيق الشرع فانبروا لمناشدة من أوغروا صدورهم بوقف تطبيق الشرع ضد من فجّر ودمّر وقتل، باسم الوسطية في الدين فيما يطالبون بإنزال أقصى العقوبات ضد أصحاب الرأي والكلمة الحرة.
فقد خانتهم لياقتهم الفكرية والنفسية وضاقت صدورهم عن تحمّل من أفصح في الهواء الطلق وعلى مرأى ومسمع العالم كله عن رأي لا يرجو فيه غير إصلاح وجه وطن يحاول أن يخرج للدنيا بغير تشويه خلقي، بعد أن داهمته البلايا والمنايا من أرجاء الدنيا، بفعل حماقات السياسي والديني معاً.
|