|
المتتبع لأحوال الجزيرة العربية يدرك أن تاريخها حافل بالجهاد والنضال ومقاومة آل سعود، والمعارضة الإسلامية بالذات كانت بدايتها من العقد الثالث الماضي وهي معارضة (الإخوان)..
كما أن أصواتاً حرة انطلقت مدوية هنا وهناك تعلن رفضها للامتهان والظلم، فكان مصيرها الإعدام أو التشريد أو السجن، وهو أضعف الإيمان..
ناصر السعيد هو أحد أولئك الأبطال الذين تصدوا لحكم آل سعود على مختلف مستوياته وأدواره (عبد العزيز ـ سعود فيصل ـ خالد –والفهد الميت وصولا إلى الجاهل عبد الله) ولأِكثر من أربعين عاماً..ولم يعطه فهد الفرصة ليبقى معارضاً له..ولد هذا المناضل في مدينة حائل بعد احتلالها بعام من قبل آل سعود يقول ناصر في كتابه (تاريخ آل سعود): (وكانت بداية الإحتلال في يوم مشؤوم هو يوم 29 صفر 1340هـ الموافق 2 نوفمبر 1922م، وقد ولدت بعد هذا العام بعام واحد، ونظر لي أهلي كما ينظرون أهل حائل (لمواليد السقوط) سقوط حائل.. نظرة عدم استحسان، وكأنهم يريدون أن لا تلد النساء أحداً بعد سقوط حائل بيد الأعداء).
وقد تربى هذا المناضل كغيره من أطفال حائل في جو ثوري، فإضافة إلى أن الكثير من أهله قد قتلوا دفاعاً عن الوطن من أعمامه وأخواله وحتى عماته وخالاته أهنّ واعتدي عليهن، إلى ذلك فان جدته كان لها الفضل الأكبر في نشأته الثورية، فقد تعلم منها الكثير من آيات الصمود والمعارضة، وقد اعتقل وعمره سبع سنوات مع جدته هذه في حادثة مع أحد جلاوزة الملك عبد العزيز..وحين شب عن الطوق توجه للعمل في آبار النفط فانضم لشركة (أرامكو) الأمريكية فرأى حالة العمال المزرية وقاد نضالها سنين طويلة..ففي عام 1947م وبالتحديد في ضحى يوم (17 / 9 / 1947م) أطلق المناضل ورفاقه على هذا اليوم (يوم فلسطين) وقام بمظاهرة في مدينة (رحيمة) رافضة لتقسيم فلسطين ومطالبة بقطع النفط عن أميركا وبريطانيا، وجاء أمير رأس تنورة ليقنعهم بأن النفط بيد الأمريكيين ولا أحد يستطيع قطعه(!!) وأن قطع النفط يعني اكتنازه في الأرض، وبما أن اسمه الذهب الأسود فاكتنازه حرام ، وسبب ثالث ذكره الأمير (تركي بن عطيشان): هو من الذي سيدفع معاشاتنا ومعاشاتكم؟!
ولكن ناصر السعيد والمتظاهرين ثاروا بوجهه فاعتقلوا وأرسلوا في سيارة شحن لجزار المنطقة الشرقية سعود بن جلوي، وكان ناصر يتوقع. وعلى حد قوله ـ (القتل أو على الأقل قطع يد ورجل من خلاف)، ولكن زوجة الأمير تدخلت لأن المعتلقين (صغار) فأطلق سراحهم..وقبل عامين من هذا التاريخ قاد ناصر إضراب العمال في (الظهران وبقيق ورأس تنورة) عام 1945م، وطالب بتحسين الأجور والسكن، ومع أن الحكومة بعثت بقواتها القمعية لمواجهة الانتفاضة بقيادة المقدم طه الأحسائي، إلاّ أنّها فشلت في إخمادها، ورضخت آرامكو للمطالب. وفي عام 1953م وقبل موت الملك عبد العزيز قاد مرة أخرى إنتفاضة العمال ضد سياسة الحكومة ومن أجل فلسطين فاعتقل مع مجموعة وأرسل إلى سجن العبيد بالأحساء وكاد ينفذ فيه حكم الإعدام لولا الضغط الشعبي العارم، فأخذ عليه تعهد بالإقامة الجبرية في بلده حائل، وفي طريق عودته لحائل عام 1953م سمع نبأ موت الطاغية عبد العزيز..
وما أن وصل إلى مدينة حائل حتى علم باستعداد الإمارة لاستقبال الملك الجديد (سعود) الذي سيأتي لأخذ البيعة (هكذا) من المواطنين فنظم مسرحية حول الجهل والفقر والمرض عرضها أما الملك، كما ألقى كلمة أمامه في احتفال في المدرسة الثانوية، خرج على أثرها وهو غاضب مقتم، وقال: (الاحتفال زين لكن ابن السعيد خرّبه)
وظل ناصر المناضل يقود التحرك الثوري ويتحرك هنا وهناك حتى صدر أمر بإعدامه عام 1956م، فأخبره العقيد الذيب المكلف بالأمر وهرب إلى الخارج لقيادة النضال..
وقد اغتيل العقيد الذيب فيما بعد بحقنة سامة في ألمانيا الغربية! وفي عام 1958م بذل آل سعود أموالاً ضخمة لاغتياله، وحينها قابل الرئيس جمال عبد الناصر، وسافر إلى القاهرة وأشرف على برنامج (أعداء الله) الذي تبثه إذاعة صوت العرب.. وحين اشتعلت ثورة اليمن عام 1962م انتقل إليها في العام التالي وافتتح مكتباً للمعارضة، وأشرف على برنامج إذاعي تحت إسم (أولياء الشيطان)، كما قاد الكفاح المسلح من الحدود اليمنية.. وجاءت هزيمة 1967م لتنهي نشاطه السياسي المعادي لأسرة ال سعود من مصر وقبلها من اليمن، وظل متخفياً ينتقل من بلد إلى بلد (العراق ـ سوريا ـ مصر ـ اليمن الجنوبي ـ ليبيا) محارباً بلسانه وقلمه بعد أن أقفلت الإذاعات التقدمية جداً أبوابها بوجهه إلى عام 1975م، حيث توفى الملك فيصل برصاصات ابن أخيه الأمير فيصل أبن مساعد، وحينها أعلن الحاكم الجديد حالة العفو العام عن السجناء السياسيين في الخارج، فهرع الكثير من أدعياء الثورة إلى النظام وقبلوا يديه واستلموا (الخرجية)، وهو اللفظ الذي كثيراً ما يستخدمه ناصر.. الذي رفض الركوع والعودة للتمسح على أبواب السلطات رغم المغريات الكثيرة والترهيب القاتل، حيث جرت له عدة محاولات اغتيال أخرى في الخارج..
واندلعت انتفاضتي الحرم في مكة المكرمة والمنطقة الشرقية في نوفمبر 1979م، فترك مقر سكنه في دمشف وذهب إلى بيروت ليرفع صوت شعبه ويسمع نضالاته للعالم، فأجرى مقابلات عديدة مع الصحف والمجلات و وكالات الأنباء، وأوضح لهم حقيقة ما يجري في البلاد.. وفي وضح النهار نفذت حكومة آل سعود ما عجزت عنه خلال أربعين سنة قضاها ناصر السعيد في نضال مستمر ودؤوب إذ اختطفته في وضح النهار من بيروت بتاريخ 17 / 12 / 1979م.. وذلك بتدبير من سفير آل سعود في بيروت علي الشاعر وبعض المجموعات المدعية للنضال والثورة التي نفذت العملية، ولا أحد يدري أين هو الآن؟
البعض يقول أن طائرة خاصة كانت تنتظره في مطار بيروت فأقلته للرياض، والبعض الآخر يقول إن المناضل قضي عليه في بيروت ذاتها..
وحين سئل سلطان وزير الدفاع في إحدى المقابلات عن التهمة التي توجه إليه ولأخوته من أنهم وراء اختطاف ناصر السعيد، أجاب بأننا: (لسنا بحاجة إلى استخدام هذا الأسلوب) وأضاف: أن ناصر السعيد اختطف من بيروت الغربية التي تسكنها أغلبية مسلمة، وألمح إلى أن المسلمين متعاطفين مع حكومة عائلته وهم الذين قضوا عليه أو إختطفوه!. وأجرت مجلة "الأسبوع العربي" في عددها الصادر بتاريخ 11/5/1987، مقابلة مع أبو الزعيم الذي كان مسؤولاً عن المخابرات الفلسطينية أكثر من عشر سنوات، ورجل الملك حسين في منظمة التحرير الفلسطينية.
وقد طرحت (الأسبوع العربي) على أبي الزعيم عدداً من الاسئلة، جاء من بينها سؤال عن المناضل ناصر السعيد الذي اختطفته أجهزة أبي الزعيم في وضح النهار في بيروت بتاريخ 17 / 12 / 1979 إبّان قيام انتفاضة الحرم والمنطقة الشرقية.. وذلك بالتنسيق مع علي الشاعر سفير آل سعود آنئذ في بيروت. سألت "الأسبوع العربي" أبا الزعيم: (قيل على لسانك في إحدى الندوات أو ربما الجلسات الخاصة، أنّك اتهمت بعض قيادات فتح بمسؤولياتها عن تسليم ناصر السعيد؟).. أجاب أبا الزعيم: (لم يحدث هذا إطلاقاً، وكان هناك من أشار زوراً إلى أن أبو الزعيم مسؤول عن هذا الموضوع، وفي حينه بالذات شكلنا لجنة تحقيق للبحث عن الرجل، ولهذا فانني اتحدى كل الجهات الفلسطينية واللبنانية آنذاك أن تقول غير ذلك، شكلنا لجنة تحقيق مكونة مني ومن صلاح خلف وأبي الهول وتوفيق سلطان من الحزب التقدمي الإشتراكي، ومحسن إبراهيم وأبي ماهر اليماني وسمير صباغ "المرابطون"، لاستقصاء مصير الرجل، وقادنا التحقيق جميعاً إلى الاشتباه بأحد الأجهزة وعندها توقف كل شيء، وأتحدى أياً كان أن يبرز أو يقدم معلومات غير هذا الكلام)..
ونحن هنا نقول لأبي الزعيم، إن الذي اختطف ناصر السعيد هو جهاز مخابرات فتح الذي كنت تشرف عليه..
وإننا نعلم بأن أوامر الخطف جاءتك من أعلى.. ونعلم أيضاً أن اللجنة التي شكلت كانت للتمويه، وأن الذي حملك مسؤولية اختطافه هم بعض أعضاء اللجنة التي كنت واحداً منها.. وأما تحميلك "أحد الأجهزة" التي لم تعرّفها فما ذلك إلاّ مراوغة إن لم يكن ذلك الجهاز هو جهاز آل سعود.. فناصر السعيد لا مصلحة مباشرة لنظام عربي في التعرض له سوى نظام آل سعود. لقد أراد ناصر السعيد أن يعلن للعالم عن انتفاضة شعبه، فسافر من دمشق ـ محل إقامته ـ إلى بيروت من أجل ذلك، وأجرى العديد من المقابلات مع وكالات الأنباء الأجنبية والصحف والمجلات العربية، فأراد آل سعود ان يسكتوا ذلك الصوت، متصورين أن ناصر ضالع في عملية الحرم بشكل مباشر..
لذا لم يكن امامهم سوى التوجه إلى استخبارات فتح، فآل سعود أعجز وأحقر من أن يمارسوا ذلك العمل الجبان بأنفسهم، وهكذا تم اختطاف ناصر السعيد، المناضل الذي عارض آل سعود طيلة حياته.
وإنه لمن المؤسف أن تتحول منظمة التحرير ـ التي كانت تسيطر فعلياً على بيروت آنئذ ـ من حركة ثورية تدعم الثوار، إلى مخلب لأنظمة القمع والإرهاب والرجعية الخليجية، ومقابل بعض الدولارات التي يتقاسمها الكبار، ويشترون بها قصوراً هنا وهناك.
وإنه لمن المؤسف أيضاً أن يعلن قادة المنظمة دعمهم ومساندتهم لأنظمة عفنة نتنة تتحمّل وزر عشرات الآلاف من الضحايا، الذين قضوا نحبهم مدافعين عن كرامة هذه الأمة ومقدساتها
|