|
إن قيام إسرائيل جريمة دولية مسرحها أرض فلسطين، وساهم في هذه الجريمة العديد من الدول والأسر والشخصيات، ومن بين هذه الأسر أسرة آل سعود التي ساهمت في قيام إسرائيل، وإن كان دورها قد بدا غير مباشر إلا أنه انتهى من حالة السرية إلى حالة العلانية، وتضمنت المرحلة السرية قيام أسرة آل سعود بدور الأداة في يد بريطانيا للقضاء على الخلافة العثمانية، ثم القضاء على الثورة العربية وجيوش الشريف حسين، وقد انتقلت الأسرة من مرحلة السرية إلى مرحلة العلانية وذلك بتحويل منابر الأماكن المقدسة إلى إذاعة للدعوة إلى بريطانيا وتبرير تواجد جيوشها في البلاد الإسلامية، بالإضافة إلى إجهاض أية محاولة للقضاء على إسرائيل.
بدأت مراحل الشروع في زراعتها منذ أواخر القرن التاسع عشر داخل أروقة القصر الملكي ببريطانيا، وتحديداً منذ أن لفت الوطن العربي وموقعه المتميز والاستراتيجي نظر الاستراتجيين الإنجليز إلى أهمية هذه البقعة وإمكانية اتخاذها قاعدة لهم في الشرق للانقضاض على المستعمرة البريطانية في الهند عقب انتهاء حرب السنوات السبع بين بريطانيا وفرنسا واستيلاء الإنجليز على كامل التركة الفرنسية، وكانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون إلى الشرق قاصدا مصر واحتلالها الإشارة لمدى خطورة هذا الموقع إذا ما وقع تحت يد الفرنسيين ولجأت بريطانيا إلى تأمين جميع المنافذ المؤدية إلى مستعمراتها في الهند، فراحت تتعاون مع العثمانيين من أجل إجلاء فرنسا وطردها من مصر، ثم القضاء على قوة محمد علي وتحجيمها، إلا واستيقظت بريطانيا على نبأ تمرد المستعمرة الأمريكية عندما فرضت بريطانيا قانون الضرائب على المستعمرات الأمريكية لتعويض خسائرها في الحروب.
وقد تطور الأمر ليصل إلى حد الثورة وإعلان الاستقلال لإنشاء دولة جديدة بعيدة عن العالم القديم بكل مشاكله، وقد تزامن ذلك مع قيام الثورة الصناعية وحدوث نوع من الدارونية الاجتماعية وحراك اجتماعي صاعد بين طبقات المجتمع الإنجليزي، وأصبح الصعود والترقي في المجتمع طريقه سهل بعد أن أصبح الانتقال للعمل في إحدى المستعمرات وسيلة لتحقيق الطموح وتحول العديد من المواطنين للعمل الصناعي وترك الزراعة، الأمر الذي ساعد على وجود طبقة برجوازية جديدة استخدمت الطبقات الدنيا في صراعها مع الإقطاع وأصبح رأس المال الجديد يضغط على القصر الملكي للبحث عن سوق جديدة لتصريف الإنتاج الصناعي بعد أن تراكم المخزون عقب غلق المستعمرة الأمريكية.
فكان لابد من البحث عن سوق جديدة وأرض جديدة لاستيعاب الطموح الإنجليزي فكانت الشرق هو الوسيلة الجديدة لتخفيف الضغط على القصر الإنجليزي، بعد أن ظل مهملة إلى حد ما ولم تكن تمثل اهتماماً للإنجليز سوى كونها محطات تموين للسفن الإنجليزية بالإضافة إلى أنه الطريق الآمن للمستعمرات ، فيض الهند ، فكان لابد من التحكم فيه والسيطرة عليه ولكن لابد من وجود بوابة، تلك البوابة هي شبه جزيرة سيناء وتحديدا منذ قناة السويس، لذا كان لابد للإنجليز من احتلال مصر لإمكان التحكم في البوابة السرية للشرق ، ولكن احتلال مصر ليس بالأمر الهين فهي دولة لها جيشها وأسطولها وسبق أن هددت الخلافة العثمانية ذاتها، ووصل أسطولها إلى أوروبا، لكن هذا الأمر يهون أمام الخروج من المأزق الموجود داخل بريطانيا وضغط رأس المال ولكن المغامرة باحتلال مصر للقفز على الشرق الإسلامي والعربي يتطلب هذه المرة تأمينها، خوفا من أن تواجه نفس مصير المستعمرة الأمريكية، وقد لاحت في الأفق إشارات تبرر لها احتلال مصر أهمها أزمة الديون التي نشأت نتيجة حفلة افتتاح قناة السويس وانخفاض أسعار القطن.
وقتها تخلى الإنجليز عن مبدئهم الذي كان يقتضي عدم التدخل لحماية أي مستثمر أراد الاستثمار خارج بريطانيا.
اتخذت بريطانيا من مطالبة الرعايا الإنجليز مبرراً لاحتلال مصر بحجة حماية أموال رعاياها وتحصيلها، ولكن هذا الاحتلال كان يلزمه حماية من نوع خاص، حماية تأمن فيها بريطانيا ثورات المصريين ضدها، فكان لابد من زرع قاعدة بشرية تفصل العربي الأفريقي عن العربي الآسيوي بعد أن أكسبت الحروب الصليبية الغرب خبرة ودراية بجغرافيا الوطن العربي وأن أمن مصر يبدأ من الشام وتهديدها يبدأ من هناك أيضاً، ومن هنا كان الحل هو البحث عن أناس يقبلون القيام بدور الحاجز البشري، أو الجماعة الوظيفية، وتزامن البحث الإنجليزي مع ثورة المسيحيين على اليهود ومطالبتهم بضرورة تخليص أوربا منهم بعد أن زادت ظاهرة الإحياء الديني وعدم نسيان المسيحيين أن اليهود هم قتلة المسيح، وجاء حادث مقتل القيصر في روسيا وحادث المدفعية في فرنسيا ليكون الشرارة الأولى لثورة المسيحيين على اليهود. وقد أرادت بريطانيا أن تستغل ثورة المسيحيين وتظهر بمظهر مُخَلِّص أوروبا من شرور اليهود وفي الوقت ذاته تظهر أمام اليهود بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان، ولكي تستفيد أيضاً من ثروات اليهود واستغلالهم ليقوموا بدور الحاجز البشري على جانبي قناة السويس والإقامة على أرض فلسطين لحماية مشروعها المستقبلي. وإذا كانت بريطانيا قد وجدت في اليهود من يقوم بدور الحاجز البشري إلا أن زراعة هذا الحاجز في وسط تكوين إسلامي عربي ضرب من ضروب المستحيل، حيث إن هذه الأقطار(الأقاليم) كانت خاضعة للخلافة العثمانية، ومصر تحديدا دولة صعبة المنال واحتلالها ليس بالأمر الهين، فكان لابد من ظروف قاهرة تبرر إقدام بريطانيا على احتلال مصر. وجاءت الفرصة مع افتتاح قناة السويس وأزمة الديون التي أصابت مصر وقتها، اتخذتها بريطانيا ذريعة لاحتلال مصر ولكن هذا الاحتلال إن كان سهَّل للإنجليز استعمار مصر إلا أنه لم يكن يُسَهَّل زرع الدولة اليهودية على أرض فلسطين لفصل الشام عن مصر وحماية قناة السويس، فكان الحل هو القضاء على الخلافة الإسلامية أولاً تحت دعاوى يقبلها المسلمون في بقاع الأرض خوفا من أن يعلن الخليفة العثماني الجهاد فتهب كل الشعوب الإسلامية للاستجابة للنداء.
ساعدت الظروف وأتاحت الفرصة أمام الإنجليز لبث بذور الخلاف بين العرب المسلمين والخلافة الإسلامية أو هو بمعنى أدق استغلال شعار القومية العربية ضد شعار الخلافة الإسلامية. وقد استخدمته بريطانيا في الوقت المناسب عندما وصلت جمعية الاتحاد والترقى (التي كان مقرها منذ نشأتها في لندن) إلى الحكم في تركيا وبدأت في تتريك المستعمرات العثمانية (الأقاليم والدول التابعة لها) وحلت اللغة التركية محل اللغة العربية وقد خشي العرب من ضياع لغتهم ودينهم.
حينئذ بدأت بريطانيا في تأجيج مشاعر الثورة والتمرد لدى الشريف حسين باعتباره رجلاً من نسل الرسول (صلى الله عليه وعلى آله) وإعلانه الثورة والتمرد أثناء الحرب العالمية الأولى سوف يساعد بريطانيا في إجبار الجيوش التركية في الإبقاء على قواتها داخل مستعمراتها حتّى تمهد الطريق أمام بريطانيا لإعادة صياغة العالم وفق أهدافها، وبالفعل استطاعت بريطانيا تنفيذ مخططها والقضاء على الخلافة الإسلامية وأصبح الأمر سهلاً في الشروع في إقامة الدولة اليهودية.
وإذا كانت بريطانيا قد استخدمت شعار القومية العربية ضد الخلافة الإسلامية، إلا أنها عادت واستخدمت شعار الخلافة الإسلامية ضد القومية العربية عندما رفض الشريف حسين تنفيذ مطالبها في إقامة دولة اليهود على أرض فلسطين، فكان الحل هو القضاء عليه.
ولكن مثل هذا القضاء لابد أن تكون بريطانيا بعيدة عنه كل البعد لأسباب عديدة، لعل أهمها أن الرجل من نسل الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم). ولا تجرؤ بريطانيا على المساس به بالإضافة إلى اشتعال الثورات في العديد من المستعمرات البريطانية، فكان الحل هو خلق صراع عربي خالص تظهر فيه بريطانيا وكأنها بعيدة عنه. ووجدت بريطانيا ضالتها المنشودة في أسرة آل سعود التي كانت تبحث عن دور في الجزيرة العربية أياً كان المقابل الذي تقدمه.
وبالفعل استطاعت بريطانيا أن تجعل من آل سعود دمية في يدها يؤمرون فينفذون وتطور دورها إلى جعلهم يلعبون دور( بابا الإسلام) فكانت بدايتهم هي القضاء على قوات الشريف حسين، وذلك بشن ثلاث هجمات في وقت واحد في أغسطس عام 1924، على شرق الأردن والعراق و الحجاز، للحد من قوة الشريف باعتباره القوة العربية الوحيدة المؤهلة للحرب والمتحدث باسم العرب، و قد كان ابن سعود عرض عمالته على إنجلترا و أرسل رسالة إلى المسؤول البريطاني في بغداد قال فيها:
(الشريف) حسين، وفيصل وابن رشيد، وشيخ الكويت يتظاهرون بالصداقة لا نجلترا، ولكنهم يعملون جاهدين ضد مصالحها. ادعموني فأضمن لكم ألا أخلق مكائد معادية لانجلترا بين العرب (الطموحين؟).. شيخ الكويت يفاوضني في العلن، بينما يخطط سراْ لتدميري.. أنتم تسبغون الألقاب والأرض الغنية على أصدقائكم، وأنا صديقكم الوفي، يظل أفقر مما كان في أي يوم من الأيام.. أرجو السعي لدى حكومة صاحبة الجلالة لزيادة راتب الدعم وزيادة دعمها المالي لي (E 10220/9/44 تاريخ 23 /8/1920 ).
ومع مرور الأيام حولوا الأماكن المقدسة إلى إذاعة للدعوة إلى بريطانيا وعندما أيقن أهل فلسطين أن عدوهم الحقيقي هو الإنجليز وثاروا عليهم ثورتهم المشهورة في عام 1936. وبدأت بريطانيا تعيد حساباتها وفكرت في التخلص من مساندة اليهود وتركهم يواجهون مصير الموت نتيجة الضغوط التي هددت مستعمراتها في الهند وأفريقيا.
تدخل عبد العزيز آل سعود ليلعب أخطر دور في التاريخ الحديث وخداع أهل فلسطين من فوق منبر الحرمين، ووجه نداء باعتباره (بابا للإسلام) وكان فحواه أن أهل فلسطين عليهم أن يصدقوه أنه في حالة إيقاف ثورتهم سوف يساعده ذلك على إلزام بريطانيا بالتخلي عن اليهود وطردهم من الأراضي العربية.
وقد تعهد بتنفيذ كافة المطالب الفلسطينية ومنها طرد اليهود، وعندما استجاب الفلسطينيون للنداء كان رد الفعل البريطاني أنها لم تطلب من أحد التدخل وأن آل سعود تدخلوا طواعية ولم ينته الدور السعودي عند هذا الحد، فعندما قامت الحرب العالمية الثانية وكان هتلر على الأبواب حول آل سعود الأراضي الحجازية إلى محطات تموين لقوات الحلفاء بالإضافة إلى إقامة قواعد عسكرية للقوات، وعندما انتهت الحرب وتخلت بريطانيا عن دور الحاكم الأوحد للعالم غيَّر آل سعود قبلتهم إلى ناحية أمريكا ليلعبوا نفس الدور حتّى إعلان قيام دولة اليهود، واستمر دور آل سعود الخيانى للعرب والمسلمين منذ النشأة وحتى اليوم وما سبق ونشر وعرفه الناس هو اقل بكثير مما لم ينشر ولم يلقى عليه الضوء حتى الآن.
وفى هذا البحث ..رسالة إلى الأمة جميعا تحمل عنوان " آل سعود ودورهم في إقامة الدولة الصهيونية "والبحث الذي بين أيديكم يحدثكم كيف أن الإنجليز جعلوا من آل سعود رديفا احتياطيا للشريف حسين (وهذا هو الموضوع الأول) حتى إذا ما خرج عن الخط والمنهج فإن البديل موجود وحاضر وجاهز للقيام بأي دور حتى وإن كان هذا الدور خيانة الله ورسوله، الهدف الإنجليزي كان إنشاء كيان يرعى مصالحه بشكل إستراتيجي فكانت إسرائيل والجائزة التي جعلها الإنجليز لمن يتعاون ويتفانى في خدمتهم هي الحجاز (الجائزة الكبرى) وهذا هو العنوان الثاني، أما العنوان الثالث فهو عن العلاقات السعودية الإسرائيلية، واخيرا شهادات تاريخية تثبت ومن وجهت نظر الباحث المحور الرئيسي للدراسة وهو عنوانها ..
ونسأل الله التيسير والسداد
|