|
المخطط الإنجليزي للسيطرة على الشرق عن طريق زرع كيان غريب مختلف عن المحيط اللغوي والعقائدي لسكان هذه المنطقة، كان يتطلب معونة من أحد حكامها في المنطقة، وقد رأت إنجلترا في أسرة الشريف حسين خير معين لها في تحقيق سياستها المستقبلية، بيد أنها رأت أنه من المفيد أن يكون هناك بديل لهذه الأسرة ، في حالة رفض هذا المشروع، وخاصة أن هذه الأسرة لها شرعية أصلية وأصيلة في حكم هذا البلاد، وعدم قبول مشروع كمشروع الدولة الصهيونية في فلسطين، نظرا لعدة اعتبارات أهمها أن هذه الأسرة متحدرة من نسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الآخر أن فلسطين بقعة عزيزة وغالية عند العرب والمسلمين، ومن العسير الانصياع في التفريط فيها، وتركها ليس للإنجليز، ولكن لليهود(!!)، وكان الحل هو البحث عن أداة لتنفيذ هذا المخطط.
كان عبد العزيز آل سعود رجل كل المناسبات والذي يقبل القيام بأي دور في مقابل استعادة عرش أجداده (المزعوم)، وهذا الاختيار لم يأت من فراغ فهناك علاقة بين بريطانيا وتلك الأسرة والتي علا نجمها وبدأت في الظهور كقوة منذ عام 1745، منذ أن بدأ التحالف بين أمير الدرعية محمد بن سعود (جد عبد العزيز)، ومحمد بن عبد الوهاب، والقصة تبدأ منذ أن بدأ محمد بن عبد الوهاب في نشر وجهت نظره (دعوته) بعد عودته من البصرة، وقد سببت آراؤه إزعاجا للعلماء والمشايخ في منطقة العينية بالجزيرة العربية لمهاجمته (ابن عبد الوهاب) السنن والمناهج الفقهية لكافة المدارس العقائدية و الفقهية، وتكفير وتخطئة العلماء قبل العامة.
الأمر الذي اعتبره العلماء والمشايخ بداية لفتنة جديدة لن تنتهي، وخوفاً من هذه الفتنة التي يبثها هذا الموتور المدعى للعلم والفهم الكامل للدين، وعليه فقد طالب السادة الإشراف وعلماء المذاهب والقضاة، عثمان بن معمر حاكم العينية بطرده لانتشار آرائه وحركته لدرجة تهديد حاكم الإحساء بوقف المعونة المالية عن حاكم العينية، وأمام هذا الضغط اضطر عثمان بن معمر إلى طرد محمد بن عبد الوهاب والذي لم يجد مكاناً يلجأ إليه سوى الدرعية مسقط رأس آل سعود (الأمير الطامح)، وعندما وصل إلى الدرعية زاره محمد بن سعود واشترط عليه عدم مغادرة الدرعية وعدم معارضته في فرض ضرائب مقابل السماح له بالإقامة. وقد وافق ابن عبد الوهاب على الأولى ولم يعط إجابة في الثانية.
ومنذ ذلك التاريخ وجد كل من الطرفين ضالته المنشودة، فالشيخ أصبح له مكان مستقر يساعده في نشر دعوته وآل سعود وجدوا فيه المبرر لتنفيذ أحلامهم السياسية (هذا غير الدور الإنجليزي في تنشئة كلا منهما ودفع كل واحد لمقابلة الآخر والتحالف معه)، فالعلاقة بين الحركات السياسية والدينية علاقة تبادلية. فالحركة الدينية تسعى دائما لطلب الحماية في مقابل تقديم المبرر الشرعي في تنفيذ سياساتها.
من هذه العلاقة بدأ نجم آل سعود يعلو وبدأ نفوذهم السياسي يمتد إلى القبائل المجاورة بعد أن اعتنق الكثيرون آراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصبح أعداء الوهابية أعداء الإسلام، وبذلك نجحت الحركة وتحولت إلى أيديولوجية دولة حيث أتاحت لعبد الوهاب الدعم والحماية وقدمت لابن سعود الأيديولوجية والأتباع لتنفيذ أهدافه.
ومن هنا بدأ آل سعود في تأسيس أول دولة لهم في عام 1795 عندما تمكنوا من القضاء على دولة بني خالد في منطقة الإحساء. وفي هذا الوقت كانت علاقة بريطانيا بآل سعود علاقة لا تأخذ أي شكل رسمي سواء من ناحية العداء أو السلم فالإنجليز كانوا يتجنبون الصدام مع الوهابيين طالما كان بريدهم الصحراوي يسير في أمان، ولكن هذه العلاقة تدهورت عندما قرر الوهابيون مهاجمة الكويت والتي كانت بريطانيا قد نقلت إليها مقر بريد شركة الهند الشرقية ولكن قبل وصول الوهابيين كان "نايستي" رئيس الوكالة في شركة الهند قد تمكن من إنزال طرادين بريطانيين إلى بر الكويت لرد هذا الهجوم.
وأحدث هذا الهجوم خسائر كبيرة للوهابيين وعزموا على مواصلة الهجوم على البريد الإنجليزي وارتفعت حدة العداء وأحس الإنجليز بالخطر عندما اعتنقت قبيلة القواسم التي كانت تحترف أعمال القرصنة في المنطقة العربية العقيدة الوهابية وأصبحت أعمال السلب والقرصنة نوعا من الجهاد بعد أن قرر زعيم القواسم تأدية خُمس الغنيمة إلى الحاكم الوهابي "آل سعود"، ومع مرور الأيام أصبحت مهاجمة القواسم للسفن في منطقة الخليج لا تهدد إنجلترا فحسب بل أصبحت تهدد أيضاً الخليفة العثماني والذي كان خادما للحرمين ومثل هذه الأمور تقلل من مكانته وسط المسلمين.
الأمر الذي دفع الخليفة العثماني إلى تكليف الوالي "محمد علي" حاكم مصر للقيام بحملة تأديبية للقضاء على الوهابية وعندما بدأت قوات محمد علي في التحرك ناحية الجزيرة هرع الأمير سعود بن عبد العزيز إلى المفوض البريطاني في منطقة بوشهر ليخبره أنه منع أتباعه من مهاجمة سفن بريطانيا، ولكن بريطانيا رفضت أن تبرم معه أية معاهدات بعد أن لاحظت أن قوات محمد علي في طريقها إلى سحق الوهابيين وقبل وصول قوات محمد علي إلى معقل آل سعود كان سعود بن عبد العزيز قد توفى وخلفه ابنه عبد الله.
وفي عام 1814 وصلت قوات محمد علي إلى الدرعية حيث استسلم عبد الله بن سعود إلى قوات إبراهيم باشا حيث تم اقتياده إلى مقر الخلافة العثمانية وأعدم بعد أن شهر به لمدة ثلاثة أيام وبإعدامه انهارت أول دولة لأسرة آل سعود وظهرت الدولة الثانية لآل سعود عقب اتساع نفوذ أسرة محمد علي بعد أن تمكن إبراهيم باشا من توحيد الإمارات العربية بشكل لا يتفق مع مصالح بريطانيا في منطقة الخليج وزاد من خوف بريطانيا على مصالحها رفض المصريين التعامل أو الدخول في اتفاقيات ثنائية مع بريطانيا.
حدث هذا في وقت بدأت بشائر تمرد محمد علي على الخلافة العثمانية تظهر، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى تحريك الأسطول البريطاني في مواجهة خور شيد باشا القائد المصري لمنعه من الاستمرار في التقدم وتوحيد الإمارات العربية لدرجة أن بريطانيا توسطت للخليفة العثماني للإفراج عن "تركي" ابن عبد الله بن سعود من السجن المصري في الوقت الذي كانت القوات المصرية قد دمرت الدرعية وتركت إقليم نجد بلا حاكم.
الأمر الذي أحدث نوعاً من الفوضى حتّى ظهر رجل يدعى محمد بن معمر استغل هذه الفوضى وأجبر غبوش أغا الحاكم العثماني على تولية منصب \"إمارة نجد\" وهذا الحكم لم يدم طويلا عقب الإفراج عن تركي بن عبد الله والذي عاد ليؤسس الدولة السعودية الثانية، حيث بدأ في إعداد وتنظيم الفلول الهاربة من الوهابيين حيث تمكن من قتل محمد بن معمر والاستيلاء على الحكم لتقام بذلك الدولة السعودية الثانية.
ولكن هذه الدولة لم تدم كثيرا بعدما قرر فيصل ابن تركي الوقوف أمام محاولات خورشيد باشا توسيع النفوذ المصري على منطقة الجزيرة العربية بإيعاز من بريطانيا، والتي قررت دعمه لمنع توسيع النفوذ المصري والذي كان يرى أن ظهور إمارة جديدة لآل سعود سوف يحول دون توسيع النفوذ المصري.
وفشلت محاولات خورشيد باشا في إقناع فيصل بن تركي بالوقوف معه ضد الإنجليز ولكن تجربة السجن علمته هو وأسرته أن الالتصاق بدولة قوية هو السبيل الوحيد للاستمرار في الإمارة والحكم ورفض التحالف مع محمد علي.
ويعد فيصل أول حاكم في أسرة آل سعود يستطيع إبرام اتفاق مع بريطانيا لمنع أعمال السلب والنهب كما أنه أول حاكم يستطيع التعهد لبريطانيا بالتوسط بينها وبين الأمراء العرب لإقامة علاقات ودية.
لذا فقد أحدث الدعم البريطاني إلى فيصل زيادة العداء بين خورشيد باشا وفيصل، الأمر الذي أدى إلى صدام بينهما انتهى هذا الصدام بموت فيصل وحدوث خلافات حول تولي الإمارة بين ابنيه سعود وعبد الله، والذي انتهى بانهيار الدولة الثانية عام "1885 " ورحيل الأسرة كلها إلى الكويت لتقيم في ضيافة مبارك الصباح.. ومن هناك تبدأ صفحة جديدة من صفحات أسرة آل سعود وهي المرحلة الخاصة بتأسيس الدولة الثالثة وهي الموجودة حتّى الآن.
|