|
قبل ان ندخل في تفاصيل ما صدر عن القمة بعد ذلك، وهو معروف، نطمئنكم أن "مئات هذه المنظمات التي تمثلها المؤتمرات الثلاثة لم تطلب من القادة في الأساس أكثر مما قرّروا.
لم تحاول رفع سقف مطالبهم ولو قدر بوصة واحدة، بل نزلت بهم ومعهم إلى أدنى من المعتاد في القمم التراجعية السابقة، إلى درجة أنها تناقضت مع نفسها واطروحاتها السياسية وتحليلها للوضع العربي القائم من مختلف وجوهه.
ولعلّ أبرز مثل يمكن إيراده على هذا التناقض مقارنة موقف المنسق العام للمؤتمر القومي الإسلامي منير شفيق، أحد الموقعين على هذه الرسالة الإنشائية المهذبة التي تدعو لتحقيق الأمن القومي العربي مع موقف مساعده الأول اللواء طلعت مسلم، فيما يتعلق بالتحذير من الخرق القائم الآن للأمن القومي العربي.
ففي رسالة وجّهها مسلم إلى أعضاء المؤتمر الإسلامي في 15 نيسان الماضي 2006، لفت الرجل بكلام محدّد وغير عمومي ولا التفافي انتباه رفاقه إلى ما حصل في مؤتمر حوار المتوسط- وهو المنبثق عن حلف شمال الأطلسي- الذي عقد في مدينة الرباط بين 6و7 نيسان الماضي، حيث طلبت كل من الجزائر والمغرب والكيان الصهيوني- كما يقول مسلم بالحرف- المشاركة فيما يسمى بعملية " السعي النشيط" (الأميركية- الأطلسية) وهي خطوة جديدة في الابتعاد عن الأمن القومي واللحاق بأمن الأخرين.
أي بعبارة أخرى: إدارة الظهر رسمياً لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، والتوجّه نحو الانضمام إلى تنظيم دفاعي آخر على النقيض منه في الأهداف والتوجهات، وهو ما عبّر عنه في تلك اللحظة- والكلام للواء مسلم أيضا- وجود ممثلين عن الكيان الصهيوني في صدارة الجالسين مع ممثلي ست دول عربية في العاصمة المغربية! ولفت الانتباه في الرسالة نفسها إلى انخراط أربع دول خليجية في اتفاقية تهدف إلى تحقيق أعلى مستوى من التعاون بين حلف شمال الأطلسي ودول "الشرق الأوسط الكبير"، الذي كان الحديث عنه الشغل الشاغل لحكامنا وسياسيينا.
لماذا تراجعت القمة؟
وبالعودة الى مؤتمر القمة والموضوع الأساس الذي كان مطروحاً عليه، وهو تغيير "المبادرة العربية للسلام" أو تعديلها، وفق ما اتّفق عليه بين ادارة بوش وحكومة ال سعود ممثلة بالأمير بندر بن سلطان، فقد فوجئت القمة قبل انعقادها بفترة أن النهج الرافض لهذه المبادرة من أساسها قد اكتسب أنصاراً جدداً له تمثّلوا بكل الذين أعلنوا رفضهم القاطع لتغييرها أو تعديلها.
بعد أن وصلتهم أنباء مؤكدة عن لقاءات وتحركات الأمير تنفيذاً لهذه المهمة، ولم تقم المملكة ولا هو شخصياً بنفيها أو الردّ عليها.
وللأسف الشديد – مرة أخرى- فإن مئات الأحزاب والمنظمات والشخصيات المشاركة في المؤتمرات الثلاثة وأمثالها من التي تحرص على بقاء شعرة معاوية مع الأنظمة بشكل خاص، لم تكن بين الذين وقفوا بصلابة ووضوح من هذه القضية، ولم تعلن رفضها للتغيير أو التبديل!
ولكن الموقف الشعبي العربي الحقيقي غير الممثل بقيادات "بارومترية"، والأقلام المتشنجة – من أمثالنا – خلقا جوّاً استبق "مفاجأة" القمة، وكشف سرّها الأساس قبل انعقادها، فكان لزاماً على "طوال العمر" اعتماد اخراج جديد للمشروع التسووي العربي، بتنسيق لا شك فيه مع الدولة الأكبر.
وفي هذا السياق لا خارجه جاء كلام الملك عبد الله الواضح هذه المرة عن وقوع العراق تحت الاحتلال الأجنبي. وإن لم يطالب " الأصدقاء الأميركان" بضرورة وضع جدول زمني لانسحابهم الموعود منذ زمن، كما جاء قرار القمة برفض تغيير المبادرة أو تعديلها قبل أن تجيب عليها اسرائيل ، باعتبارها المعنيّة الأساسية بالموضوع.
أي أن السبب الوحيد الكامن وراء عدم تنفيذها "الاجراء المطلوب" يعود الى عدم ردّ اسرائيل عليها!
وباختصار أكثر: إذا ردّت اسرائيل فسيردّ العرب وسيتعاملون مع مطالبها بايجابية طبعاً. وانطلاقاً من هذه النقطة فقد جاء قرار الحكام منسجماً مع مقولة "الرفض في معرض القبول"، وجاء حديث بعض المسؤولين مضحكاً حول ضرورة تفعيل المبادرة عن طريق تثبيتها في وثائق الأمم المتحدة بعد مضي خمس سنوات على القائها في سلة المهملات الاسرائيلية، وكأن هذه المنظمة ومعها كل الشرعية الدولية القائمة في هذه الأيام يُمكن أن تحرّك شعرة في الموقف الأميركي – الاسرائيلي، أو كأن لهذه الشرعية أي احترام لدى "الطرف الآخر" الذي لم يعبأ بعشرات القرارات الدولية التي صدرت بحقه!
هل يذهب "جلالته" الى القدس؟!
الى هنا انتهت صحفة، وفتحت صفحة أخرى تحتوي الكثير من التوقعات والتساؤلات التي يطرحها الأذكياء والخبثاء معاً: هل يأتي أولمرت – الذي رأى قرارات القمة خطوة الى الأمام لا أكثر – الى الرياض لتفعيل قراراتها؟ أم يلتقي بخادم الحرمين في شرم الشيخ؟
هل يذهب "طال عمره" الى القدس على طريقة السادات، كما نصحه بذلك الكاتب الأميركي الأشهر في عالم المخابرات والخيوط المتشابكة توماس فريدمان، تحت ستار الصلاة في المسجد الأقصى، وليس نزولاً عند رغبة هذا الصحافي الوحيد الذي خصّه الملك – يوم كان ولياً للعهد- بسرّ المبادرة" قبل الاعلان عنها، أم يُكلّف الأمير الديناميكي بهذه المهمة العربية – الأميركية – الاسرائيلية؟
|