خادم الحرمين على خطى السادات (ج1)

 

   بعد شهر على انعقاد قمة الرياض ، قرر وزراء الخارجية العرب تشكيل لجنة لتسويق "مبادرة السلام" التي لم يلق تسويقها الشهر الماضي سوقا رائجة لدى الكيان الصهيوني ! وكُلّفت كل من مصر والأردن ـ نظرا لوجود علاقات رسمية لهما مع "اسرائيل" ـ الإتصال بها لحثّها على التعاطي الإيجابي مع هذه المبادرة و"التلطّف" بالإجابة عليها !!
هذا كل ما استطاعت إنجازه قمة الرياض حتى الآن ، ولن تستطيع اكثر غير المزيد من الإستجداء المذل ، رغم كل ما وفرته عائلة ال سعود لها من تهويل إعلامي جُند له جيش من "الكتبة" والصحف والفضائيات من اجل تصويرها على أنها أكثر القمم تميزا وجديّة من سابقاتها، إلى درجة أن كل الملوك والرؤساء والأمراء لم يخرجوا عن "النص الرسمي" الذي توافقوا عليه، ولم يُلق أحد منهم كلمته ارتجالياً كما كان يجري في السابق، بل التزموا بقراءة كلماتهم "المدروسة" والمختصرة والتي لا تثير أدنى خلاف أو حتى اختلاف.
 وكان وصف الأمير سعود الفيصل دقيقاً لهذه الحال بقوله أن القادة العرب لم يختلفوا على أي بند طُرح، ولا سيما "المبادرة العربية"! أما "شهادة" أمير دولة الكويت العظمى فقد جاءت لتحسم الموقف من حقيقة "تميّز" هذه القمة وحال الأمّة بأكملها، حين قال "إنها من أنجح القمم العربية وأفضلها"! مؤكداّ على "الإدارة الحاسمة لخادم الحرمين التي لم تسمح بأن يكون هناك أي مجال للدخول في الجدل (يعني الحوار!) خلال جلساتها، فيما يتعلق بالمواضيع المطروحة على القادة، وخاصة مبادرة السلام العربية!!
إذا كان هذا الوجه الظاهر والمفضوح من القمة كما أفصح عنه أمير دولة الكويت العظمى ، فما هو الوجه المخفي؟ ماذا جرى في الكواليس، ولأي هدف أبعد من حدود "التفعيل والتسويق" جاء اتفاق الحكام، وهل اختلفت هذه القمة عن سواها من مسلسل القمم السابقة؟ هوان زائد إذا استثنينا قمتي الخرطوم 1968، وبغداد 1981، فإن سائر القمم الأخرى من انشاص إلى الرياض كانت مسلسلاً من العجز والتراجع. فقمة الخرطوم مثلت الاستثناء الأول باتخاذها قرار اللاءات الثلاث الرافضة للصلح والتفاوض والاعتراف بدفعٍ من مصر عبد الناصر رداً على هزيمة حزيران.
وقمة بغداد مثّلت الاستثناء الثاني في اتخاذ القرار الحاسم بمحاسبة من خرج عن هذه اللاءات.
 عندما قررت مقاطعة نظام السادات وعدم الإعتراف بكامب ديفيد وإفرازاته، ونقلت مقرّ الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين مصر الرسمية ومصر الشعب، وكان ذلك بدفع من عراق صدام حسين، ومعسكر "الصمود والتصدّي" الذي أفرزته خطوة السادات بزيارة إسرائيل وما تلاها من خطوات.
 هذه حقائق لا يمكن تجاهلها من قبل أي منصف، ومع ذلك، خرجت علينا في الأيام الأخيرة مجموعة من صحافيي البرميل الأسود تُنظّر بأسلوب نفاقيّ مدفوع الثمن حول تميز قمة الرياض قبل انعقادها، لمجرد أنها تُعقد في الرياض "!" فمنهم من رآها قمة التعقّل والحكمة، ومنهم من اعتبرها قمة الإعتدال والتواضع في المطالب والمواقف، ومنهم من وصفها بقمّة الجرأة، كما ورد على لسان وزير إعلام عربي سابق في الشرق الأوسط ، الذي ذهب إلى ابعد من ذلك بكثير بعد أن "قلّب" رأيه المتقّلب حسب مردود البرميل، فقال بالنص (لاحظوا موضوعية بعض وزرائنا ودقّتهم): " رئيس الوزراء الإسرائيلي شعر بالخطر الحقيقي الذي بدأ يتهدّد إسرائيل في ضوء ما أنجزته قمة الرياض.
 والحقيقة أن ما أصاب إسرائيل بالرعب جعل رئيس وزرائها يهرول للإعلان عن نقاط ايجابية في المبادرة"! طبعاً لم يخل الأمر من شرفاء، فنفاق الوزير السابق قابله رأي لـِ "صحافي عادي" في صحيفة أخرى لم يرَ الرعب ولا الهرولة، بل لخّصه بالقول:" إن الغزل الإسرائيلي – الكلامي- للرياض بديل عن القبول بالمبادرة العربية، لأن ما يّهم إسرائيل فيها إلغاء حق العودة".
ظاهرة الأُجراء هذا التناقض الحاد في التعبير عن حدث لا يحتمل جهداً كبيراً في تقييمه إذا تخلّينا عن هوى المصالح، عرّى بشكل أكثر إنفضاحاً من الماضي حقيقة أن الرأي في بلادنا لم يعد تعبيراً عن التزام بموقف أو مبدأ- إلا في النادر القليل-، بل تعبيراً عن ولاء "الأجير" لولي نعمته، سواء أكان "صاحب" فضائية، أم صحيفة، أم موقعاً الكترونياً، تتساوى في ذلك قناة "الحّرة" مع العربية، مع صحيفة عكاظ فالسياسة والشرق الأوسط.. إلى آخر منتجات البرميل الأسود.
 والمصيبة أن هذه الحالة المؤسفة في الإنحدار الإعلامي لا تعكس إلا الجانب الرسمي المتمثّل بعلاقة المستأجر بالأجير، أما الجانب الآخر منها – وهو الأكثر خطراً- فلا يعكسه هؤلاء الأجراء والعبيد وحدهم، بل نخبة من المثقفين الذين يتظاهرون بالموضوعية، ويسعون إلى التوفيق بين القاتل والضحية، ومصالحة الحاكم المرتبط مع شعبه المكبّل، كما قرأنا على ألسنة البعض، وكان من بينهم- مع الأسف- ما سمي بـ "المؤتمرات الثلاث" التي وجهت إلى القمة رسالة مثقلة بعبارات التطلع والرجاء المأمول من "أصحاب الجلاله والسيادة الملوك والرؤساء العرب"، وقد وقعّها كل من الأمين العام للمؤتمر القومي العربي/ خالد السفياني، والمنسّق العام للمؤتمر القومي- الإسلامي/ منير شفيق، والأمين العام للأحزاب العربية/ عبد العزيز السيد.
نقول مع الأسف، لأن الموقعين على هذه الرسالة شخصيات معروفة ومحترمة، وقد بدأوها بقولهم أنهم يمثلون مئات المنظمات والأحزاب والشخصيات والنقابات وفعاليات المجتمع المدني.. الخ!، ومع ذلك لم تجد هذه "الأرضية الشعبية العريضة!" مطالب تعلو عن السقف الأدنى للأنظمة كي توجهها للقمة، باستثناء طلب عدم الضغط على الفلسطينيين لتقديم تنازلات مجانية. فعدا عن أسلوبها السردي التاريخي الممل ومقدمتها الإنشائية المطّاطة، وتفاصيلها الأكثر من معروفة، والمعادة على السنة الأمّيين، اكتفت رسالة الذين يمثلون "مئات المنظمات الجماهيرية" بعد ذلك مباشرة بدعوة القّمة إلى إنجاح مساعي ال سعود في الحوار اللبناني- اللبناني، بعد أن شجعهم على ذلك "تلك الخطوات الناجحة التي بادرت إليها المملكة "!".
 ثم دعوتها ثانياً إلى الاحتكام لصناديق الإقتراع في العراق بين أحزاب تمثل الشعب كله وليس على أساس طائفي وتقسيمي، بعد رحيل الاحتلال، وهي عبارة مطاطة الإطار والمعنى، في ظل الوضع الذي يحاول الاحتلال تكريسه حتى بعد رحيله. وفي ظل نكران أي طرف انه يقوم على أساس طائفي او عرقي أو تقسيمي لها بدءاً من حزب "الدعوة" وميليشياته وانتهاء بالحزبين الكرديين مروراً بالجلبي ومقتدى الصدر وغيرهم.
 وتتضمن الرسالة الموجهة إلى القمة بعد ذلك "مناشدات أقلّ أهمية" حول مشاكل السودان والصومال والصراعات المذهبية والطائفية..، وصولاً إلى مناشدة الأنظمة المشاركة في القمة تحقيق المصالحة مع شعوبها.. والعمل – أخيراً- على "تحقيق الأمن القومي العربي الذي هو شرط لتحقيق الأمن لكل قطر".

 

 

 

 

 

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004