|
يزعم دعاة الإستبداد بأن الديمقراطية واحترام حقوق المواطن والقبول بالتعددية تؤدي ـ في غياب مؤسسات المجتمع المدني ـ الى وصول (الإسلاميين) الى الحكم.. وهذا السبب وحده كافٍ ـ من وجهة نظرهم ـ للمضي في سياسة القمع والديكتاتورية.
ومثل هذه المقولة تتقولب في كل بلد بشكل مختلف، وتتغير بتغير الزمان وتبدّل الخطر.
فالديمقراطية كانت مرفوضة عند الغرب إبان الحرب الباردة، لأنها تأتي بالشيوعيين، مثلما أتت ـ كما يقولون ـ بسلفادور اللندي وغيره في دول أميركا اللاتينية والوسطى.
المهم، هو أن مهندسي الحريات والديمقراطية في الغرب، لا يريدون أن تستخدم الآلة التي ابتدعوها (وهي الديمقراطية) لوصول جماعات لا يرغبون في الوصول إليها، إما لسياساتها الإقتصادية التي تضرّ بمصالحهم، أو لسبب تكوين هذه الجماعات الأيديولوجي.
ومن هنا، كان لا بدّ أن نصل الى المفارقة العجيبة والغريبة، وهي أن دول الغرب الديمقراطية، أصبحت أكثر عداءً للديمقراطية من غيرها، وأنها أكثر من دعم الأنظمة المستبدة في دول العالم الثالث.
بمعنى آخر، أن الدعوة الى الديمقراطية لن تكون مقبولة إلاّ إذا جاءت ضمن نطاق وفي سياق المصالح الغربية، وضمن الإستراتيجية الغربية وصراعها الكوني، أولاً مع الشيوعية، وثانياً مع ما سُمي بالخطر الإسلامي، أو الإرهاب والأصولية الإسلامية.
فالديمقراطية مقبولة ما لم يكن فيها (إسلاميون) فائزون، أو ـ أحياناً ـ بين الفائزين.
وبالطبع، فإن الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة والغرب ـ خاصة في المنطقة العربية ـ ومن ورائهم الازلام، يحاولون ترسيخ فكرة أن زوال الأنظمة القائمة وفق عملية ديمقراطية لن يكون في صالح الغرب، وبالتالي فإن الإبقاء عليهم، يمثل إبقاءً للحصون الأولى المتقدّمة له، باعتبار أن البدائل (كلّها) لن تكون أفضل مما هو موجود في خدمة السياسة والمصالح الغربية. ونتيجة لذلك، بقيت أنظمتنا العربية متهورة في قمعها واستبدادها وفسادها، اعتماداً على ما توفره المظلّة الغربية من حماية وتغطية.
في حالة مملكة ال سعود، لم يطرح في الدوائر الغربية صانعة القرار، موضوع التغيير والإصلاح ـ وبجديّة ـ إلا مؤخراً، أي بعد أحداث نيويورك، وفي مواجهة ما أُسمي بالراديكالية الإسلامية، وكان لا بدّ من مناقشة وضع التيار الديني في المملكة ودوره في صناعة القرار، ومستقبله ضمن العملية التغييرية، وفي سياق الرؤية العامة لمستقبل المملكة التي نظر اليها الغربيون بأنها (شيطان) يجب شطبه وإلغاؤه، أو تدجينه بالأداة الديمقراطية إن أمكن.
مواجهة التطرّف الديني السلفي
حين ووجهت الإدارة الأميركية بأحداث سبتمبر، رأت أن الوقت قد حان لتغيير المملكة الحليفة، من باب الدفاع عن النفس ـ رغبة واضطراراً ـ بعد أن كان (اسلام ال سعود) النموذج الذي روجت له وامتدحته لعقود طويله، إما مقابل الإيديولوجيات القومية ـ الناصرية تحديداً ـ أو مقابل الإسلام الشيعي الإيراني المعادي في تكوينه للغرب والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل خاص.
الرأي الأول الذي جرّبه الأميركيون، هو محاولة الفصل بين الوهابية وآل سعود.
وهو رأي يستهوي الكثير من اللبراليين داخل المملكة، ويقوم على أساس أن الوهابية ـ بما تمثله من مؤسسات ومراكز قوى هائلة داخل الدولة ـ أضحت عبئاً على صانع القرار السياسي، وعلى المجتمع نفسه؛ وأن في إزاحتها أو فصلها عن الدولة، إضعاف لها، وتوسيع هامش حرية الحركة السياسية لصانع القرار والمواطن على حد سواء.
وجاءت الضغوط الكبيرة على العائلة المالكة، داخلية وخارجية، بهذا الإتجاه، ولكن المسؤولين، وخصوصاً الجناح المتطرف، بدا وقد استوعب تجربة وتاريخ المملكة، أن فصل الوهابية عن آل سعود، يشبه الى حد بعيد فصل التوأمتين الإيرانيتين، فنسبة النجاح قليلة، واحتمالات موتهما معاً ـ آل سعود والوهابية ـ أمرٌ محتمل الى أبعد الحدود! ولهذا لم تنسق العائلة المالكة في مواجهة شاملة مع الوهابية أو حتى تسعى لتقليص نفوذها، بعكس ما يتراءى ظاهرياً، فإن العائلة المالكة إن أخذت من مواقع المؤسسة الدينية من جانب، فإنها منحتهم إياها أو نظيرها من جانب آخر؛ ولعلّ ما يعكس واقع السياسة الرسمية هو الإعلام الحكومي نفسه الذي زيد من جرعاته (السلفية) حتى فاقت حدّ الإمتلاء.
استطاع امراء ال سعود مواجهة الضغوط بإقصاء الوهابية، وتساهلوا في تقديم بعض التنازلات ـ الشكلية حتى الآن ـ في موضوع المناهج والجمعيات الخيرية، دون التفريط في أصل العلاقة والتحالف مع الوهابيين الذي خدم الطرفين منذ أن قامت الدولة الحديثة، بل حتى قبل قيامها.
ومن هنا، لا يمكن لامراء ال سعود المجازفة بفصل التوأمين عن بعضهما نصرة لـ (الدولة وآل سعود)، وإن كان قلّة من السلفيين يرون ضرورة الفصل انتصاراً للمذهب.
إن التيار العام في الجانبين يرى استمرار التحالف، وهناك إدراك كاف من كليهما بأن القطيعة ستضرّ بهما معاً، مهما كان رأي كل طرف في الآخر.
الأمر الذي يمكن التنازل بشأنه هو تعديل طفيف في موازين القوى بين الطرفين يتناسب مع حجم التغيرات الداخلية والإقليمية والتحديات التي تواجهها المملكة.
هناك رأى آخر معاكس يلاقي صدىً بين أعضاء الكونغرس وفي مؤسستي الدفاع والأمن القومي، ويقوم على عدم الفصل بين آل سعود والمؤسسة الدينية الوهابية، وتحليل هذا الجناح يميل الى الإقتناع بأن السياسة والدين في المملكة لا يمكن الفصل بينهما، كما لا يمكن تحميل المؤسسة الدينية وحدها وزر أحداث سبتمبر وانتشار العنف في كل أصقاع العالم. ومن هنا كانت هناك مقترحات راديكالية من هذا الجناح، تقوم على إضعاف ـ إن لم يكن إزالة ـ حكم ال سعود برمّته، وكذلك تقسيم المملكة الى ثلاث دول.
وفي هذا السياق جاءت أقوال ريتشارد بيرل شبه العلنية بأن أيام العائلة المالكة باتت معدودة. وهناك ـ أيضاً ـ الكثير من الكتاب والمحللين الغربيين الذين لهم ميولهم السياسية المعروفة، ممن يعتقدون بهذه الآراء، لعلّ آخرهم روبرت بئير صاحب الدراسة المشهورة: سقوط البيت السعودي، والذي نشر في يوليو الماضي كتاباً بعنوان النوم مع الشيطان كرّس فيه نظرية التآمر بين الوهابية وآل سعود ضد أميركا ومصالحها وتالياً ضرورة التخلّص منهما معاً.
|