الاصلاح في مملكة آل سعود.... رؤية امريكية
 ج3

 

      ينبغي التشديد على أمور عدّة قد تفوت المراقب السياسي لحركة التغيير في المملكة:
أولاً ـ إن الإسلاميين (السلفيين) هم في الأصل جزء من المؤسسة الرسمية السياسية؛ فبعكس التيارات الإسلامية في الدول الأخرى الشرق أوسطية، فإن السلفيين جزءٌ من النظام السياسي القائم؛ وما تشهده المملكة يمثل تزاوجاً للإستبداد الديني والسياسي معاً.
 إن السلفيين جزءٌ فاعل في صناعة القرار، أو التأثير عليه، وهم لا يحتاجون الى شرعنة لإدخالهم اللعبة السياسية، بقدر ما يشرعنون الوضع السياسي القائم على المذهبية السلفية.
 ومن هنا تتضح الكذبة الكبيرة المتخفية وراء: هل يصل السلفيون الى الحكم؟ إذ أنهم فعلاً مشاركون أساسيون ـ وليسوا ثانويين ـ فيه.
 بيد أن السؤال المطروح لا يتعلق بإشراكهم، بل بحجم حصتهم؛ فهل يميل (السلفيون) كتيار الى الإستفراد بالسلطة وإقصاء العائلة المالكة؟.
 أحسب ـ فيما عدا فئة قليلة تمارس العنف المسلح ـ فإن أكثرية السلفيين يرون أن مصير الدعوة السلفية (الوهابية) مرتبط بمصير آل سعود. جلّ ما يريدونه، هو (إعادة التوازن) للتحالف الإستراتيجي بين المتحالفين، بحيث تمنح المزيد من السلطة للتيار الوهابي في تقرير مصير الدولة، بل والشكل الذي تأخذه، عبر مراجعة لاستراتيجياتها من جديد.
 ما نشهده اليوم بل ما شهدناه منذ مطلع التسعينيات، أي بعد الغزو العراقي للكويت، من محاولات سلفية سياسية، تمثل تعبيرات سياسية عن الحاجة الى مراجعة التحالف التاريخي بين الوهابية وآل سعود.. ذلك التحالف الذي أثبت قدرة مدهشة على الإستمرار، رغم كبواته المتكررة، وفشله في استيعاب الأفكار والوجوه والتوجهات الجديدة سواء بين السلفيين أنفسهم أو في إطار المملكة كلها. في البلاد العربية الأخرى، يدور النقاش حول شرعنة الحركات الإسلامية لتعمل تحت مظلّة القانون، كما في مصر ـ الإخوان المسلمون وغيرهم ـ؛ وفي المملكة يدور الجدل حول شرعنة التوجهات الإسلامية غير السلفية، أما السلفية نفسها، فهي شريك يبحث عن دور أكبر، أو يحاول استعادة دور يعتقد أنه خسره لصالح السلطة السياسية الممثلة في العائلة المالكة.
 لذا فإن من الخطأ بمكان الحديث عن مسألة الديمقراطية كنقطة افتراق بين السلفيين والعائلة المالكة، لأنّها ـ أي الديمقراطية ـ ليست مدار الخلاف بين المتحالفين، فكلاهما يرفضها، لأسباب سياسية مصلحيّة، قبل أن يلقى عليها غشاء الدين والتراث والمزاعم بالخصوصية. ثانياً ـ أمّا إذا فُرض التغيير والإصلاح على المتحالفين القابضين على السلطة اليوم، بضغط داخلي في الأساس، فإنه سيكون ضد مصلحتهما معاً، لأنه سيدخل لاعبين جدد الى الساحة السياسية يرفض القائمون الحاليون عليها إشراكهم فيها.
 من باب المبالغة الشديدة والجهل الكبير القول بأن السلفيين سيحتلون مقاعد البرلمان في أول انتخابات تجري في البلاد وحتى بين سكان نجد، فإن تياراً عريضاً لا يرى في التيار السلفي ممثلاً له، ومن هنا ستكون حصة التيار السلفي وفي أفضل الفروض لا تزيد عن 15% من الأصوات.
وهذا يهدينا الى حقيقة أن التيار السلفي يتمتع اليوم بحصّة تفوق حجمه الحقيقي، وأنه لا يعبّر عن التيار العريض في المملكة، وأن علو صوته لا يعود الى قوّة ذاتية بالضرورة، بقدر ما يعود الى حجم السلطة التي منحتها العائلة المالكة إيّاه، والتي تزيد في ظهوره الى الواجهة السياسية والإجتماعية، خاصة مع قمعه بسلطان الدولة وجبروتها وبإسم الدين الأصوات المخالفة له.
وسيتبدد الكثير من هذا السلطان في أول انتخابات تقوم في المملكة. إن تعاطف الشارع العربي مع كثير من الحركات الإسلامية، يعود الى عدم مصداقية الحكومات القائمة، والى تجبرها وظلمها لتلك الحركات وقمعها دونما مبررات، وإبعادها حتى عن الطرق السلمية للتعبير عن رأيها والوصول الى جمهورها.
 وهذا التعاطف المركب على بغض السلطات القائمة، وعلى ما يمكن تسميته بـ (مظلومية) تلك الحركات، كونها الأكثر تعرّضاً للقمع والإضطهاد، هو الذي يولّد لها شعبية مخيفة من أن أول انتخابات ـ على الأقل ـ قد تؤدي الى حيازتهم مقاعد كثيرة في البرلمان.
 وفضلاً عن هذا، فإن العملية الديمقراطية حين تبدأ، فإن الحركات الإسلامية تمتاز عن غيرها بوجود مؤسسات دينية تستطيع من خلالها حشد الأتباع، كما أن لديها قدرة فائقة على استخدام خطاب ديني ـ سياسي مبسّط للجمهور، له مقبولية واستيعاب وتأثير على الشارع.
 لكن الحالة الدينية في الجزيرة العربية مختلفة تماماً، فبسبب الإنقسام المذهبي الحادّ، وغياب خطاب إسلامي جامع، وقف تأثير كل مذهب عند حدود أتباعه، سواء في الحجاز أو الجنوب أو الشرق، وهذا يضع حدوداً للعبة السياسية الداخلية، مهما بالغ البعض في النفخ فيها.
 ثم إن التيار السلفي، يعتبر ـ بنظر الأكثرية ـ حليفاً للعائلة المالكة، وليس معادياً لها، وبالتالي فهو مستهدف من الخصوم بقدر استهداف رجال الحكم أنفسهم، واليوم يشنّع بتصرفاتهم مثلما يشنّع بأفعال الأمراء؛ وعلى هذا الأساس لن تكون هنالك ميزة إنتخابية للتيار السلفي، فهو سيأتي الى جمهور له موقف مسبق منه، كيف لا وقد جرّبه على مدى عقود طويلة، وتمت تعبئته ضد التصرفات الخاطئة الكثيرة التي ارتكبها.
 كما أن الأصوات التي أخمدها رجال الحكم لصالح السلفية ستظهر على السطح، وستُخلق منابر جديدة تناقس المنابر السلفية، سواء كانت تلك المنابر دينية غير سلفية أم مؤسسات مجتمع مدني تستطيع التعويض عمّا هو (سلفي).
وفي الجملة، فإن ما يهدد به من طوفان سلفي سينتج عن الإنتخابات او البدء باللعبة الديمقراطية ناتج في أحسن الحالات عن قراءة مغلوطة للخارطة السياسية والإجتماعية والدينية في المملكة، وفي أسوئها ناتج عن تعمّد وتضليل تقوم به العائلة المالكة لإعادة تسويق نفسها سياسياً لدى الغربيين بالدرجة الأولى.
 ثالثاً ـ هناك إرتباك لدى الإدارة الأميركية في كيفية الدفع بعملية التغيير السياسي في المملكة، فهي تريد ابتداءً ضرب التيار السلفي، العنفي على الأقل؛ وهي ثانية تريد خفض دور المؤسسة الدينية في الدولة؛ وهي تريد ثالثاً بعض الحريات التي يستفيد منها الجميع ـ دون السلفيين! ـ وهذا غير ممكن بالطبع، ورابعاً تريد البدء بإيجاد مؤسسات المجتمع المدني توازي المؤسسة الدينية الرسمية، دون المحلاظة أن تلك المؤسسات لا يمكن أن تظهر بدون قرار رسمي من أعلى المستويات، وهو غير متوفر حالياً، وأخيراً ـ وبعد أن يتحقّق كلّ هذا! ـ تريد الإنتخابات التي تأتي تفصيلاً ضمن المواصفات الأميركية! ترى أي أحمق يعتقد بأن هذا سيحدث ودونما أولويات محدّدة، ومع وجود ممانعة عنيفة من العائلة المالكة؟! يوازي هذا وجود إرتباك مماثل لدى النخب الإصلاحية في البلاد، فهي حتى الآن لا تعرف الطريق إلى التغيير السياسي، والآمال معلّقة على أن تدرك العائلة المالكة واقع البلاد والتغيير الجوهري الذي طرأ عليها وعلى علاقات العائلة المالكة بالأميركيين لكي تشرع في التغيير الحافظ على الدولة متماسكة.
لكن البدائل التي لدى هؤلاء الإصلاحيين باهظة الثمن، يبدو أن القليل منهم مستعدّ لدفعها...

 

 

 

 

 

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004