حفلة شواء على شرف مواطن

 

(قصة حقيقية) بعد انفجار الرياض بأيام , فؤجئت بمن يطرق باب الشقة طرقاً شديداً , فهرعت إلى عكازي وتوجهت لأفتح الباب .
 لم يمهلني طارقو بابي فكسروا الباب واقتحموا الشقة. ظننتهم عصابة من اللصوص , صحت فيهم , من أنتم, وماذا تريدون؟ وإذا أنا بأحد عشر نفرا من عناصر المباحث داهموني وانتشروا في أنحاء الشقة بعد أن وضعوا الأصفاد في يدي مرت ساعتان , وهم يفتشون كل شيء لم يتركوا شيئاً إلا قلبوه رأساً على عقب ولم يفتهم شيء حتى مواسير الحمام .
 ثم حملوا كل ما وقعت عليه أيديهم من كتب و أشرطة , وحملوني معهم مقيداً وانطلقوا بي في رحلة إلى الجحيم , استمرت ثمانية أشهر عانيت فيها من البؤس والشقاء مالم أتصور يوماً إمكان تكبده.
 انتهت السيارة أمام مبنى كبير , علمت أنه سجن الرويس حيث توجد إدارة المباحث عبرنا بوابته وطافت بأرجائه السيارة المقلة لنا وكأنما أرادت السلطات إكرامي بجولة سياحية في باحة هذا المجمع الضخم الذي نما بسرعة بعدما ألحقت به مؤخراً أجنحة إضافية لتستوعب ضحايا حملات الاعتقال المستمرة. أستلمني الحراس داخل السجن , وأنهوا إجراءات "الإيداع" الروتينية من تغيير الملابس ومصادرة كل ما بحوزتي من ممتلكات شخصية ثم نقلت إلى زنزانة صغيرة لا يزيد طولها عن متر ونصف وعرضها عن متر واحد حيث قضيت الشهور الثلاثة الأولى .
 لم يطل بي المقام بعد الوصول الأول , فإذا بي أقتاد إلى مكتب واحد , حيث المحقق أبو نايف الذي رقي حديثاً إلى رتبة لواء. ولعل الترقية جاءت إكراماً له على ما يبذله من تفان في إذاء عباد الله ومن تفنن في تعذيبهم .
تبين فيما بعد أن أبا نايف هذا هو أولى المحطات حيث تدار عمليات التحقيق التي يباشرها هو بنفسه , ثم يقرر فيما بعد تحويل المعتقل إلى ضابط آخر , مع استمرار المتابعة , أو يستنجد برئيسه مدير السجن اللواء زقزوق , الذي يفوقه بمراحل بما يتصف به من سادية واستمتاع بتعذيب وإيذاء الغير , كما يفوقه أيضا في بذاءة اللسان والجرأة على الدين والعرض .
 وقفت أمامه مقيد اليدين , وبينما وقف إلى جانبه ضابطان آخران تنطق وجوههم جميعاً بالعداء , سألني: لماذا قمت بعملية تفجير الرياض ؟ أنكرت صلتي بالعملية , وقلت-وكنت صادقاً بذلك- لا أعلم شيئاً عن الانفجار إلا ما سمعت من وسائل الإعلام , فانهالت علي الركلات واللكمات , ولم يبق موقع في جسدي إلا ناله نصيب من الأذى حتى تمزقت ملابسي علي ,كل هذا ويداي لا تزال مقيدتان , تعرى نصف جسدي , فتفتحت شهيتهم على لسع بدني بالسياط وأدوات ضرب لم اعرف ما هي , وطوال ساعات من الضرب , ظلوا يلحون علي بنفس السؤال لماذا قمت بتفجير الرياض ؟ وأنا لا أملك إلا الإنكار.
 أصبت بالإغماء من شدة ما لاقيت , وكلما حدث ذلك ألقوا علي الماء لأصحو من جديد , لم تعد رجلاي تحملاني فكنت أسقط على الأرض , ولولا أنهم كلوا وملوا لأجهزوا علي من يومهم ذاك , أمروا بحملي إلى الزنزانة , وهناك ألقى بي رجلان من الحراس فكنت كالجثة هامداً لا أقوي على الحركة.
أخذت في اليوم الثاني إلى التحقيق من جديد , وأعيد طرح السوال إياه علي مرات عديدة , وكلما أنكرت جد الجلادون في النيل من بدني , وقد تطورت هذه المرة أساليب تعذيبهم , فقد قيدت يداي إلى قضيب معدني أدخل تحت ركبتي , ثم علق القضيب فأصبحت كالذبيحة المعلقة للشواء , تحول التحقيق إلي حفلة تعذيب خاصة , وانهالت علي سياط وعصي ا لضباط من كل جهة , يجتمعون تارة ويتناوبون أخرى , يجاهدون في سبيل السلطان بسلخي , فلا يهم إطلاقاً أين تقع العصا , فكلي في عرفهم مستباح , وأنا لا أملك أن أرد شيئا من كيدهم , فأنا معلق , ورأسي مدلاً , تدور بي الأرض , وتوشك روحي أن تنفلت من عقالها مستجيرة بخالقها من هذه الوحوش , كنت أحسن حظاً من بعض المساجين الآخرين , الذين لم يبقوا عليهم شيئاً من ملابسهم , أثناء حفلات التعذيب بل قل الشواء , وكانوا رغم معاناة الضحية يعبثون بالأعضاء التناسلية ويدخلون في الدبر ماحلا لهم من أدوات كل ذلك , وهم يضحكون كما لو كانوا في جلسة سمر وتفكه. قضيت حفلة اليوم الثاني وأنا في حال أسوأ مما كنت عليه بعد حفلة الأمس .
 وتكررت الحفلات والجولات ،إلى أن يئس مني أبو نايف فحولني إلى رئيسه زقزوق بذيء اللسان كفري الألفاظ ، الذي لم يجد متعة سوى في السخرية من الدين وأهله ،يشتم الشريعة ويسفه العلماء والصالحين ،تتألم نفسي كلما تذكرت تحقيره لدين الله ووصفه الشرع بأفحش الكلام ،فقد كان ذلك والله أشد وقعاً علي مما لحق بي من تعذيب بدني ،إذ أنني كنت أشعر بعجزي عن الانتصار لدين الله في موقف وجب نصره .
وفي سيل شتائمه البذيئة،كان يهددني كل حين بالاعتداء جنسياً علي.بعد أن يئس المحققون من اعترافي بالضلوع في تفجير الرياض ،بدؤوا يلحون علي أن أعترف بأنني من أهل التكفير ،وبالتحديد من الذين لا يكتفون بتكفير الحكام ،بل يتعدون ذلك إلى تكفير العلماء والمجتمع بأسره .
كما حاولوا إكراهي على الاعتراف بتنفيذ عمليات مسلحة معينة ضد أهداف مدنية ، وعلمت فيما بعد عندما نقلت إلى الزنزانة الجماعية أن كل الشباب المعتقلين تقريباً تعرضوا للإكراه على الاعتراف بالتكفير والعمل المسلح .هذا فيما يتعلق بمواطني البلاد ،أما غير المواطنين فكانوا يخيرون بين أمرين ،إما الاعتراف بأنهم يعملون لصالح مخابرات دولهم أو الاعتراف بأنهم ينتمون لجماعات العمل المسلح في بلدانهم .
 وكل من ظن أنه بالاعتراف سينجو من التعذيب ،خاب ظنه ، إذ تضاعف شدة التعذيب ظناً من المحققين بأن الاعتراف حقيقي ،وأن وراء هذا المعترف المزيد من المعلومات والتفاصيل .فلا يزالون به معذبين حتى يعترف بأشياء أخرى يملونها عليه ، وهكذا.
أدركت بعد انتقالي إلى الزنزانة الجماعية أن عدد المعتقلين كبير جداً ،حتى خيل إلي بأن كل الشباب هم رهن.وعلمت أن عدداً من الشباب قد اعتقلت زوجاتهم أيضا ،وكان يجري التحقيق معهن على أيدي نفس الوحوش الضارية ،فكنت أموت كمداً وقهراً .فهولاء المحققين لا يردعهم دين أو خلق عن إيقاع الأذى بهولاء المعتقلات ،ولم أكن أملك سوى أن أدعوا لهن الله باللطف والحماية .أخبرني عدد من المعتقلين بأنهم هددوا بإحضار محارمهم ليعتدى عليهن أمامه إذا لم يعترف ،وعلمت كذلك أن بعض المعتقلين تتم تعريتهم تماماً ثم يجمعون في غرفة واحدة ويعذبون وهم عرايا إمعاناً في الإهانة والإذلال ،وأدركت أن ما تعرضت له من جحيم لم يبلغ بعضاً مما تعرض له آخرون ،فقد قلعت أظافر البعض ،وحرم بعضهم من النوم أياماً متتالية .
ولازلت أتذكر صوت مسكين حرم من النوم تسعة أيام متواصلة ،فكانت تنهال عليه السياط كلما قعد أو اضطجع ،وكان المعذبون يتناوبون عليه كما لو كانوا في نوبات جهادية لا يفرطون قيد أنمله في منعه من النوم خشية أن تضيع البلاد ..!! فقد المسكين أعصابه ، وراح يصرخ بهسترية ،وهو في حالة من الجنون التام.في الزنزانة الجماعية رأيت وسمعت مالم يكن يخطر لي يوماً ببال. وعلمت خلال تلك الفترة بوجود زنزانة خصصت لمن يسمون المشاغبين ،ممن لا يتعاونون مع المحققين .توجد الزنزانة خارج مبنى السجن الرئيسي في الشمس الحارقة ،بها مرحاض لا تصريف له ، فتظل مرتعاً للحشرات تكاد الروائح الكريهة المنبعثة منها تقتل من يمر بجوارها فكيف بمن يقطنها .وهذا يذكرني بشكل من أشكال المعاناة لا يسلم منها نزيل ،ألا وهي مشكلة قضاء الحاجة ،أي زيارة الحمام.
 فعدد الحمامات بالنسبة لعدد المعتقلين قليل جداً ، ولا يكاد الدور يصل المضطر من شدة الازدحام ، حتى تعودنا على قضاء الحاجة في الزنزانة ، وأخذ يعذر بعضنا بعضاً.
 ما سمعته من روايات ، وما شاهدته من آثار تعذيب جسدي ونفسي ، مروع ومذهل .
 وحتى بعد الانتقال إلى الزنزانة الجماعية لم يتوقف التعذيب بشكل تام ، بل كان الواحد منا يدعى إلى حفلات "الشواء" مرتين في الإسبوع على الأقل حتى يكون مادة سمر وصخب للذئاب البشرية. وفي كل استدعاء يختلق المحققون قصصاً ، ويلفقون الاتهامات ، من تهريب السلاح إلى تنفيذ العمليات المسلحة إلى العلاقة بفلان أوعلان ، إلى التكفير . وما ذلك إلا ليبرروا جرمهم وليضفوا شرعية على ما لا يقره شرع أو عرف أو خلق كريم.
ورغم كل ذلك ، تخيب آمال الجلاوزة والجلادين ، ففي وسط المحنة ومن خلال المعاناة ، كانت تتجلى النفحات الربانية ، وتتنزل السكينة علينا فتترسخ الثقة بالله واليقين بقرب فرجه وصدق وعده .
 ولم أسمع أحداً يندم للحظة عما قضاه في الجهاد أو يعتبر الجهاد سبباٍ فيما لحق به من أذى على أيدي من لا يخافون الله . لقد ضرب البعض نماذج رائعة من الثبات والتحمل ، وكان حسن السريحي حديث الجميع : كيف أنه لم يتلفظ تحت التعذيب إلا بتلاوة القرآن وذكر الله ، وظل على حاله إلى أن توقف التعذيب .
لقد تيقنت بعدما رأيته بعيني ، بأن كل ما رأيناه ، ويمكن أن نراه ، من اعترافات مسجلة يعرضها التلفزيون أوتنشرها الصحافة ، إنما هي اعترافات بالإكراه تحت التعذيب ، أو عبارات يكتبها المحققون ويحبرون ضحاياهم على نسبتها إليهم .
 إن من يتعرض لمثل ما تعرضت له لايمكن أن يصدق شيئاً من الاعترافات التي تدعيها السلطات .
 أسأل الله أن يكشف الغمة عن بلاد الحرمين التي تحولت إلى سجن لمن أراد إصلاحاً أو إعلان لشرع الله بعد أن كانت ملاذا آمناً لكل مضطهداً،وأسأله تعالى أن ينصر المسلمين عموما ، وأهل الجزيرة العربية خصوصاً ، وأن ينصفهم ممن ظلمهم ، وأن يجعل ماتكبدته وإخواني في ميزان حسناتنا يوم نلقاه .

 

الموطن/ ابو تمام

 الأرشيف

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004