|
مملكة آل سعود هي البلد الوحيد الذي يفرض مزيدا من القيود علي تنقلات المرأة ويمنعها من قيادة السيارات ويصادر حقها في مغادرة المنزل من دون محرم أو من دون إذن خطي من ولي أمرها، وفي الوقت الذي كان فيه الإصلاح العنوان العريض الذي تمكن من إشاعة تفاؤل نسبي في أوساط الشعب جاء القرار بحظر مشاركة النساء ـ تصويتا وترشيحا ـ في الإنتخابات البلدية الهزلية الأخيرة التي جرت في العام 2005م مخلفا مزيدا من الخيبة والإحباط عند الرجال قبل النساء، وهذا مخالفٌ للاتفاقية الدولية التي تضمن للمرأة الحق بالتصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، كما أن ذلك لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.
بازاء هذا الصعوبات التي تواجه نهضة المرأة كان من الضروري قيام حركة نسوية مناضلة تنشط في المطالبة بإجراء التغييرات القانونية والقضائية اللازمة لوضع حد لهذا التمييز الفاحش والذي يكرس مزيدا من الإضطهاد المتسم بطابع ذكوري في مجتمع يتبني فصلا عنصريا حديديا بين الجنسين، ومن أجل القضاء علي مسببات الأزمات الاجتماعية والنفسية المتفاقمة في المجتمع ، خصوصا كلما سادت في المجتمع نزعة متزمتة وصرامة حادة في المحافظة علي العادات والتقاليد التي تحولت بفعل قدمها ورسوخها إلي أفكار مقدسة لا يمكن المساس بها.
في العام 1990م خرقت 45 امرأة من النخبة المتعلمة الحظر المفروض عليهن في قيادة السيارة عندما قدن سياراتهن إلي وسط مدينة الرياض، فاعتقلن علي الفور.
جاءت هذه الحادثة عقب التطورات الإقليمية الناجمة من غزو صدام حسين للكويت واستدعاء القوات الأجنبية إلي الجزيرة، الأمر الذي أشاع جوا من الإنفتاح وشجع بعض المواطنين علي التعبير عن تطلعاتهم إلي حريات عامة وليبرالية أوسع.
وبالرغم من فشل هذه التظاهرة النسوية في تحقيق هدفها وإلغاء هذا المنع التعسفي إلا أنها تمكنت من خلق مبادرة ـ وإن كانت يتيمة أو مبتورة ـ من مبادرات التحدي النسوي العلني في البلاد.
ومنذ ذلك الحين لم تحدث أية محاولة جادة في هذا المجال، مما يكشف عن عدم وجود رغبة أو ارادة نسوية في سبيل تحقيق المطالب وفرض التغيير.
يبدو أن قيام أية حركة نسوية جادة لازال أمنية وحلما بعيد المنال، حيث لاتزال المرأة في مجتمعنا بعيدة كل البعد عن إدراك واقعها ومحاولة تغييره نحو الأفضل، وكل ما يشغل ذهنها هو أن تكون جزءا من المتاع كجارية وخاضعة لسلطة السيد الرجل سواء في الحيز العام أو الخاص، حيث نجد أغلب النساء تسعي فقط لتوفير كل مستلزمات الحياة والعيش الكريم والرفاه وما إلي ذلك، حتي أنك تجد أحداهن تلبس آخر التقليعات والموضات بشكل مستمر ودائم ولا يفوتها شيء أبدا من الأزياء الجديدة عالميا، فتكاد تظن أن زوجها يملك احد المحلات لتصميم الأزياء أو انها خبيرة ومتذوقة بكل أشكال الموضات والتقليعات الحديثة في كل العالم.
وتجد عند كل واحدة منهن أحدث موديلات أجهزة النقال، فيبادرن بشراء الموديلات الجديدة فور توفرها في السوق، وكما تملك احداهن لاب توب متطور وحديث بكل التقنيات المتوافرة حتي هذه اللحظة، وتقضي كل واحدة من هؤلاء النسوة نزهتها برفقة السائق الخاص بالسيارة الحديثة الفارهة عالية المستوي التي أهداها إليها زوجها في آخر حفلة من حفلات عيد الميلاد!.
أليست هذه الزوجة سعيدة للغاية؟
عند هذا الحد يظن بعض النساء أن حقهن قد توفر لهن بالكامل وأن حياتهن لا ينقصها شيء، وبذلك نحن امام واقعة تثبت أن المرأة في الحقيقة تفتقد تلك الثقافة الحقوقية التي تلهمها الوعي الكامل بحقوقها في الأسرة وفي المجتمع، ولسنا بحاجة إلي إثبات أن ذلك يشكل أزمة حقيقية تعيشها المرأة وتهدد كينونتها ووجودها الإنساني، فلا يضيرها ـ في ظل هذا الواقع ـ أن تكون محيدة اجتماعيا وسياسيا أو أن تكون أمية فكريا ومتخلفة ثقافيا وحضاريا.
ما زالت المرأة تفكر بعقلية الجارية، فهي تخضع تمام الخضوع لزوجها السيد الرجل شرط أن يوفر لها متطلبات الجارية المثالية وأن يغدق عليها كل مستلزمات الحياة ورفاهيتها وبعد ذلك لا يهم حتي وإن صادر كل حقوقها المتمثلة في استقلالها الإجتماعي والإقتصادي وكرامتها وإرادتها واختيارها، ثقافة الجارية هي التي تمنح المرأة بيتا فارها وسيعا وغرفة واسعة للطبخ وأحدث الأزياء والتقليعات ولكن كل هذا يجب أن يكون ضمن حدود سجنها الذهبي وزنزانتها الفسيحة، فلا يجوز لها الإختلاط مثلا حتي وإن كان ذلك في حدود المسموح به شرعا وعرفا، فهذا لا ينقص من سعادتها شيء. إلي هنا يقف الطموح عند الجارية.
وهل هنالك أفضل من أن تكون أمرأة جارية عند سلطان!
أما المرأة السيدة الحرة فهي كيان مستقل بإزاء الرجل ولها كامل الحرية في كل المجالات، إنها إمرأة معاصرة حضاريا وناضجة فكريا وحاضرة بكل ثقلها الإنساني في الميادين الفكرية والأدبية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك.
إنها جزء أساسي في سوق العمل وفي المشهد الثقافي ولها دورها المهم في القرار السياسي، فلم تعد عالة علي أبيها ومن ثم علي زوجها، ولم تعد رقما مهملا في القرارات الأسرية، الآن بيدها زمام المبادرة وتتساوي مع الرجل في المكانة والقدرة الإقتصادية، فبعد أن كانت مجرد كائن أنثوي يجلب العار والخطيئة ويتهدده شبح الطلاق ومن ثم التشرد أصبحت الآن إنسانا حرا مختارا يساهم في الإنتاج ويشترك في الإستهلاك تماما كالرجل.
فإن ـ لا سمح الله ـ صادف أن هددها زوجها بالطلاق فهي لن تهتز أبدا أو تجزع أو تخشي الضياع والتشرد لأنها اليوم تنفق علي نفسها بل وتساهم في الإنفاق الأسري مع زوجها. باختصار هي الآن بمثابة الند للند مع الرجل وليس في موقع التابع للمتبوع.
بات العنصر النسائي في مجتعاتنا من العناصر الأكثر تأثرا ببيئة الإضطهاد السياسي والذي يؤدي بدوره للإضطهاد الذكوري، فالحيز الإجتماعي الذي يسوده القمع والاستبداد والقهر السلطوي والأحادية السياسية وتنعدم فيه المشاركة الشعبية والحريات العامة ينتج واقعا يتسم بالتسلط الذكوري العنيف، حيث أن الرجل الذي ينشأ في بيئة كهذه سيصبح إما معتديً عليه أو معتديا، إما مقموعا أو قامعا، فيحاول استرجاع ذكوريته المفقودة والمهشمة عن طريق استعراض عضلاته، هو، هذه المرة في الحيز الخاص أي البيت! حيث ينتج من العنف الذكوري الرسمي عنف مضاد يمارسه الرجل الأعزل الذي يضيق علي المرأة بحجة حمايتها.
وكلما كان الواقع يتسم بالإستبداد السياسي أكثر كان الأكثر تعرضا وتأثرا به هم الأقليات والفئات المهمشة في المتجتمع كالعنصر النسوي.
إن مجتمعا كهذا سيكون الأمن فيه هو الهاجس الأول والأخير، لذلك ستبقي المرأة محصورة في بوتقتها الخاصة بذريعة صون العرض من المخاطر المحدقة في المجتمع، فيجب أن تبقي في بيتها أو ضمن خمار سميك يغطي جسدها كما يعكس عبوديتها وخضوعها لسلطة السيد الرجل، هذا الهاجس الأمني نتج من خلفية هوس السلطات السياسية بالأمن وجعله ـ أي الأمن ـ الحل السحري الوحيد لكل المعضلات والأزمات المحدقة بالدولة والمجتمع.
وكلما ضاقت الدائرة كلما اشتد القمع، فتضحي المرأة وسط حلقات من سلطات موغلة في الشمولية بدءاً من الدولة، مرورا بالمجتمع وسطوته الماثلة في التقاليد والعادات التي تستهدف بالدرجة الأولي مكانة المرأة وحريتها، وانتهاءً بالأسرة والتي يمارس فيها الرجل أقسي استبداد وأبشع شمولية.
|