|
عندما حل ّ محمد بن عبد الوهاب في (الدرعية) أعلنها (دارَ
هجرة وإسلام) ، و طلب من أنصاره الهجرة إليها و بدأ هؤلاء يتهافتون عليه و يهاجرون
إليه من كل مكان . و حسبما يقول الشيخ حسين بن غنام فإن الهجرة حدثت كنتيجة لتوتر
العلاقة بينهم و بين الآخرين .
وسواء أكان عبد الوهاب هو المبادر إلى تكفير عامة
المسلمين ، كما هوثابت لدى جميع المؤرخين ، أم كانوا هم المبادرين لتكفيره مع
أتباعه ، فإن القول بارتداد المجتمع الإسلامي إلى الجاهلية الأولى كان يقسم الناس
إلى فريقين و دارين ، يضع في إحداهما "الموحدين" الجدد ، بينما يضع في الأخرى
"المشركين". ويجعل من الأولى (دار سلام) ، في الوقت الذي يجعل من الأخرى (دار حرب).
وقد ذكر ابن غنام نفسه أن محمد بن عبد الوهاب قد بايع محمداً بن سعود على الجهاد ،
في أول مجيئه إلى الدرعية.
وإنه وعده بالنصرة و الجهاد. و بناء على ذلك فقد أعلن
عبد الوهاب جميعَ بلاد "المشركين" داراً للحرب ، و أمر أتباعه بالإنحياز إلى جانبه
، و إعلان الولاء له ، و البراءة من أعدائه .
و اعتبر الولاء و البراء شرطاً من
شروط الإيمان ، و تركهما ناقضا من نواقض الإيمان العشرة. وأعلن الحرب على "الكفار"
وخاصة "الذين بان لهم أن (التوحيد) هو دين الله و رسوله ، ثم أبغضوه و نفّروا الناس
عنه ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" و أهدر دماء جميع المسلمين الذين سماهم
بـ: "المشركين" و طالبهم بالتوبة و الرجوع إلى التوحيد ، و استحل أموالهم و ذراريهم
، و قال :" من رجع منهم حقن دمه و ذراريه ، و من أصر أباح الله منه ما أباح لرسول
الله من المشركين". و ذلك "لأن مجرد التلفظ بكلمة التوحيد لا يعصم الدم و المال ،
بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل و لا الإقرار بذلك، بل و لا كونه لا يدعو إلا
الله وحده لا شريك له ، بل لا يحرم ماله و دمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من
دون الله ، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله و دمه"
.
و رغم ما كان يبدو في عملية
التكفير و الالتزام بمبدأ الهجرة و القتال ، من ميل إلى الخروج عن الدولة "الكافرة"
و محاربة "المجتمع الجاهلي" ، فإن الوهابيين كانوا يصرون على نفي تهمة (الخروج) عن
أنفسهم ، ويتبرؤون منها أشد التبرؤ . و ذلك خوفا من انطباق أحاديث الخوارج عليهم ،
و هم ملعونون على لسان رسول الله (ص) في التراث السني ، و محكوم عليهم بالرفض و
الهجران. إضافة إلى ما كان يعنيه الخروج من تحدٍ للدولة العثمانية ودعوةٍ لها
لمعاقبتهم.
و لذا كان الوهابيون يفرقون بين أنفسهم و بين (الخوارج) بأن هؤلاء كانوا
يكفّرون الناس على الكبائر ، بينما هم يكفّرون على ما يدعو إلى التكفير و هو الشرك
بالله ، و لا يكفّرون على الكبائر. وسواء أعلن الوهابيون الخروج واعترفوا به.. أم
لم يعلنوا ذلك ، فان نظريتهم كانت تنطوي على مبرر كبير للخروج و تشكيل دولة مستقلة
، وخاصة في الوقت المناسب و مع توفر القوة الكافية لهم. و إذا عدنا إلى مرجع محمد
بن عبد الوهاب ، و هو ابن تيمية فسوف نجد أنه يفتح نافذة واسعة على الثورة و الخروج
والتمرد على الإمام أي إمام ، و يعطي لصاحب كل قوة أن يتمرد على الإمام ، لأنه
أساساًً يعقد الإمامة لمن غلب ، بغض النظر عن توفر الشروط الشرعية فيه أو اختياره
عبر أهل الحل و العقد ، خاصة إذا التزم الخارجي المتغلب بالشريعة الإسلامية أو أخذ
على الإمام القائم عدم التزامه بالشريعة ، و ذلك لأن ابن تيمية اعتبر الخروج
الحقيقي هو الخروج على الشريعة لا على الإمام ، وبذل قصارى جهده لتحويل الأنظار من
شخص (الإمام) إلى (الشريعة) .
ولم يكن (الإمام) في نظره يشكل مركز الشرعية ، و إنما
الشريعة هي المعيار لشرعية أي نظام. وقد اختلف بذلك مع عامة الفقهاء السنة السابقين
الذين كانوا يضفون على الحاكم نوعا من القدسية و الشرعية و يحرّمون الخروج عليه . و
قد كان ابن تيمية يرفض قتال الخوارج ( أو الثوار إذا ثاروا ) ، و ذلك بسبب احتمال
اعتماد الخوارج على التأويل .
و ينفي وجود أي حديث صحيح يأمر بقتال الخارجين على
الإمام ، ويقول: إن الحديث الوحيد الذي يذكره القائلون بذلك ، هو حديث كوثر بن حكيم
عن نافع ، و هو حديث موضوع ، و أما الأحاديث الصحيحة التي جاءت في قتال الخارجين
فهي تنص على قتال الخارجين عن الشريعة لا على الإمام .
ويقول : " أما القتال لمن لم
يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك ، فارتكب الأولون ثلاثة محاذير
: الأول:قتال من خرج عن طاعة ملك معين و إن كان قريبا منه و مثله في السنة و
الشريعة ، لوجود الافتراق ، و الافتراق هو الفتنة.
و الثاني: التسوية بين هؤلاء و
بين المرتدين عن بعض شرائع الإسلام.
و الثالث: التسوية بين هؤلاء و بين قتال
الخوارج المارقين من الإسلام ، و لهذا تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء
الملوك وولاة الأمور و يأمرون بالقتال معهم لأعدائهم بناء على أنهم أهل العدل و
أولئك البغاة "
.
وبناء على ذلك فقد كان ابن تيمية يعترف أيضا بواقع التعددية
السياسية في عصر الملك ، ولا يؤمن بضرورة وحدة الخلافة ، كما يعتقد غالبية أهل
السنة ، و يقول بجواز الخروج على الإمام العادل نظرا لشبهة أو تأويل كما خرج معاوية
بن أبي سفيان على الإمام علي بن أبي طالب ، فضلا عن وجوب الخروج على كل من يرفض
تطبيق الشريعة الإسلامية و قتاله.
و إذا كان ابن تيمية قد توصل إلى جواز الخروج و
وجوب الثورة و استعمال القوة ضد من يمتنع عن الالتزام بالشريعة الإسلامية ، رغم عدم
قوله بكفر الأمة ، فقد كان من الأولى بمحمد بن عبد الوهاب الذي قال بارتداد الأمة
جمعاء ، أن يرفض أي التزام بوحدتها القائمة أو الخضوع لإمام (الأمة الكافرة) ، و أن
يقوم بالخروج على الدولة الإسلامية ، وأن لا يجد بالطبع في أحاديث وجوب الطاعة
للإمام ، أي معنى .
ولذلك لم يعد لديه أي التزام بالطاعة للدولة العثمانية ، أو
المحافظة على الجماعة ، إذ أن الجماعة في مفهومه هي (جماعة التوحيد) الوهابية فقط ،
وهم وحدهم: ( أهل الحق و المسلمون) ، الذين يجب أن يدخل الآخرون في طاعتهم و
جماعتهم. و في الوقت الذي كان يفترض أن يتصدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنفسه
لقيادة الحركة أو الدولة الوهابية أو (الأمة الإسلامية الجديدة) التي كان يبنيها
بيديه ، كما يفعل أي ثائر يجمع أنصاره ويقود الثورة ليؤسس النظام الجديد الذي يريد
، و يجعل نفسه قائدا لذلك النظام الثوري.. ، فضل الشيخ الاتفاق مع بعض الزعماء
المحليين ومبايعتهم بشرط النصرة .
وقد كان هذا الاتفاق واضحا في علاقة الشيخ الأولى
بأمير العيينة (عثمان بن معمر) كما كان واضحا في اتفاق الشيخ مع أمير الدرعية محمد
بن سعود ، الذي بايعه بمفرده فبنى بذلك أساس دولة آل سعود الوهابية.
إذ تقول
الرواية التاريخية: إن الشيخ بعد ما طُرد من العيينة لجأ إلى دار أحد أنصاره في
الدرعية ، و هو الشيخ عبد الله بن سويلم ، على غير علم و لا رضا من أميرها (محمد بن
سعود) ، ولكن اخوة الأمير : ثنيان و مشاري ، و زوجته (موضى) و ابنه عبد العزيز ،
أقنعوا الأمير بالذهاب إلى الشيخ في بيته ، ليرحب به ويعلن تأييده له ويقول له:"إن
هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه ، فأبشر بالنصرة لك و لما أمرت به والجهاد لمن
خالف التوحيد" . فقال له الشيخ:" وأنا أبشرك بالعز والتمكين و النصر ، وهذه كلمة
التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم .
فمن تمسك بها و عمل بها ونصرها ، ملك البلاد و
العباد ، وأنت ترى نجداً كلها و أقطارها أطبقت على الشرك و الجهل و الفرقة و
الاختلاف و القتال لبعضهم بعضاً ، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون و
ذريتك من بعدك". فطلب ابن سعود من الشيخ المبايعة ، فبايع الشيخ على ذلك ، وعلى أن
الدم بالدم و الهدم بالهدم ، و على أن الشيخ لا يرغب عنه إن أظهره الله. ويكاد هذا
النص يكون واضحاً في بيعة الشيخ للأمير و بقاء الأمير على إمارته، حيث قدم الشيخ له
فروض البيعة بشرط النصرة ، ووعده بملك نجد أو الجزيرة العربية ، وقدم له الدعم و
أضفى صفة (الشرعية الدينية) على نظام حكمه القائم بالفعل . وقد وافق الشيخ بالتعاون
مع أي أمير مستعد لنصرته بغض النظر عن طريقته في الوصول إلى السلطة .إذ كان يؤمن
أساساً بشرعية إمامة المتغلب ، حيث يقول :"إن الأئمة مجمعون في كل مذهب على أن من
تغلب على بلد أو بلدان ، له حكم الإمام في جميع الأشياء .
و لولا هذا لما استقامت
الدنيا ، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد (بن حنبل) إلى يومنا هذا ما
اجتمعوا على إمام واحد". ومع أن رواية ابن غنام كانت واضحة في بيعة الشيخ للأمير ،
إلا أن المؤرخ المتأخر عثمان بن بشر يضفي نوعاً من الغموض على حقيقة الاتفاق بينهما
عندما يقول :" إن الحل و العقد و الأخذ والعطاء والتقديم والتأخير كان بيد الشيخ ،
و لا يركب جيش و لا يصدر رأي من محمد (ابن سعود) و عبد العزيز ، إلا عن قوله و رأيه
.
فلما فتح الله الرياض عليهم و اتسعت لهم الناحية و أمنت السبل و انقاد كل صعب من
باد وحاضر ، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز و فوّض أمور المسلمين و بيت المال إليه
، و انسلخ منها بالكلية و لزم العبادة وتعليم العلم ، و لكن ما يقطع عبد العزيز
أمراً دونه و لا ينفذ إلا بإذنه". و هو ما يلقي بعض الغموض حول : من الذي بايع من؟
ومن أصبح الإمام الأعلى؟ هل هو الأمير الفعلي ابن سعود؟ أم الإمام الجديد ابن عبد
الوهاب؟ ولكن على أية حال يمكن أن يقال : إن الشيخ قد احتل موقعاً توجيهياً أكبر ،
مشابها لموقع (الولي الفقيه) الذي احتله الإمام الخميني في الجمهورية الإسلامية
الإيرانية كمرشد أعلى من رئيس الجمهورية. أما الإمام الفعلي فقد ظل هو الأمير محمد
بن سعود .
بدليل أن ابن بشر يقول : إن الشيخ اعترف بالأمير ابن سعود "إماما يجتمع
عليه المسلمون". و يؤكد هذا المعنى قدوم أمير (العيينة) عثمان بن معمر ، بُعيد
الاتفاق بين الشيخ والأمير ، إلى (الدرعية) و محاولته استعادة الشيخ محمد بن عبد
الوهاب إلى قريته ، وتعهده بالنصر و التأييد له. ولو كان (الشيخ) قد أعلن نفسه
إماماً رسمياً لخضع ابن معمر له و هو في قريته ، ولما كانت ثمة حاجة لنقل الشيخ إلى
(العيينة).
و هناك رواية أخرى يذكرها صاحب (لمع الشهاب) ، وهو كاتب مجهول الإسم غير
وهابي، تتحدث عن عقد الشيخ صفقة صريحة مع محمد بن سعود ، حول تقاسم السلطتين
الدينية والسياسية والاتفاق على توارثهما معا في عائلتي الشيخ والأمير. و أن الشيخ
قال لابن سعود:" أريد منك عهداً على أنك تجاهد في هذا الدين ، و الرياسة والإمامة
فيك و في ذريتك ، وأن المشيخة والخلافة في الدين فيّ وفي آلي من بعدي أبداً ، بحيث
لا ينعقد أمر ولايقع صلح أو حرب إلا ما نراه كذلك ، فإن قبلت هذا فأخبرك : أن الله
يطلعك على أمور لم يدركها أحد من عظماء الملوك والسلاطين " فقال الأمير ابن سعود :
قبلت وبايعتك على ذلك.
ويضيف صاحب (لمع الشهاب) بأن الشيخ قد هيمن على آل سعود ،
ويقول:"صارت الإمامة الكبرى و هي إمامة الدين لمحمد بن عبد الوهاب ، و كذا ما
يتبعها من مصالح الدنيا كتدبير الحروب و المصالحة و العداوة ومايرجع إلى آلة
الحرب.. و الحاصل أنه صار الأمر كله بيد محمد بن عبد الوهاب بحيث كل شيء أراده محمد
بن سعود أو أولاده رجعوا به إلى محمد بن عبد الوهاب ، فإن ارتضاه ارتضوه وإن أباه
أبَوه بلا كلام.
وكانت العادة جارية بأن يزوره محمد بن سعود كل يوم مرتين صباحا و
مساء ، هو وابنه عبد العزيز و بقية أولاده ، وكانوا يجلسون عنده متئدين صامتين لا
ينطقون بشيء ما لم يحادثهم به أولاً ، وهذه الرواية تدل على تمتع محمد بن عبد
الوهاب بمكانة عالية جدا في ظل إمارة آل سعود. ومع إمكانية حدوث ذلك ، إلا أن تلك
الصفقة المزعومة بتقاسم السلطتين السياسية و الدينية ، ليست ثابتة تاريخيا ،
ولايبدو أن الشيخ الذي كان مطاردا لاجئا في (الدرعية) ، كان في موقف يسمح له بإملاء
شروط على محمد بن سعود ، و إنما كان يريد اقتناص الفرصة لإقناع الأمير بالموافقة
على وجوده في ظل إمارته ، أولاً ، ثم تقديم النصرة والعون له ، ثانياً. وقد تخلى
الشيخ من أجل ذلك عن شرط (القرشية) في الإمام ، الوارد في بعض الأحاديث النبوية
،والذي دأب أهل السنة والحديث ، وخصوصا الحنابلة ، على الالتزام به.
بيد أنه يمكن
القول إن الشيخ أقام فعلاً نظاماً ثنائياً مزدوجا يجمع بين الإمارة و المشيخة
الدينية ، و اكتفى من نظام آل سعود بدعم المباديء الوهابية ، مع المحافظة على
احترام دور رجال الدين ، الذين سيسيطر عليهم ، لقرون قادمة ، أبناء الشيخ و أحفاده
تقريباً ، بما يشبه التحالف القبلي. وكما لاحظنا فإن الولادة الأولى للدولة
الوهابية لم تكن عسكرية عنيفة و إنما كانت سلمية ، وفي الحقيقة كان للظروف
الجغرافية والسياسية والاجتماعية والديموغرافية المحيطة بنجد ، إبان انطلاقة الحركة
الوهابية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، دور كبير في طبيعة حركة محمد بن عبد
الوهاب وولادتها السلمية ، حيث كانت نجد تقع في عمق الصحراء العربية وفقيرة تعيش
على هامش الدولة العثمانية التي زهدت فيها ولم تهيمن عليها عسكريا و إنما اكتفت
بالسيطرة على الأقاليم المحيطة بها كالحجاز واليمن والأحساء والعراق والشام ، و هذا
ما أعطى نجداً فرصة قيام إمارات متعددة في كل قرية ومدينة ومضرب قبيلة في الصحراء.
و عندما بدأ عبد الوهاب يبشر بأفكاره الإصلاحية في (حُريملا) ، استطاع أن يكسب عددا
من الأنصار ، ولكنه تعرض أيضا إلى مضايقات و محاولة للاغتيال ، مما اضطره لمغادرة
القرية و اللجوء إلى قريته الأولى (العيينة) و أميرها عثمان بن معمر ، الذي سارع
إلى نصرته و تأييده ، فمكث في ظل حمايته بضع سنين ( من 1143 إلى 1157) ، و استطاع
خلالها أن يكتسب المزيد من الأنصار و المؤيدين ، بحيث قام بتنفيذ بعض ما كان يدعو
إليه كهدم عدد من القبور (كقبر زيد بن الخطاب) و قطع بعض الأشجار التي كان يلجأ
إليها بعض الجهال لقضاء حوائجهم ، و إقامة الحد على امرأة زانية ، و ذلك بدعم قوي و
مباشر من الأمير. و لكن اتساع معارضة محمد بن عبد الوهاب في داخل نجد وخارجها ، و
خاصة في الأحساء ، أجبر الأمير عثمان بن معمر على وقف دعمه للشيخ و الطلب منه
مغادرة (العيينة) بسلام ، فاتجه الشيخ إلى قرية أخرى هي (الدرعية) التي كان عدد من
أخوة أميرها محمد بن سعود قد تأثروا بأفكاره و مالوا إليه.
و نجح بسرعة في كسب
الأمير إلى جانبه و الانطلاق لتأسيس الدولة الوهابية الأولى. ولو كانت هنالك وحدة
سياسية في نجد ، شاملة وواسعة ، لما استطاع الشيخ عبد الوهاب أن يتنقل من إمارة إلى
أخرى ، و ربما اضطر إلى اللجوء إلى العمل السري أو الهرب في الصحاري و الجبال ، إلا
أن تعدد الإمارات في نجد واختلافها ، وربما تنافسها فيما بينها ، دفع الشيخ إلى
اعتماد سياسة التعاون والتحالف مع الأمراء بدل الثورة عليهم و الخروج ضدهم.
ولم تمض
سنوات قليلة حتى نجح الشيخ في ضم عدد من القرى المجاورة للدرعية إليها ، كمنفوحة
وحريملا وضرما وثرمدا والعيينة التي عاد أميرها ابن معمر فندم على طرده للشيخ منها
و أعلن انضمامه إلى الكيان الوهابي الوليد. ولم تشكل الولادة الأولى عملية خروج
سافرة على الدولة العثمانية ، لأن هذه الأخيرة – كما قلنا - لم تكن تهيمن عسكريا
على نجد ، التي كانت تخضع لسلطة الأمراء المحليين المنتخبين من قبائلها أو
المسيطرين عليها بالقوة.
ولم يكن يوجد فيها والٍ عثماني أو حامية عسكرية ، و إنما
كانت تخضع لنفوذ أمراء الحجاز أو الاحساء الذين كانوا بدورهم تابعين للخلافة
العثمانية ، و لذلك كان أئمة المساجد يكتفون بالدعاء للسلطان العثماني في خطب
الجمعة.
وعندما قام عبد الوهاب بحركته منع أئمة المساجد من الدعاء للسلاطين بحجة أن
ذلك من الأمور البدعية. أو " أن السلطان فاسق لا يجوز تمجيده"
.
[ومع ذلك فإن المنع
لم يشكل علامة كبيرة على الخروج ، حيث ظل الشيخ يحرص على إقامة علاقات طيبة مع شريف
مكة و من ورائه الدولة العثمانية. |