النهب والسرقة أساس الملك

 

لم تغير الوهابية النظام الإجتماعي في الجزيرة العربية مع أن فئة الوجهاء والأعيان في الدرعية الشاسعة قد برزت من بين سواد السكان وكان نشاطها الاستغلالي منظما بعض الشيء .
إن استئثار الوجهاء الحاكمين بالثروات عن طريق النهب والجزية ومصادرة الأموال وفرض الضرائب واستلام بدلات الإيجار قد اتسع ولكنه لم يكن يختلف من حيث الجوهر عن الممارسات السابقة والتي كانت شائعة في مجتمع بدو الجزيرة العربية. كانت حملات الوهابيين تحت راية تجديد الدين تستهدف تحقيق مهمات دنيوية بحتة تتلخص في زيادة ثروات حكام الدرعية ووجهاء الجزيرة المرتبطين بها (وخصوصا أبناء آل سعود و محمد بن عبدالوهاب). ويدل ما كتبه مؤرخو الجزيرة العربية والرحالة الأوربيون على أن الغزو ظل هو الطريق الوحيد والرئيس لحصول الوجهاء والأعيان على الثروة. وكتب المؤرخ الوهابي ابن بشر يقول، بعد أن عدد الضرائب التي وردت إلى الدرعية: "وما ينقل إليها من الأخماس والغنائم أضعاف ذلك. ويعتقد بوركهارت كذلك أن الأخماس تحتل المرتبة الأولى بين عائدات حاكم الدرعية. كانت غزوات الوهابيين الأولى تنتهي بالاستيلاء على بضع عشرات الإبل والأغنام ونهب الحقول أو بساتين النخيل ، أما في سنوات أوج قوتهم فقد كانت غنائمهم تبلغ عشرات الآلاف من رؤوس الماشية والأغنام ونهب الحقول و بساتين النخيل ، في عام1210هـ/ 1796م بعد دحر قوات شريف مكة وقع في أيدي الوهابيين 30 ألفا من الإبل و200 ألف من الأغنام والماعز. و يقول ابن بشر إنه عندما تم في عام 1204- 1205هـ / 1790-1791 دحر قبائل مطير وشمر حصل الوهابيون على "غنائم كثيرة من الإبل والغنم والأثاث والأمتعة". وسرعان ما تعرض سائر البدو لمثل هذا المصير. فقد كان الوهابيون يطاردونهم يومين أو ثلاثة "ويأخذون منهم الأموال ويقتلون الرجال. إن المصنفات التاريخية العربية غاصة بوقائع من هذا النوع. وكما هو حال الغزوات البدوية كان النهب الوهابي يسفر عن تجريد القبائل المستضعفة ليس فقط من المنتوج الزائد، بل كذلك من قسم كبير من المنتوج الضروري ، وغالبا ما يحكم على السواد الأعظم من السكان المنهوبين بالموت جوعا. ولم يقتصر النهب على البسطاء من أبناء القبائل أو سكان المدن، فقد تعرض للنهب الوجهاء والأعيان أيضا. إلا أن هؤلاء لا يندر أن يعوضوا خسائرهم على حساب بسطاء البدو أو الفلاحين .
وكان الوهابيون المنتصرون يرأفون عادة بحال الوجهاء، ويفضلون إقامة علاقة طيبة معهم. وكان الوجهاء المغلوبون يفقدون استقلاليتهم السابقة، ولكنهم يصبحون جزءا من الطبقة الحاكمة في الدولة الوهابية-. ويدل كبر حصة غنائم الحرب في مداخيل الدولة الوهابية على طابعها الحربي التوسعي. فقد تعرضت للنهب القبائل والمدن والواحات والمناطق غير المنضمة إليها أو التي حاولت التخلص من سلطة أمراء الدرعية .
وكانت الحروب والغزوات والنهب والتوسع المتواصل من أهم شروط وجود الدولة الجديدة. وكان مستوى تطور القوى المنتجة في الجزيرة العربية لايزال عاجزا عن تمكين الوجهاء والأعيان الوهابيين من الإستئثار بمنتوج عمل السكان بواسطة الأنواع الأكثر تنظيما من الاستغلال بنفس المقادير التي يؤمنها النهب السافر. وبغية الحفاظ على مداخيل الطبقة الحاكمة تعين على إمارة الدرعية أن تتوسع بلا انقطاع وبالمزيد من النهب والقتل .
وفي حالة توقف التوسع لن يتمكن وجهاء الحضر ، وخصوصا وجهاء البدو، من استلام المداخيل التي تعودوا على استلامها من السكان الخاضعين لهم. وفي تلك الحالة تنتفي دوافع توحيد الوجهاء والأعيان في إطار دولة موحدة، وفي ذلك يكمن التناقض الداخلي الرئيس للدولة الوهابية الأولى التي كانت تحمل في أحشائها منذ ظهورها جنين هلاكها وسقوطها. وكان المصدر الآخر لإثراء الطبقة الحاكمة هو الغرامات ، وهي عبارة عن جزية نقدية أو عينية تفرض على القبائل أو الواحات الخاضعة للوهابيين أو المنضمة إليهم. وكانت الغرامات تفرض مرة واحدة، ولكن تسديدها قد يستمر عدة سنوات فيكتسب شكل الجزية أو الضريبة المتواصلة.
ففي عام 1201- 1202هـ/ 1787-1788م فرضت على أهالي واحات الدواسر الذين أخضعهم الوهابيون غرامات بمبلغ ألفي ريال كان يجب تسديد ألف ريال منها فورا. وبعد أن مني أمير الاحساء عريعر بالهزيمة في هجومه على الوهابيين تهيأ أمراء الدرعية وعلى رأسهم ابن عبدالوهاب للتنكيل بحلفائه الذين انتقلوا إلى صف الحسائيين. و في عام 1181- 1182هـ/ 1767-1768م انضم إلى الوهابيين سكان الوشم وسدير و "بايعوا والتزموا بأن يدفعوا إلى أمير الدرعية غرامات نقدية وعينية .
وعندما أخضع أمير الدرعية سكان الحوطة والحريق واليمامة والسلمية وقسما من الخرج فرض عليهم جزية ". وفرض الوهابيون غرامات بشكل نقود وأسلحة وافضل الخيول مع عدتها على قبائل البدو المجاورة لمكة.
الاستيلاء على الملكية العقارية. لم يورد المؤرخون الوهابيون عن انتزاع الأراضي من الفلاحين وتحويلهم إلى مستأجرين إلا أنباء متفرقة وشحيحة. عندما احتل عبدالعزيز الرياض "ملك بيوتها ونخيلها إلا قليلها". ويبدو أن مساكن أهل الرياض غدت ملكا لأمير الدرعية.
و وزع ابن سعود جزء من أملاك الرياض على المقربين له من الوهابيين. ونجد معلومات اكثر تحديدا عن بساتين النخيل في الخرمة. فقد احتل الوهابيون الواحة ووافقوا على إحالة النخيل إلى بيت المال أما باقي المزروعات المغروسة بين النخيل أو في الحقول الخالية من النخيل فلا نعرف عنها شيئا. (وبالمناسبة فان شروط هذا الاتفاق لم تنفذ .
فقد اعتبرها عبد العزيز سهلة جدا، لذا أمر بتدمير أسوار الواحة وتهديم قسم من الدور وطرد جماعة من السكان). وفي معرض الحديث عن مداخيل الدولة أشار بوركهارت إلى أن بيت المال (الخزينة) ينقسم إلى قسمين أحدها للإمام (عبد العزيز وابن عبد الوهاب حينها) والآخر للدولة. "ويستلم زعيم الوهابيين القسم الأكبر من مداخليه من عائدات أملاكه الخاصة. وقد جرت العادة على أن ينهب إحدى المناطق أو المدن إذا تمردت عليه لأول مرة. وإذا تكرر التمرد لا يكتفي ابن عبد الوهاب بالنهب بل، يصادر كل أراضى السكان .
ثم يهدي قسما منها إلى الغير، و يترك قسما لأصحابها السابقين الذين يتحولون إلى مستأجرين ويجب عليهم أن يدفعوا له تبعا للظروف ثلث المحصول أو نصفه. وإن أملاك الأشخاص الذين شاركوا في التمرد تحال إلى غيرهم من أتباع ابن عبد الوهاب. أما المتمردون أنفسهم فيطردون أو يقتلون...وفي الوقت الحاضر يعود القسم الأكبر من الملكية العقارية في نجد إلى دولة آل سعود.
وان ملكية كل الأراضي في القصيم التي كان سكانها دائما يتمردون قد تركت لهم على سبيل الإيجار. والكثير من القرى في الحجاز وفي الجبال الواقعة على جانب اليمن يعود إلى دولة آل سعود أيضا إن معطيات هذا الرحالة الأوروبي (بوركهارت) والمصنفات العربية تكمل بعضها البعض، وعندما أبدى حليف الوهابيين أمير حريملا مبارك بن عدوان تذمرا اقترح عليه محمد بن عبد الوهاب وأمير الدرعية قائلين "خذ من نخيل حريملا ما تريد واجلس عندنا ولك الحشمة والوقار وخراجك علينا". وصار مبارك بن عدوان أميراً فخرياً عند الوهابيين. ويقول مؤلف "لمع الشهاب" إن العائدات الضرائبية السنوية لسعود في عز جبروته بلغت كما يلي: 400 ألف ريال من سكان نجد البدو والحضر. 500 ألف ريال من بدو الشام واليمن وتهامة وعمان. 400 ألف من الاحساء .
200 ألف من القطيف . 40 ألف من البحرين. 300 ألف من اليمن. 200 ألف من بدو الحجاز وبعض المناطق الأخرى. 120 ألف من رأس الخيمة (بما فيها حصة النهب). 120 ألف من حضر وبدو عمان. أما غنائم الغزوات فلا تعد ولا تحصى، وكان سعود شخصيا يستلم مداخيل كبيرة بشكل هدايا من الحجاج الأثرياء، وكانت الأراضي التي يملكها في نجد والاحساء تعود عليه بـ 300 ألف ريال. وهكذا يصل المبلغ الإجمالي لمداخيل أمير الدرعية بشكل ضرائب حسب معلومات "لمع الشهاب" إلى مليوني ريال تقريبا .
وهذا يتفق مع ما قاله بوركهارت. إن الأموال التي تنفق على بلاط أمراء الدرعية و أسرة محمد بن عبد الوهاب تشكل واحدا من أبواب الصرف الرئيسة. لقد تجمعت كملكية شخصية لآل سعود ثروات بشكل أراض في الواحات وماشية و أحجار كريمة ومجوهرات و أموال أخرى. وكتب ابن بشر يقول: ثلث الضرائب المستحصلة في منطقة الاحساء ينفق على بلاط آل سعود وأسرة محمد بن عبد الوهاب. فالأموال الكثيرة تمكن ابناء الوجهاء من التزوج من أربع نساء على الأقل، وكانت عائلة آل سعود كبيرة جدا، ويقول بوركهارت إنه كان لدى سعود عدة زوجات و ومحضيات حبشيات. إن أمراء الدرعية بعد أن انضووا تحت لواء الوهابية التي باركت سلطتهم صاروا يعيشون بقدر كبير من البذخ بالنسبة للجزيرة العربية .
وأشار كورانسيز إلى "أن سعود ذاق طعم الترف وكان لابد من أن يتأثر به" ويضيف المؤرخ الفرنسي قائلا: ذلك هو طريق جميع الطوائف التي تبدأ بالبساطة والتقشف لتجتذب الجماهير وتنتهي بالترف.
و تقرأ في "لمع الشهاب" عن سعود مايلي:" وكان تحته أربع نسوة بالعقد وست جوار من القرج أرسل بعض الناس خفية إلى أطراف بلاد الروم فاشتروهن بقيمة كبيرة، وقيل إن كل واحدة اشتراها بثلاثة آلاف ريال أو أكثر لأنهن متناهيات في حسن الصورة وأيضا له عشر وصايف حبشيات بعضهن أهداهن له الشريف حمود ابو مسمار صاحب أبي عريش وتهامة اليمن وبعضهن أتي بهن القواسم أهل رأس الخيمة مما اكتسبوا من الغنائم وقد غير بنيان البيت الذي كان لأبيه عبد العزيز فوسعه وبنى غرفا وخلوات وعين لكل امرأة موضعا خاصا هي وخدمها .
و أما لباس نسائه فكان أطيب لباس وغالبه من الحرير الهندي المصنوع بالذهب الأحمر وكذلك يلبس من الشام الحرير الغالي المطرز بالذهب. و قد جملهن من الحلي شيئا عظيما من الذهب المرصع بالجواهر النفيسة والياقوت و... وكان يرسل الناس إلى ملك فارس فيشترون له ذلك، وكان سعود يترف في المأكول كما يترف في الملبس. وكل ذلك بتزكية مجدد الدين الإمام محمد بن عبد الوهاب .
و كتب رايمون "أن سعود يحب إبداء كل مظاهر الفخفخة. وكل شيء في قصره يدل على العظمة والبذخ و لا يرفض أي شيء من اجل تزيين القصر. ويقال إن عباءة سعود بديعة الصنع للغاية وقد كلفته حينها ما لا يقل عن 60 ألف بيزة و من المعروف أن سعود بن عبد العزيز أنفق أموالا طائلة على رعاية الخيول، وبلغ عددهم 2500 رأس. وخصص منها 600 حصان لا شجع البدو والمماليك. وكان لدى كل من ابناء سعود 100-150 حصانا، وكان عند ولي العهد عبد الله 300 حصان. كان أمراء الدرعية يستولون على الخيول في الغزوات ويستلمونها بشكل هدايا وغرامات، ولا يتورعون حتى من ابتزازها. كتب بوركهارت يقول "الأعراب يشتكون من انه عندما يمتلك أحد ما حصانا جيدا فإن سعود يجد ضده تهمة ما بخرق القانون أو بسوء السلوك لكي يبرر مصادرة الحصان". و كانت أموال كثيرة تنفق على الضيافة التقليدية .
ففي كل يوم يحل على سعود بضع مئات من الضيوف. وكان سعود يخصص سنويا 500 صاع من الرز والقمح.. وكان سخاء الأمير يعم الموسرين في الغالب.
ثم إن الغذاء المقدم للضيوف يختلف، فالوجهاء يقدم لهم اللحم والأزر ، والأقل منهم جاها يقدم لهم التمر والبرغل. وكان سعود يمتلك عددا كبيرا من العبيد. كتب ابن بشر يقول: "ومماليكه الذكور أكثر من خمسمائة مملوك. و هكذا استغنى آل سعود وآل عبد الوهاب، فقد أورد ابن بشر تقسيما للميزانية المحلية فقد كتب عن توزيع أمير الدرعية لأموال الاحساء يقول:"والذي يحصل من بيت مال الاحساء يقسم ثلاثا، ثلث يدخره لثغوره وخراجا لاهلها والمرابطة فيها، وثلث خراجا لخيالته و رجاله ونوابه وما يخرجه لقصره وبيوت آل الشيخ وغيرهم في الدرعية، وثلث يباع بدراهم و تكون عند عماله لعطاياه وحوالاته، ويحصل بعد ذلك ثمانون ألف ريال تظهر للدرعية.

 

رجاء المالكي

 

 

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004