يؤكد بوب وودوارد في كتابه الموسوم (خطة الحرب) أن بوش
أبلغ الرياض في 11 يناير 2003 بعزمه على مهاجمة العراق من خلال
سفيرها في واشنطن بندر نجل سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع
.
وبهذا بات الاميركيون يعرفون أن ما كان يفترض أن يكون سرا تم
إبلاغ الأمير بندر به خلال اجتماع في اليوم نفسه في البيت
الأبيض حتى قبل أن يعلم به وزير الخارجية كولن باول. ويؤكد
الصحافي الذي أجرى أحاديث مع 75 شخصا بينهم بوش لمدة ثلاث
ساعات ونصف أن الأمير بندر وعد بزيادة إنتاج النفط مما أدى إلى
خفض أسعاره وأعطى دفعا للإقتصاد الاميركي قبل الإنتخابات
الرئاسية في الثاني من نوفمبر.
ولم يمنع نفي باول والأمير بندر
المرشح الديموقراطي للبيت الأبيض سيناتور ماساتشوسيتس جون كيري
من استغلال هذه الفرصة ليصف الاتفاق الذي أماط عنه بوب وودوارد
اللثام بـ (( المشين وغير المقبول )).
وكان جون كيري نفسه أعلن
في 12 ديسمبر الماضي أن «أميركا لا تستطيع أن تسد أنفها وأن
تتعامل بلطف مع (حكومة).. غير أهل للثقة» في مجال مكافحة
الإرهاب.
وتوضح ماري جان ديب الخبيرة في شؤون الجزيرة
والأستاذة في الجامعة الأميركية في واشنطن أن (هذه العلاقة
تتسم بالتعقيد ) وأضافت «بالنسبة لآل سعود فإن الأمر يتعلق في
المقام الأول بالاستفادة من الحماية الأميركية. لقد رأينا ذلك
بعد غزو الكويت سنة 1990 ونراه اليوم بعد الاعتداءات الأخيرة»
في الرياض بالسيارات المفخخة. وترجع العلاقات بين آل سعود
والولايات المتحدة إلى اللقاء الشهير بين الرئيس فرانكلين
روزفلت و عبد العزيز آل سعود مؤسس النظام الحالي سنة 1945 على
ظهر سفينة في قناة السويس. وأضافت «منذ ذلك الحين ولا أحد من
الطرفين يشعر حقا بالرضى إلا أن أيا منهما أيضا لا يريد فصم
عرى هذا الإتحاد. وقد شهدت العلاقات مع نظام آل سعود توطيدا
كبيرا في بداية التسعينات حيث شعر هؤلاء بالامتنان لجورج بوش
الأب لردعه صدام حسين عن مهاجمة مملكتهم بعد الكويت. أما إدارة
ابنه فقد خصصت في تحقيق سرى للكونغرس عن اعتداءات 11 سبتمبر 28
صفحة لدور آل سعود في دعم الإرهاب. كما قام بوش الابن بترحيل
عدد من مواطني المملكة ومن أفراد أسرة بن لادن المقيمين في
الولايات المتحدة إلى وطنهم بعد هذه الاعتداءات بقليل .
ومنذ
ذلك الحين يدفع المواطنون غاليا ضريبة هذا الإتحاد حيث يوجه
تنظيم القاعدة بانتظام الضربات لبلد الحرمين الشريفين.ولكن
وكما يرى بعض المراقبين فإن هذه العلاقات بين آل سعود وبين
واشنطن قد تشهد شهر عسل جديدا بعد التفجيرات والعمليات المسلحة
التي استهدفت عدداً من الأجانب و الأهداف الحيوية في الرياض
والخبر وغيرهما قبل أشهر. وفي ظن هؤلاء أن أسباب هذا التقارب
الذي يأتي بعد تلك التفجيرات تتلخص في الآتي :-
1
- ستزيد
الهجمات المخاوف الأمريكية على احتياطيات النفط في المملكة
خاصة أنها غير قادرة على تعويضها من العراق بسبب هجمات
المقاومة على خطوط النفط العراقية؛ الأمر الذي يترتب عليه وقف
الأمريكان هجومهم على حكم آل سعود وتغيير استراتيجية التعامل
الهجومية الجديدة التي جرى تدشينها معه عقب هجمات 11 سبتمبر،
وحملة النقد الشديدة ضده التي يعتقد محللون غربيون أنها شجعت
الجماعات المسلحة هناك على استغلال الحدث في ضرب النظام
والتعجيل بانهياره.,br>
2- سوف يعتبر الأمريكان هجمات الخبر وما
قبلها حبل إنقاذ لسياستهم الفاشلة المتعلقة بالإصلاح في الشرق
الأوسط ومن ثم سيعلقون خطط الإصلاح والضغط على الحكومات
العربية خاصة مصر و أسرة آل سعود بعدما ظهر لهم أن البديل هو
سيطرة الإسلاميين أنفسهم على الحكم وضياع نفوذهم تماما
ومصالحهم النفطية في المنطقة.
3- لا شك أن هناك آثارا مستقبلية
– لا حالية – ستقع على أسعار النفط في العالم والتي تشهد حالة
من الجنون وصلت بها لأول مرة إلى 42 دولارا للبرميل، وسيكون
لها آثار على مستقبل الرئيس الأمريكي جورج بوش خاصة في أعقاب
كشف الصحفي بوب إدوارد "فضيحة"وعد آل سعود الرسمي بزيادة ضخ
النفط لخفض الأسعار قبل انتخابات الرئاسة في نوفمبر القادم
2004
.
ويلاحظ هنا أن البيان المنسوب لتنظيم القاعدة أشاد بضرب
"الشركات الأمريكية.. المتخصصة في البترول" وزعم أن الهجوم في
مدينة الخبر سيزيد من قلق الأسواق بشأن أمن الإمدادات في الشرق
الأوسط.
وصحيح أن هجوما كهجوم الخبر وغيره من العمليات ليس من
المحتمل أن يدفع الشركات الكبرى للهرب من الجزيرة لكنه سيربك
خططها ، كما أنه سيربك آل سعود أيضا ويسبب حرجا وربما يشكل
ضربة اقتصادية لها قصدتها الجماعات لأنها بذلك تكون قد نقلت
الصراع مع السلطات من الساحة الأمنية إلى الإقتصادية وبدأت
حربا ضد البنية الأساسية للنظام وعموده الفقري وهو النفط الذي
يقوم عليه الإقتصاد برمته.
بعبارة أخرى: سيؤدي الهجوم على
صناعة النفط لتحقيق هدفين وضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة
موجه ضد حكم آل سعود، ومن جهة أخرى موجه ضد الغربيين
والأمريكان تحديدا، وسيكون له أثره على ارتفاع أكبر في أسعار
النفط أو على الأقل بقاؤها مشتعلة فترة زمنية أطول كافية لضرب
اقتصاديات أوربية وربما الإقتصاد الأمريكي وربما مستقبل الرئيس
الأمريكي بوش.
غير أن كل هذه العوامل والتداعيات ربما تؤدي
مجتمعة إلى التقريب بين واشنطن والرياض في مواجهة العدو
المشترك.
|