يبدو أن (ربيع الرياض) الذي طالما توهمه البعض من
المحسوبين على التيار الإصلاحي ، لم يكن سوى فجر كاذب سرعان
ماتلاشت أنواره وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه، حيث ضاقت
المؤسسة الحكومية من دعوات الإصلاح فأقدمت على اعتقال رموزه
وكبار دعاته، ومن ثم أفرجت فيما بعد عن مجموعة منهم بعد
تجريدهم من حقوقهم السياسية والمدنية، وأصرت على تقديم ثلاثة
منهم والذين رفضوا التنازل عن حقوقهم السياسية المشروعة، إلى
المحاكمة، وكانت التهمة الموجهة لهم (الدعوة إلى الإصلاح) بعد
أن حورها الإدعاء العام إلى أنها دعوة إلى الفتنة، ونزع يد
الطاعة، والتأليب على ولاة الأمر ومناهضتهم، وبث بذور الخلاف
بين أبناء الشعب، وإثارة التحزب المذهبي والطائفي
.
لا يمكن
تكييف (البيان) الذي تلاه المدعي العام على أنه (لائحة اتهام)
بالمعنى القانوني للمصطلح، ولا اعتقد أنه يمكن قبوله بهذه
الصفة في أي نظام قضائي على هذا الكوكب، حيث لم يرد في تلك
اللائحة أي نص شرعي أو قانوني يسند التهم المدعى بها، ولم يتم
تأسيسها من الناحية الشرعية أو القانونية، الأمر الذي يجعل
الرد عليها ضرباً من ضروب العبث
.
فهي ـ أي اللائحة- قد حُشيت
بادعاءات مرسلة مبنية على افتراضات ومحاسبة للنيات، ومبنية على
منطق سياسي عفا عليه الزمن ، وسيرسخ مفهوم الاُحادية السياسية
ومصادرة الحريات وحرمان الشعب من التعاطي مع الشأن العام،. إن
كل الممارسات التي زعم الإدعاء بأنها أفعال مجرمة وطالب
(بإنزال العقوبة الشديدة عليها) ما هي إلا ممارسات مباحة لا
يوجد نص شرعي (صريح صحيح) يجرمها
.
كما أن ولي العهد عبد الله
بن عبد العزيز - الرجل الثاني في الدولة - كان قد استقبل
الإصلاحيين وتسلم منهم وثيقة (رؤية لحاضر الوطن ومستقبله
(والتي وردت كإحدى التهم الجنائية في لائحة اتهام الإصلاحيين،
، ومن ثم نفاجأ بأنها أدرجت على أنها جريمة تستحق أشد عقوبة،
كما ورد في لائحة الاتهام. إضافة إلى ذلك، فإن مجريات المحاكمة
أبانت مدى تدخل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية،
حيث استجابت المحكمة لقرار وزير العدل الذي يعد جزءا من السلطة
التنفيذية باستبعاد ثلاثة من محامي الدفاع عن المعتقلين، مع أن
اختصاصات وزير العدل لا تعطيه الحق في إصدار مثل هذا القرار،
كما أنه ينال من استقلالية القضاء الذي طالب ولا زال يطالب به
الإصلاحيون، حيث إن ذلك الإجراء يعد تدخلاً في مجريات
المحاكمة، وإدارة الخصومة التي تنفرد بها المحكمة ولا سلطان
عليها في ذلك إلا سلطان الشرع والأنظمة السارية، كما ينص على
ذلك النظام الأساسي للحكم. ولا ريب أن استقلال القضاء هو أحد
الركائز الأساسية في المطالب الإصلاحية التي اعتقل هؤلاء
الإصلاحيون من أجلها. إن قبول مثل تلك التهم الموجهة
للإصلاحيين المعتقلين والتسليم بها سيرسخ احتكار السلطة
السياسية للقضاء الإجتماعي والسياسي، وسيحرم المواطن من حقه في
ممارسة المواطنة من خلال المشاركة السياسية بالوسائل السلمية،
وسيساهم بشكل مباشر في ضمور الإنتماء الوطني ..إن هذا التصعيد
يؤكد بأن حكومة آل سعود اختارت ـ إزاء الإختناقات والمشكلات
المستفحلة على كافة المستويات الإقتصادية والسياسية
والإجتماعية ـ الأسلوب الأمني لتدوير الأزمة، وممارسة الهروب
للأمام، وتجاهل الإستحقاقات الملحة
.
إن (حرية التعبير) بكل
مكوناتها هي الحبيسة في قفص الإتهام في محاكمة الإصلاحيين ،
وليس أولئك الشرفاء الثلاثة الذين حملوا هم وطنهم ومستقبله
وضحوا بحريتهم في سبيله، وستكون هذه المحاكمة المحك الحقيقي
للقضاء. لقد كان من بين الصور المعبرة في أولى جلسات محاكمة
الإصلاحيين صيحات (مالك) و(غيداء) الرضيعين اللذين مزقا حجب
السكون في المحكمة، حيث ضجت قاعة المحكمة بصرخات ذينك
الرضيعين، وكأنهما يريدان أن يسجلا رفضهما وإستنكارهما لمحاكمة
دعاة الحرية والإصلاح وأن يعترضا على أن توضع (الحرية) في قفص
الإتهام، وكأن غيداء و(مالك) يعلنان ميلاد جيل جديد يعتز
بكرامته ويعي حقوقه ويناضل من أجلها،ويرفض كل صور ومظاهر
الإستبداد وتكميم الأفواه.. جيل يستشعر إنسانيته وحريته ويدرك
أنها حق أصيل لا يوهب له بأمر ولا يسلب منه بنهي.
|