|
رجال السياسة الأمريكان يؤمنون أن نظام آل سعود بتركيبته المتخلفة وتصرفاته التي لم
تبق شيئاً يمكن الإنطلاق منه، أصبح وجوده بهذا الضعف والانهيار خطراً على مصالحها.
لذلك فنظام آل سعود ورغم الإجراءات التي يتخذها وفق الوصايا الأمريكية فإنها لم تجد
قبولاً حقيقياً أو عفواً من الولايات المتحدة.
والواقع أن عقدة بني سعود أنهم لا
يستطيعون مواجهة الحقيقة بكل أبعادها رغم أن الحكمة تقتضي من السياسي أن يشخص
الأبعاد الخطيرة التي تواجهه لكي يستخدم الأساليب المجدية في ترصين وضعه انطلاقاً
من الواقع الذي يعيشه.
فمن الخطأ القول إن بني سعود لم يكونوا يدركون المخاطر التي
تواجه نظامهم ووجودهم في الماضي وعلى وجه التحديد قبل أحداث 11 سبتمبر واعلان
الولايات المتحدة الحرب على ما تسميه الارهاب، ولكن الصحيح أنهم لم يعيروا أية
أهمية لتلك المخاطر لاستنادهم على الحماية التي توفرها الولايات المتحدة ضمن
الترتيب التبعي الذي صنع بني سعود ونظامهم. وقد كانت الأمور تجري وفق منظور أن نظام
آل سعود هو الدعامة الرئيسية بعد سقوط نظام الشاه، لحماية المصالح الأمريكية في
المنطقة ولكونه قد أبلى بلا حسناً في هذا الإطار فإن الولايات المتحدة كانت تعتبر
مناهضة هذا النظام أو حتى الاعتراض عليه يعني في النهاية عداءً لها.
ولكن بعد أن
ضربت الولايات المتحدة في عقر دارها ولم يستطع نظام آل سعود وبقية أنظمة المنطقة
التبعية من منع ما تعرضت له استدارت له لكي تبني بناءً جديداً يختلف كلياً عن
البناء القديم الذي أقرته بعد الحرب العالمية الثانية والذي استطاعت بموجبه حماية
مصالحها وتمرير سياستها في المنطقة.
هذا البناء في الواقع يستهدف الشكل القديم
لأنظمة المنطقة وخاصة نظام آل سعود النموذج الذي خلقته على المواصفات التبعية التي
أقرتها المؤسسات الأمنية التابعة لها.
إن التوجيهات التي صدرت من الإدارة الأمريكية
إلى آل سعود، سواء منها العلنية والتي يتحدث عنها رموز الادارة الأمريكية أو السرية
التي ينقلها بندر إلى الرياض أو المسؤولون الأمريكان إلى رموز النظام ، كانت واضحة
وليس فيها أي لبس.
إلا أن حال نظام آل سعود كحال المرأة التي تزوج عليها زوجها
بزوجة ثانية، فهي من خلال ركونها إلى الماضي تحاول إزاحة هذه الضرة بتصرفات مخالفة
للحكمة مما يوصلها إلى طريق مسدود نتيجته تخلي الزوج عنها وطلاقها لحساب الضرة
الجديدة، فنظام آل سعود الذي كبل بتراتيب سياسية غريبة ولا يوجد لها شبيه في أنظمة
العالم والتي من أعقدها التحالف الذي يقيمه مع مؤسسة دينية لها نظرتها الخاصة التي
تتقاطع مع النظام أحياناً كثيرة وخاصة عندما يتعلق الأمر في تراجع سياسي لمصلحة
النظام تؤشره الإدارة الأمريكية الموجه الاساسي لسياسة النظام.
ولما كان الوضع
الحالي وكما اشرنا يتطلب من النظام أن يختار طريقاً قد يدفع المقصلة عنه وهو الذي
يقف الآن على مفترق الطرق فإن مؤسسته الدينية التي لا يمكنها المجازفة مع تطلعات
النظام لأن التجاوب معها يعني نهايتها بالتأكيد، لذلك فإن الصدام مع المؤسسة
الدينية سيكون طابع الأيام القادمة.
كما أن هذا النظام لإدراكه حجم الخسارة التي
سيتعرض اليها في خوضه الصراع مع مؤسسته الدينية سيتبع تكتيكات قد يظن أنها ستحقق
المطلوب إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه التكتيكات ستؤدي في النهاية إلى تضييق الحبل
أكثر على رقبته، ولربما وهو الأكثر ترجيحاً.
إن الولايات المتحدة هي التي أوحت له
بهذه التكتيكات انتظاراً لاستلقاء النظام على سرير الموت لتتكفل فقط بدفنه وهي
عملية لا ترتب على سياستها أية خسارة تذكر. ومن الممكن أن نرصد واحدة من هذه
التكتيكات تلك هي تقليم أظفار المؤسسة الدينية وبدون ضجة. فالنظام أعلن عن اعتقال
ثلاثة أئمة وطرد المئات، وقد نشر موقع ايلاف ليوم 28 مايو أن نظام آل سعود وقف 1700
من أئمة الجوامع والخطباء والمؤذنين، هذه الإجراءات التي أعلن عنها النظام وكما
أشرنا سابقاً لم تؤدِ إلى الإعلان عن العفو عن النظام، والسبب في ذلك لا يعود إلى
ضعف ِإجراءات النظام ولكن لعدم الإعلان بشفافية عنها والذي تطالب به الإدارة
الأمريكية والإعلام الأمريكي في الوقت الذي يتجنبه النظام لأن ذلك يعني سقوط جميع
الأستار التي تخفي حقيقته، كما أنه يعني طلاق النظام مع الرأي العام الذي يؤيد
المؤسسة الدينية ومراكز قواها، إلا أن المطالبة الأمريكية بكشف كل الاجراءات التي
يقوم بها النظام بشفافية أكثر تتصدر قائمة الأوامر التي توجه للنظام، يقول مستشار
سابق للأمن القومي (ويليام ويتشلر) في إدارة كلينتون إن (المملكة) لم تقدم إلا
القليل من التفاصيل حول جهودها لمكافحة تسرب الأموال للجماعات الجهادية، مما يعني
أن أمريكا لا تستطيع الحكم على الجهود التي قامت وتقوم بها.
بقي هناك سؤال ملح هو
هل أن بني سعود سيستخدمون نفس الآلية التي استخدمها عبد العزيز بن سعود في صراعه مع
الإخوان؟! في الواقع قد يكون الجو العام الذي يكتنف الجزيرة اليوم يشبه إلى حد ما
الجو الذي اكتنفها في بدايات القرن الميلادي الماضي. فالمؤسسة الدينية التي كانت
تساند عبد العزيز بن سعود هي نفسها المؤسسة الحالية وهي تحمل نفس التوجهات ولربما
نفس المشاكل.
فالعامل الحاسم الذي افترق بسببه الإخوان عن عبد العزيز وهو الاستنكار
على عبد العزيز تنفيذه لأوامر الانجليز هو نفس العامل الذي أحدث الإنقسام في
المؤسسة الدينية بعد عام 1991م، فالمنشقون عن المؤسسة الدينية استنكروا على بني
سعود تنفيذهم لأوامر الأمريكان وفتح الباب لهم باحتلال الجزيرة، كما أن استنكار
الإخوان على عبد العزيز بتحويل القتال ضد الشريف حسين ومعاقبته على الأحداث التي
جرت في (الخرمة) يقابل المنشقين بالاستنكار على بني سعود مساومتهم على ذبح الشعب
الفلسطيني من قبل الصهاينة لحساب الرغبة الأمريكية في حماية الكيان الصهيوني، وتخلي
نظام آل سعود خطوة بعد خطوة حتى عن رفع الشعارات الوهمية التي كان يرفعها والتي
تقول بضرورة تحرير القدس.
وإذا كان عبد العزيز بن سعود الماكر استطاع أن يحول
الموقف لصالحه في الإجتماع الذي عقده بتاريخ 25 رجب عام 1345هـ (17 يناير 1927م) عن
طريق توجيه رجال مؤسسته الدينية بالتوقيع على فتوى ترد على إنكارات الإخوان على
أفعال ابن سعود غير المشروعة، فإن الموقف الآن يختلف كثيراً عن ذي قبل، ولربما هنا
ستكون عقدة الأمور على بني سعود أكثر تعقيداً ولن يستطيعوا حلها بسهولة كما فعل عبد
العزيز بن سعود من قبل.
فضرب الإخوان والقضاء عليهم كان مطلباً انجليزياً يضاف إلى
ذلك أن رجال المؤسسة الدينية كانوا يدركون أن عبد العزيز بن سعود الذي تنكّر
للإخوان قادر على إزاحتهم في ذلك الوقت لكون المؤسسة الدينية لم تكن تملك مراكز قوى
كما تملكها الآن لذلك فالإستسلام لرغبة عبد العزيز بن سعود كان تكتيكاً ناجحاً
لرجال المؤسسة الدينية وفّر لهم القدرة لاحقاً على استثمار كيان بني سعود للعمل في
داخل الجزيرة وخارجها لتنفيذ برنامجها وفق قراءتها الخاصة.
أما الآن فإن المؤسسة
الدينية تعتبر نفسها أقوى بكثير من ذلك الوقت وعليه فإن الصدام معها سيكون حاسماً
في طبيعة النظام السياسي الذي يحكم الجزيرة، وسيعمد نظام آل سعود وتحت رغبة
الولايات المتحدة إلى البدء في اتهام المؤسسة الدينية بأنها وراء جميع الانتقادات
التي وجهت للنظام. ولعل اتهام نايف في أحد أحاديثه للإخوان المسلمين بأنهم جس النبض
على اعتبار أن المؤسسة قد رعت الإخوان المسلمين على جميع الأصعدة ودفعت بمؤسسات
النظام التي امتدت أيديها اليها وسيطرت عليها بتوفير الأجواء المناسبة لرعايتهم
واستمرار عملهم في بلدانهم التي هجروا منها حتى وصل الأمر إلى منح بعضهم الجنسية
.
إذن أمام المخاطر الحالية ليس للنظام إلا اتباع هذا الطريق الوعر الذي لن يوفر بأي
حال من الأحوال الإطمئنان الكامل لدفع هذه المخاطر عنه، وسيكون حتماً نتيجة للصدام
هذا آثار كبيرة على وضع النظام حتى ولو لم يخسر كلياً المعركة، إذ من الآثار
المرتقبة هو تحطيم الوحدة الهشة لبني سعود لأن المؤسسة الدينية قد استطاعت أن تجد
لها تحالفات داخل العائلة من الصعب تفكيكها لتوافق المصالح، والوعود بالمكتسبات
السياسية ووجود الوثائق التي قد تكشف مستوراً يفجر صراعاً (الأمراء) الصغار والكبار
لا يمكن السيطرة عليه. |