مملكة آل سعود : أين ستذهب أموال الطفرة النفطية الثانية؟

 

    الدكتورة مضاوي الرشيد *
 تميز عام 2007 عن بقية الأعوام السابقة بكونه شهد الإعلان عن أكبر ميزانية بترول عرفتها بلاد الحرمين في تاريخها. ويمكن اعتبار هذا العام تتويجا للطفرة النفطية الثانية بعد الأولى في السبعينيات من القرن المنصرم عندما استفاقت مملكة آل سعود على موارد هائلة استغل بعضها في مشاريع تنموية والبعض الآخر تم تبذيره بطريقة عشوائية أدت إلي كارثة اقتصادية في منتصف الثمانينيات واستمرت حتى حرب الولايات المتحدة على العراق عام 2003. ومنذ تلك الحرب بدأت أسعار البترول ترتفع بشكل ملحوظ إلى أن وصلت هذه الأسعار إلى ما يقارب 100 دولار للبرميل في 2007.
 وبهذا تم الإعلان عن إيرادات العام الحالي والتي تقدر بـ 621 مليار ريال سعودي للفترة القادمة. أمام هذه الإيرادات الضخمة تقف بلاد الحرمين على مفترق طرق. إما أن تستغل هذه الإيرادات بطريقة عقلانية مفيدة أو تبذرها السلطة السياسية كما فعلت خلال الفترة البترولية الأولى فتتراكم الديون ويزداد عدد القصور والمدن الصناعية ومشاريع التنمية الشكلية دون أن تتمكن الدولة من استيعاب المتطلبات الحقيقية لترسيخ تنمية طويلة الأمد تحد من الاعتماد علي الخبرات الأجنبية وتستوعب الأعداد المتزايدة من الذين يدخلون سوق العمل دون أن يجدوا وظائف حقيقية أو يكتسبوا مهارات تمكنهم من منافسة العمالة الوافدة وتضعهم في موقع منافسة حقيقية مع المؤهلات الخارجية.
قد يصدم من يعتقد أن سلطة سياسية كسلطة ال سعود قد تشعر بالأمان نتيجة السيولة النقدية وتتجه إلى تفعيل إصلاحات سياسية حقيقية تتوافق مع طموحات شرائح كبيرة في المجتمع كانت قد طالبت في السابق بانفتاح سياسي يضمن استيعاب التحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود السابقة وأفرزت تيارات سياسية جديدة ومطالب إصلاحية محددة تنبثق عن مبدأ المشاركة السياسية الحقيقية المتمثلة بمجالس شعبية منتخبة تمثل هذه الشرائح وتحد من السلطة المطلقة والقمع المستشري والتفرد بالقرار. ولكن مع الأسف أتى عام البترول بأسلوب الغطرسة المعهود وتكريس مبدأ الزبونية المعتمد في هذه الدولة البترولية. تزامن عام النفط مع المزيد من القمع وليس الانفتاح والذي حددته السلطة بمفهوم الانفتاح الاقتصادي المحدود والذي يعتمد على تصدير الفائض البترولي إلى الخارج من أجل استثماره في مراكز آمنة ومربحة ومن ثم جلب الاستثمار الخارجي إلى مملكة آل سعود ورؤوس الأموال العالمية تحت مظلة التجارة العالمية المعولمة.
في عام البترول طوت السلطة في بلاد الحرمين ملف الإصلاح السياسي إلى أجل غير مسمى واتجهت في الاتجاه المعاكس تماما عندما اعتقدت أن أموال البترول الجديدة ستكون درعا يحميها من مطالب الإصلاح السياسي المرجو. جاء سوق الأسهم المروج له إعلاميا ليمتص أموال المستثمرين الصغار ومن ثم يغرقهم في تذبذباته وتقلباته المتتالية ومن بعدها تبين للجميع أن هناك زبائن معروفين مقربين من السلطة هم وحدهم المحرك الأول والأخير للاقتصاد والتجارة.
 استطاعت السلطة السياسية أن تسبغ على نفسها صفة الانفتاح الإعلامي والذي أعطى الضوء الأخضر ليخترق المجتمع وينشر عاهاته على الملأ وعندها تراكمت صورة بشعة عن مجتمع تكثر فيه الآفات الاجتماعية والمشاكل النفسية والجريمة وتعاطي المخدرات وتجاوزات المسؤولين الصغار والفساد الإداري والمالي والمحسوبية والواسطة ما يجعله ينافس أكثر المجتمعات تمزقا وقلقا. وقفت السلطة تتفرج علي جدل يحتدم علي صفحات الجرائد دون أن تكون طرفا فيه أو عاملا مهما في تأجيجه.
وإن زج أحدهم بالسلطة في موضوعات حرجة واعتبرها شريكا حيويا في المشاكل اليومية نجده يساق إلى سجون المملكة أو يفصل من عمله أو تكسر أقلامه بسرعة فائقة.
بقيت مشكلات الفساد الكبير وصفقات الأسلحة المخزية بعيدة عن أقلام الانفتاح الإعلامي أو النقاش المحلي والذي يدور في جدل عقيم بين طرفين تسعد السلطة بتصادمها اليومي على شاشات إعلامها الفضائي والمحلي.
 برز تيار أصحاب الفضيلة يدافع عن امتيازاته وفي المقابل حصر معركته مع ما يعرف بأصحاب الرذيلة.
احتدمت المعركة بين الطرفين ووقفت السلطة تتفرج علي صراع ملتهب أخذ من موضوعات محددة مادته وسلاحه من قيادة سيارة إلى حوادث اصطدام قاطرات تنقل المعلمات إلى مدارس نائية ومن ثم تتحول إلي ركام على أميال من الطرق الخطرة.
ومن ثم جاء القضاء وأحكامه لتشهد بلاد الحرمين حالة تدويل حقيقية لقضايا محلية صرفة. فما أن تصدر الأحكام حتى تتدخل السلطة السياسية وتلغيها فيكون تدخلها كفيلا لتتويجها في موقع العدالة وهي بذلك تضمن صورتها ككابح لجماح قوى اجتماعية متخلفة وحام للمجتمع من مزايدات أصحاب الفضيلة.
وتنسى السلطة نفسها أنها هي التي تدفع بأصحاب الفضيلة ليسقطوا أحكاما متعسفة بحق مجموعات قد تجتمع لتطالب بتغيير سياسي أو إصلاح حقيقي فتسجن وتتغطرس في أحكامها على من تصنفهم بمثيري الفوضي والفتن وتتذرع السلطة نفسها بمصطلحات الحرب على الإرهاب لتحشر ناشطين سياسيين في سجون انفرادية ومن ثم تلتفت إلى مدونين لجأوا إلى العوالم الافتراضية ليدونوا خواطر نقدية وآراء جريئة فتقتنصهم الواحد تلو الآخر وكل هذا تحت شعار الانفتاح الإعلامي المحدد مسبقا على أنه هجوم من طرف على آخر دون زج السلطة في المعادلة المعروفة.
 آثرت السلطة أن تتجاوز المجتمع ومتطلباته تحت غطرسة عام النفط والتفتت إلى الخارج وهو الأهم في المعادلة من مجتمع محلي كامل تجرد من حقه في التجمع والمطالبة بحقوقه. عام 2007 هو عام الدبلوماسية في بلاد الحرمين الهادفة إلى استجداء الرأي العالمي الغربي بالتحديد والتوسل إليه ليقبل بالمعادلة آل سعود والتي حتي هذه اللحظة قد فشلت في تحويل الاقتصاد إلي قوة سياسية.
انشغلت مملكة آل سعود بملف إيران النووي وحرب بوش علي إيران وفي كلا الحالتين نجد أن هي الخاسرة الأولى. تخيف إيران النووية مملكة آل سعود وآبار النفط في المنطقة الشرقية ولكن في المقابل نجد أن حربا على إيران ستكون أكثر جدية وفتكا من مشروع نووي إيراني لم يكتمل بعد. فبينما برزت إيران كقوة إقليمية تخلفت مملكة آل سعود عن تبوؤ هذا المنصب في منطقة الخليج واضطرت أن تتعامل مع إيران بحيطة وحذر خاصة في القمة الثامنة والعشرين لمجلس التعاون الخليجي.
وشدت الرحال إلى مؤتمرات أخرى منها أنابوليس المولود الميت لتثبت للغرب أنها شريك في السلام. فشل المؤتمر كما فشلت المؤتمرات السابقة وبقيت بلاد الحرمين الممثلة في ذلك اللقاء كرقم آخر يضاف علي لائحة الحضور وزبون مهيأ لأي مشروع أمريكي ـ إسرائيلي جديد. في هذا الصراع القديم المتجدد تدخل حكومة آل سعود مكبلة بالضعف وليس قوة النفط فينتج عن ذلك صورة باهتة في إطار شعارات خلابة. في خضم أحداث عام البترول قررت السلطة ترتيب بيتها وليس بيوت جيران استغلوا الفراغ العربي الحاصل اليوم علي الساحة فبرزوا بقوة يفرضون قرارهم من العراق إلى فلسطين ويملون مصالحهم علي الجميع. تنبهت السلطة إلى واقع الديموغرافية في بيت مملكة آل سعود وبشرت شعبها بأن ملوك الحقبة القادمة سينتخبون على أسس ديمقراطية سرية من قبل هيئة الخمسة والثلاثين أميرا.
كرست الهيئة قانون الغطرسة وتجاوزت حتى شعارات الكتاب والسنة التي تدعيه فلا مفتي ممثلا في هذه الهيئة ولا قوي أخرى بل خرجت الهيئة بمفهوم جديد لما يسمي بأهل الحل والعقد تحدد في أولاد المؤسس ومن تمنعه حالته الصحية من الحضور سيجد في ابنه خير ممثل وبهذا جاء عام البترول ليتوج وضعا جديدا يدور حول كون الدولة مملكة ليس دولة واحدة وإنما دويلات داخل دولة تتقاسم رئاستها أجنحة كثيرة تتوزع علي وزارات معدودة ومناطق متفرقة.
 وبينما تطمح بعض الشرائح الاجتماعية إلى تغيير حقيقي يمكنها من المشاركة في صنع القرار نجد السلطة مشغولة بترتيب بيتها وتقاسم الأدوار بين أعضائها. إنها غطرسة عام البترول وحلقات الزبونية المستشرية والمستأثرة بالبلاد.

 

 

 

 

 

 

بلا أقنعة
 الرئيسية| مدخل | على الطريق | أخبار | البرلمان النجدي |مدخل |أضواء على الأنباء

 

نجد 2004