|
مدّ يده إلى وجهه، مسح الدموع من عينيه والتفت إلي بوجه ملؤه الألم، وكأني نبشت جروحاً، لا جرحاً واحداً كان يعتقد بأنها اندملت، وقال: هل أنت مسلم؟ قلت: نعم، وكأنه لم يتوقع الإجابة، أو أراد أن يتأكد، فسأل سؤاله التالي: إذاً لماذا أنت مختلف عن الآخرين؟ قلت وبألم، لأني مسلم، وهذا هو الإسلام الذي أعرفه.
تردّدت على هذه الورشة في أكثر من مناسبة، وفي إحدى المرّات استضافني العامل لمقر معيشته، كان عبارة عن غرفة قذرة، صغيرة لا تتعدّى 3 م × 3.5 م، تحوي ستة أسرّة، كل ثلاثة فوق بعضها البعض، وهي أيضاً غرفة انتظارهم وجلوسهم ودردشتهم.
لا يستطيع المرء التحرك بحرية فيها لضيقها، بها طاولة صغيرة عليها جهاز ستيريو وفي الجانب المقابل طاولة أصغر عليها سخّان كهربائي لعمل الشاي وللطبخ.
أردت أن أتحدث معهم، فطلبت كأساً من الماء ولبّى أحدهم الطلب ممنوناً، شكرته وسألت: هل هذه هي الغرفة التي تضمكم؟ أليست صغيرة جداً؟ قال العامل: وماذا نفعل؟ تحّدثنا مع صاحب الورشة لكنه لم يستجب لنا.
الغرفة لا تصلح للفئران أن يعيشوا فيها، فكيف ببني البشر؟ شيء مقرف فعلاً ومخالف لأبسط حقوق الإنسان.
العاملون في الورشة لا تزيد رواتبهم الشهرية عن 500 ريال، يعملون 12 ساعة يومياً ولمدة 6 أيام في الأسبوع، وإجازة لمرة واحدة كل سنتين لا تزيد عن 30 يوماً.
المدخل للغرفة إلى اليمين والمدخل إلى دورة المياه "القذرة" التي لا تتجاوز مساحتها 1 متر عرضاً × 1.5 طولاً ملتصقاً بالغرفة، ليخدم غرفة أخرى من الجانب الآخر لستة أشخاص آخرين، أية دورة مياه بهذا الحجم لخدمة 12 إنساناً في غرفتين أكثر ما يمكنها استيعابه شخصين لكل غرفة.
لو حدث حريق عند المدخل لمات كل من في الغرفتين بسهولة بسبب وجود المواد القابلة للاشتعال من ملابس وأغطية.
قلت لهم إن ذلك مخالف للقانون، عدا مخالفته لحقوق الإنسان، فهذا خطر جداً وغير مناسب ولا يمكن أن يقبله الإنسان.
إن الالتزام بالدين وملاحقة من لم يذهب للمسجد وقت الصلاة لا تغني عن الالتزام بقواعد وأسس السلامة وتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بالسكن وساعات العمل والراتب والإجازات، الخ، فسكن مثل هذا يحتّم على رجال "الدين" من هيئة أو غيرها أن ينتقدوه لمخالفته الدين الإسلامي في حماية الأنفس البريئة ولتوفير شروط تتناسب مع تقديسنا للنفس البشرية، وهذه الغرف لا تتناسب مع الحيوان، بل الحيوان يعيش في وضع أفضل منها.
كأنني رششت ملحاً على جرحٍ غائر، فتدفق الدم غزيراً صاحبه ألم، فتصبّب عرقاً، وذرفت عيناه الدموع بدل أن يغفو قليلاً وقت الراحة، وقال هل أنت مسلم.
أنا مسلم، ولست مجرماً، أنا مسلم أؤمن بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان أيضاً، أنا مسلم أتألم لآلام الآخرين من هم على ديني أو يؤمنون بأي دين آخر، أو حتى من لا يؤمن بأي دين، فهو أخيراً أخ لي في الإنسانية، والإنسانية كرّمها الله وما يحصل هنا إهانة للإنسانية قبل أن تكون إهانة لنا نحن المسلمين. أنا مسلم، أؤمن بالعدالة والمساواة، أؤمن بحقوق البشر على اختلاف انتماءاتهم وعروقهم وأديانهم، أنا مسلم ديني يحثّني على العدل ويأمر به ويعاقب من يخالف هذه المبادئ، أنا مسلم لا أرضى بالظلم وأدافع عن المظلوم.
عامل آخر من جنسية آسيوية أخرى وخلال جلسة مشابهة قال لي إن أحد رجال الهيئة "الموقّرة" أتى يوماً بجوار الورشة لدفع الناس للصلاة وسألني لماذا لا تذهب للصلاة؟ فقلت له بأني لست مسلماً، وكان هناك رجلٌ من الجنسية العربية، قال إن هذا الرجل ليس مسلماً، نهره رجل الهيئة وأمرني بركوب سيارة الهيئة وأخذني لمكان بعيد وأنـزلني ولكمني عدّة لكمات في بطني ووجّه لي كلمات نابية وتركني وذهب.
هذا الرجل، وهو ضخم الجسم، يقول: أنا أستطيع أن أضربه وحتى أقتله ولكن ما الفائدة، سأدفع الثمن سجناً أو حتى قتلاً، فمن يصدّقني ويكذّب رجل الهيئة حين اعتدى بالضرب علي، فلن تكون النتيجة في صالحي أصلاً، لذلك التزمت الصمت وأنا أغلي في داخلي.
صديق نقل لي هذه الحادثة وقد رآها بنفسه في أحد مراكز التسوق حيث قام رجل الهيئة بالدخول إلى غرفة الإدارة وقام بضرب المسؤول عن السوق وهو من الجنسية الفلبينية حيث مسك الرجل من شعره وضربه في الجدار ومسك شعر رجل آخر زميل له وقام بضرب رأسيهما ببعض لأن قصة شعرهما ليست "رجولية". الرجلان كانا يبكيان كالأطفال، فكرامتهما في التراب والألم النفسي أكثر من الألم البدني الذي سببه ضرب رأسيهما ببعضهما البعض.
القصص أعلاه تبدو ساذجة مقارنة بقصص أخرى أقسى وأعمق وأكثر انتشاراً وهي من ضمن سلسلة لو كتبناها لملأت مجلّدات تنـزف قيحاً مخلوطاً بالدم البشري.
كنت أشعر ولا زلت بأن عليّ واجباً حيال حقوق الأجانب في جزيرة العرب وكيف أنّها منتهكة بشكل كبير
فالمواطن ابن الجزيرة مثله مثل العمالة الآسيوية في مملكة آل سعود، فلا حقوق له ولا يوجد من يُدافع عنه، إلاّ من رحم ربي، من منظمات حقوق الإنسان العالمية التي أخذت على عاتقها نصرة الإنسانية جمعاء دون النظر إلى اللون والعرق والجنسية والديانة.
وفي جزيرة العرب يتم التعامل مع الكثير من العمالة وكأنهم مُلك يمين، أو عبيد، فيتم تأجيرهم لآخرين أو تركهم يهيمون في الشوارع على أن يدفعوا راتباً شهرياً لمن استقدمهم، وإلاّ يتم طردهم وإرجاعهم إلى بلادهم؛ وكلنا يعرف ما تكبده العامل من دفع مبالغ كبيرة للقدوم لمملكة آل سعود وهو مديون في أغلب الأحيان ولذا فهو حريص على أن لا يرجع خاوي الوفاض، ولهذا يتحمل كل شيء حتى يجمع القليل من المال، مما دفع العمالة إلى ارتكاب الجرائم والدخول في الجريمة المنظمة وامتهان وسائل غير أخلاقية للحصول على المال.
ما ذكره القرار من وزارة العمل يعني أن هذه المشكلة ليست وليدة اليوم بل يعلم المسؤولون عنها ولم يحرّكوا ساكناً طوال عقود، وليس سنوات، إلاّ بعد ظهور تقرير هيومان رايتس واتش.
هذا لا يعني بأن الوزارة أو غيرها من الوزارات ستكون قادرة على حل المشكلة أو المشاكل أو راغبةً في ذلك أصلاً، هذا يعني فقط بأنها تُساير الأحداث وتُتابع الأخبار من أجل درء الفضائح، وتقوم بإصدار هذا القرار أو ذاك، لذر الرماد في العيون، ولكن أي عيون تُرى؟ فالأدراج مليئة بقرارات لم ولن يتم تطبيقها.
هكذا هم آل سعود لا يعيرون للإنسان أية أهمية سواء كان المواطن ابن البلد أو العامل الوافد من اجل لقمة العيش فيعاملونهم كقطعان الغنم ويعتبرونهم ملكية مقدسة وما قصة ذلك العامل التي تم سردها إلا حبة رمل في صحراء المعاناة التي يتكبدونها تحت نير هذه الأسرة الظالمة .
|