|
الموقع :
تقع مدينة القصب في المنطقة الوسطى من جزيرة العرب بمنطقة الوشم بنجد في نقطة التقاء خط الطول 30- 45 درجة شرقاً مع دائرة العرض 30- 25 درجة شمالاً تقريباً وأقرب المدن إليها مدينة شقراء التي تبعد عنها حوالي 35 كيلو مترا إلى الغرب .
ويفصل بينهما فاصل طبيعي هو رمال النفوذ المعروف بعرق البلدان ‘ بعرض يبلغ ثمانية كيلومترات تقريباً .
وتبعد مدينة القصب عن مدينة الرياض إلى الشمال الغربي بحوالي 150كليومترا . أما موضع المدينة فهو مركز حمادّة وأرض مستوية حصوية في كثير من أطرافها ‘ وهذا الموضع المتوسط واقع على حافة وادي الباطن ( وهذا الإسم أطلقه أهل القصب على هذا الوادي حتى صار علماً على واديهم ‘ ولا علاقة له بوادي الباطن المشابه له في الاسم في أماكن أخرى من الجزيرة ).
تاريخ القصب :
للقصب تاريخ عريق جداً فقد عمرها سكانها منذ مئات السنين ولأن الموضع الذي هي فيه جاذب للإقامة لوجود الملح فيه والوادي والمياه والروضة الشمالية ( العكرشية ) والروضة الجنوبية ( روضة الكثير ) .
وإذا كان هناك حلقات تاريخية مفقودة لعدم تدوين ذلك في الماضي ، فإن الدلائل والشواهد بالإضافة إلى المتوقع من جراء المقارنة مع أماكن قديمة مشابهةٍ تدل على ذلك الماضي العريق، فالآثار والأبنية والموارد المائية تعطي الباحث مؤشرات لحياة سادت في أماكن عديدة من القصب بأحجام مختلفة وبأنماط متنوعة، ويبدو أن المكان مهيأ لنشاط الزراعة وإنتاج الملح ، وتسويق الناتج والاستفادة منه محلياً ، وكلا النشاطين يتطلبان الإقامة والسكن والبقاء، وكلاهما يحمل معنىً واحداً هو الاستقرار والحضر وبعكس النشاطات المعتمدة على الرعي وما يتبعه من اهتمام وعناية بالحيوان حيث تتعذر معه الإقامة في مكان واحد لأنه يتعلق بمصدر الرزق المتنقل وهو العشب والأرض الخضراء ، ومعنى هذا أن لكل إقامة بشرية في موقع معين سببا مباشراً أو غير مباشر عرفناه أو لم نعرفه فهو على أية حال موجود وقف مسيرة الرحلة القادمة من مكانها الأصلي في هذا المكان بالذات دون سواه ، مما يجعلنا نقول في أول افتراض الكشف ... لماذا ؟ لماذا يسكن الناس هنا ؟
وهذا الافتراض والسؤال يتطلب منا الكثير ، ومعدن الملح موجود وهو يعطينا جواب الإقامة ، وكذلك الماء والأرض الصالحة للزراعة بالإضافة إلى أن الموقع متوسط بين تجمعات سكانية محيطة بالمكان ولا تبعد إلا مسافة قصيرة لا تشكل عقبة في سبيل التبادل التجاري .
فقد ذكر ياقوت الحموي قرية تسمى الرمادة فقال : " الرمادة من قرى امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم باليمامة ذات نخيل ، ورمادة أبيط سبخة بحذاء القصيبة بينها وبين الجنوب تفضى إليها أودية الرغام ، يؤخذ منها الملح ...
قال ذو الرمة :
أصيداء هل قيظ الرمادة راجعٍ لياليه أو أيامهن الصوالح
وذكر ياقوت في معجمه أيضاً : " القصبات جمع قصبة وقصبة القرية والقصر وسطه ... والقصبة من أرض اليمامة لتميم وعدي وعكل وثور بني عبد مناة بن أد بن طابخة ...
وقال ابن أبي حفصة : " القصيبة من أرض اليمامة لبني امرئ القيس "
وجاء في صحيح الأخبار " القصيبة باقية بهذا الإسم إلى هذا العهد مدينة من ملحقات وشم اليمامة يقال لها القصب أغلب إنتاجها البر ، موقعها بين الكثيب والعتك ... القصيبات من قرى اليمامة لم تدخل في صلح خالد بن الوليد أيام مسيلمة .
وبهذا يفهم عن نشأتها أنها قديمة ، وأنها ذات عمران يوحي الحديث عنها سالف الذكر أنه عمران متفرق غير مجتمع ، وهذا ما تثبته الآثار المتبقية الآن في نواحيها القديمة حيث توجد آثار في ( العود ) و( الرقيبية ) وربما ( الرمادة ) وفي الآثار المجاورة لمنطقة الملح وكذلك ( الطرفاء ) التي ذكرها ياقوت في معجمه جنوب الملح ربما أنها الآن مشابهة لما يسمى الآن ( أعيوج ) .
وجاء في تاريخ ابن بشر ذكر نهاية بلدة ( الرقيبية ) وهي فترة من فترات تاريخ القصب حيث كان المعمور هو المسمى بهذا الاسم ولكنه زال عام 1015هـ بعدما ظهر الشريف محسن بن حسين بن أبي نمي على القصب وقتل أهلها .
ويذكر بن بشر أيضاً في تاريخه أنه وقع في القصب وباء خطير مات فيه خلق كثير وذلك عام 1124هـ وأصاب الوباء كذلك أهل رغبة وثرمداء والبير).
وقال ابن بشر في إحدى سوابقه لعام 1045هـ نزل آل أبي رباع بلد حريملاء المعروفة وغرسوها ، وذلك أن آل حمد بن وائل وقع بينهم وبين آل مدلج في التويم اختلاف فخرج علي بن سليمان آل حمد واشتروا بلد حريملاء من حمد بن عبد الله بن معمر وكانت في ملك حمد المذكور بعدما أخذ منهم وأجلى منه العطيان المعروفين ونزلوا القصب ثم إن عبد الله ردهم بعد رؤيا رآها ) .
أثار القصب
.1 المرقب :
هو مقصورة يستخدمها الأهالي للمراقبة في فترات الخوف وقد أقاموها في مكان مرتفع شرقي البلدة وهي تسهم في توفير الأمن ، لأنها تساعد الأهالي في اكتشاف الخطر قبل وقوعه ، فيجهزون الإحتياطات اللازمة ويستطيع الناظر فوق المرقب رؤية الأماكن المحيطة بالبلدة حتى جبال طويق شرقاً والنفود غرباً ، فهو يرى مسافة عشرين كيلومترا، ويميز بين الحملات السلمية وقوافل التجارة والحملات المريبة ويُختار لهذه المهمة رجل حاد البصر يسمى ( سبر ) يصعد في الصباح ويمسح المنطقة ثم يصعد مرة أخرى بعد فترة خمس ساعات تقريباً ، ثم قبل غروب الشمس أيضاً وفي حالة الخطر أو الحذر توصد الأبواب وتؤخذ التدابير اللازمة للحماية والدفاع .
والمرقب مكان إنذار لذلك حرص أهالي القرية على سلامة بنائه وقوته وارتفاعه ، وبعده عن القرية حتى يتمكن السبر من الرؤية الواضحة في منطقة خالية من العمران وما يحجب الرؤية للناظر فوقه ، كما أن هناك سبباً آخر وهو وجود تل مرتفع يوفر عملية رفع البناء وتعب العمال .
وداخل المرقب مجوف وهو يتسع لعشرة رجال ، ويصعد إلى أعلاه بحبل وفوقه سطح يقف عليه الناظر كما أن ( السبر ) يستطيع تأمين حياته في حالة اقتحام المرقب عليه برفع الحبل ( الرشا ) فيكون هو المسيطر وذلك لفترة قصيرة .
يلاحظ في جدار المرقب تعدد الطبقات
.
2 الرقيبية :
هي القرية القديمة التي سبقت نشأة القصب القائمة حالياً ، وتقع في جنوب غرب القصب القديمة وغرب المخطط الجديد بمسافة كيلو متر واحد تقريباً ،وقد تهدمت في عام 1015هـ وصارت أثراً بعد عين ، ولاشك أنها تحوي آثاراً مدفونة وبقايا سكان تركوا بلادهم فجأة طالبين النجاة مخلفين وراءهم كل شي يحكي قصة الماضي .
3 القصر :
وهو حي كامل من أحياء القصب يقع في الركن الجنوبي الشرقي يقع فيه الجامع العتيق والمدرسة القديمة ، وقد سمي بهذا الإسم نسبة إلى قصر آل سيّار أمراء القصب قديماً ، وهو أقدم ما عمر في المدينة ويعود عمرانه إلى 400 سنة.
4 منزل حميدان الشويعر:
يذكر بعض سكان القصب أن حميدان الشويعر الشاعر المعروف كان يسكن القصب في الدار المجاورة لباب الحوطة ، وهو المدخل الرئيس للبلدة من الناحية الغربية وعلى ذلك فإن تاريخ بنائها وإن تواصل العمل في ترميمها يعود إلى القرن الثاني عشر الهجري .
.5 العود وقصر الشيخ :
وهي منطقة أثرية تقع جنوب القصب بحوالي اثنين كيلومتر في منتصف المسافة بينها وبين سبخة القصب ، وهي البلدة القديمة وقد اندثرت وزال عمرانها وبقيت آثارها تبدو على شكل خطوط على الأرض ترسم مساكن القرية البائدة ، ويرتفع جدار يسمى قصر الشيخ ويبدو أنه الجدار الشرقي للقصر حيث يظهر بقية القصر بالإتجاه الآخر وكذلك بئر الماء ، ولم يُّذكر اسم الشيخ وهل يعني القاضي أو الأمير ، وإذا كان القاضي وهو الشيخ قد نزل في قصر وسمي نسبة إليه فإن ممن سكن القصب قبل تدمير الرقيبية هو الشيخ أحمد بن عبد الله بن بسام الذي انتقل إليها قاضياً عام 1010هـ على أن ذلك كله لا يغير من حقيقة قدم المكان شيئاً ، وربما كان موضع ( الرمادة ) فيها وهي مما ذكره ياقوت الحموي في معجمه .
بقايا من العود
.
6 الحامي أو العقدة :
وهو السور المحيط بالقصب وقد تهدم الآن ولم تبق إلا أطلال تحكي دوره في الدفاع عن البلدة. ومما تجدر الإشارة إليه أن الباب الرئيس والمسمى ( باب الحوطة ) كان في أول بنائه مواجهاً للغرب تماماً بحيث يدخل معه أهل القرية ليواجهوا الطريق مباشرة .
فكانت ثقوب الباب تهدد الطريق ، وبعدما حصلت حادثة أسبابها رصاص بندقية تسلل من تلك الثقوب تغير وضعه وحرف عن مواجهة الطريق ليصبح باتجاه الجنوب وفي جنوب القصب القديمة حيّ يطلق عليه اسم ( الحامي ) في سوره الجنوبي عدة أبراج للمراقبة ، وربما كانت التسمية بالحامي علاقة بالسور والأبراج .
مقصورة آل جعيثن من أركان سور القصب القديم :
جزء من السور القديم وهو الركن الجنوبي منه وتظهر فيه الطبقات المتوالية التي سقط بعضها على بعض .
7 قصور القصب :
إن قريةً سكانها يعملون في الزراعة ويتزايد عددهم عاماً بعد آخر في حاجة إلى مواصلة العمل الدؤوب لتوفير الغذاء عن طريق زيادة المساحة الزراعية ، وإذا كان أهم محصول يعتمد عليه الناس هناك هو القمح فإنه لابد من وجود مساحات واسعة تفي بتحقيق ذلك الغرض على أن تكون ذات تربة جيدة ويمكن للسيول ومياه الآبار أن ترويها .
ولهذا ترامت مساحات شرق القصب من المزارع الواسعة وبنى أصحابها في أراضيهم قصوراً طينية كبيرة تحيط بآبارهم في غالبية الأحيان أو تؤمن لعدد من الأغنام والإبل والسكان الحماية من غارات مفاجئة ، وبها مقاصير تستخدم للمراقبة وللاحتماء إذا دعت الحاجة لذلك ، ومنطقة القصور مزارع شتوية يفد عليها المزارعون في كل عام في موسم الزراعة كرحلة مؤقتة لأرباب الزراعة وعائلاتهم والعمال من أهل البلدة ، فإذا تم حصاد الزرع بقي هناك من يحرسها وعادت جموعهم إلى البلدة تاركين القصور لموسم قادم ، علماً أنها لا يوجد بها زراعة غير زراعة القمح أو القليل من الشعير أي أنها تخلو من الأشجار أو النخيل ، وتروى المزارع من الآبار كما تروى من مياه السيول .
القصب ارض الذهب الأبيض :
لقد أودع الله سبحانه وتعالى في هذه الأرض نعمة ( الملح ) كما أودع نعماً كثيرة ‘ فأصبح الإنسان في قلب الصحراء يجد بغيته من هذا المعدن الثمين .
ولكي نأخذ من ذلك التراب أملاحاً بيضاء ناصعة هناك عمليات لابد منها وهي ببساطة متناهية ( غسيل التربة ) مراراً ثم ترسيب الأملاح في مكان منخفض وبعد تبخر المياه العذبة يبقى الملح في مكانه .
في مختلف أنحاء العالم يتوفر الملح غالباً في تربة جرداء يابسة ذات حجم كبير لا يتناقص إنتاجها رغم كثرة الأمطار ورغد قذف الأنهار بآلاف الأطنان سنوياً من الملح في البحر .
وسبخة القصب تشكل منخفضاً وبحيرة صرف قديمة مثلها مثل عدد كثير من السبخات والمنخفضات التي زادت فيها نسبة الأملاح نتيجة قذف الأودية للأملاح ضمن حمولتها المتوالية سنوياً ‘ ونشاط عملية التبخر في ذلك الوسط الجاف .
معنى السبخة : تقول : سَبِيخةٌ من قطن وعَمِيتةٌ من صوف وفَلِيلة من شعر . ويقال لريش الطائر الذي يَسْقُط : سَبِيخٌ لأَنه يَنْسَلُّ فيسقط عنه . وسبائخ الريش وسَبِيخه : ما تناثر منه وهو المُسَبَّخُ . و السَّبَخَةُ أَرض ذات ملح ونَزٍّ , وجمعها سِباخٌ وقد سَبِخَتْ سَبَخاً فهي سَبِخةٌ وأَسْبَخَتْ وتقول : انتهينا إِلى سَبَخة يعني الموضع , والنعت أَرض سَبِخة . والسَّبَخةُ : الأَرض المالحة . و السَّبَخُ المكان يَسْبَخُ فَيُنْبِتُ المِلْحَ وتَسُوخُ فيه الأَقدام ; وقد سَبِخَ سَبَخاً وأَرض سَبِخة : ذات سِباخ . وفي الحديث أَنه قال لأَنس وذكر البصرة : إِن مررت بها ودخلتها فإِياك وسِباخَها , هو جمع سَبَخَة وهي الأَرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تُنْبِتُ إِلاَّ بعضَ الشجر ( .
موقع سبخة القصب .
تبعد سبخة القصب عند مدينة القصب حوالي أربعة كيلومترات إلى الجنوب منها ‘ وهي ذات مساحة واسعة فهي تقترب من النفود الغربي ( عريق البلدان ) وتصل شرقاً إلى الطريق العام القادم من الرياض إلى القصب حيث تظهر بعض المعالم لها على شكل مزهرات من الأملاح والسبخات في مجاري الوديان الدنيا .
ويغذي هذه السبخات أودية الحمادّة كلها تقريباً حيث تتجه الأودية من كل صوب لتستقر ملقية بأحمالها من الطمي والأملاح مُشّلة وسطاً من الأرض الفقيرة زراعياً ونباتياً ؛ حيث لا يعيش نبات ولا ينمو شجر سوى شجيرات الطرفا القزمية وبعض الشجيرات التي أصابها شلل في نموها لوجود الأملاح الشديدة التركيز التي عوّقتها كثيراً ‘ أما الأعشاب والحشائش فإنها لا توجد .
والأرض مستوية تماماً في أرض السبخة وهذا الإستواء نتيجة طبيعية فالرواسب شكلت السطح والمياه جعلته مستوياً .
وتحاط هذه الأرض السبخة بأرض أقل ملحاً ‘ ونظراً لجودة تربتها فقد أصبحت مزارع جادت بمحاصيلها من القمح وخاصة وقت غزارة الأمطار ‘ وبعضها يزرع بعلياً من الأمطار فقط ‘ وإذا انقطعت الأمطار فترة ولو قصيرة صارت تلك الأراضي ذات تربة تزداد فيها نسبة الملوحة .
|