|
ما زال المشهد الثنائي لمملكة آل سعود منقسماً طولياً إلى جانبين متناقضين يصعب دمجهما معاً أو تقريبهما من بعضهما ، لتوحيد صورة هذه المملكة العجيبة التي تضم أقسى مشاهد الفقر والجوع والعوز والمرض والتخلف ، إلى جانب أبهى مظاهر الترف والغنى الفاحش والنشأة العصرية ، والقصور الفخمة .
مملكة آل سعود تتألف من عالمين متناقضين تجمع بينهما الحدود واسم المملكة ، ويفرق بينهما كل ما عدا ذلك من أنماط الحياة والسكن والسلوك الاجتماعي والنظرة إلى السماء والأرض .
في مملكة آل سعود ، يمكن مشاهدة الأغنياء من الأمراء ورجال الأعمال وهم يقومون برحلاتهم إلى الخارج ، أحياناً في عطلة كل أسبوع بطائراتهم الخاصة ، فيلهون على راحتهم في المنتجعات الأوروبية والأميركية ، ويتوزعون على بلاجات كاليفورنيا ، أو على مراكز التزلج في سويسرا ، بينما الأقل حظاً يتسولون في البحرين أو بيروت أو القاهرة .
وفي مملكة آل سعود نفسها ، يمكن للمرء أن يتفحص أكواخ الصفيح المنتشرة حول وقرب المدن السعودية الكبرى ، حيث مظاهر البؤس وسوء التغذية وانعدام الخدمات الأساسية
والاكتظاظ السكاني في تلك الأحياء المحرومة من كل وسائل العيش الكريم .
ما بين جنة آل سعود وجحيم الحياة العامة للشعب ، ثمة هامش ضيق يتسع لشريحة وسطى صغيرة ومحدودة الإمكانات ، تحاول بكل السبل المشروعة وغير المشروعة ، أن تنتشل من حضيض الفقر إلى قمة الغنى والترف التي تتمتع بها القلة من الأمراء السعوديين ومديرى أعمالهم ، لكن هذه الشريحة لا تكفي لتشكل جسراً يربط بين العالمين المختلفين لمملكة آل سعود .
أكثر من نصف الشعب في مملكة آل سعود ما يزال يعاني من الأمية ، ومعدل الدخل العام للفرد ، باستثناء الأمراء والملتحقين بهم ، لا يزيد كثيراً عن معدل دخل الفرد في بلد مثل الصومال بالرغم من أنهم يعيشون في بلد يبلغ متوسط دخل الفرد فيه( نظرياً) أكثر من 20 ألف دولار سنوياً ، ويزيد صافي دخله القومي عن مائتي مليار في السنة ، وتزيد فوائده النقدية المودعة في بنوك أميركا وأوروبا عن ترليون دولار .
يعيش اليوم في جزيرة العرب حوالي ثمانية ملايين مواطن ، إلى جانب قرابة خمسة ملايين من الأجانب غالبيتهم من شرقي آسيا وجنوبها .
وبينهم قرابة مائتي ألف من الأوروبيين الذين يشكلون نخبة من رجال الأعمال ومديري الشركات والمؤسسات الأجنبية ، إلى جانب عشرات الآلاف من الخبراء العاملين في مجالات النفط والصناعة وتدريب قوى الأمن والجيش السعودي .
لقد أحدث وجود هذا العدد الكبير من الأجانب داخل مجتمع تقليدي محافظ ، جملة من التأثيرات الاجتماعية الخطيرة التي شملت أسلوب الحياة والعلاقات الاجتماعية والثقافية ، وخاصة بين سكان المدن الذين تحول قسم منهم إلى بروليتاريا معدمة تعمل بجهد ومشقة لتوفير ضروريات الحياة لأسرها .
وقد يصدم المرء عندما يكتشف أن اكثر من نصف شعب جزيرة العرب لا يزال يعيش في ظروف سكنية ومعيشية صعبة ،حيث تفتقر الأحياء الشعبية في المدن السعودية إلى المياه والكهرباء والمرافق الصحية الأساسية ،وفي آخر خطة خمسية وضعتها حكومة آل سعود للفترة من عام 2000 / 2005فقد تضمنت تلك الخطة إيصال مياه الشرب وأقنية الصرف الصحي والكهرباء إلى عشرات الآلاف من البيوت التي ما زالت تفتقر إلى مثل هذه المتطلبات الأساسية
وعلى الرغم من أن العاملين الأجانب من جنوب آسيا يؤلفون في الأساس الفئات الدنيا من الهرم الاجتماعي فإن ذلك لا يعني أن غالبية شعب الجزيرة العربية تعيش في ظروف أفضل بكثير ،وذلك خلاف ما توحي به المظاهر الخادعة للمدن السعودية الكبرى ،أو الأرقام الإحصائية التي تصدرها الدوائر الرسمية لحكومة آل سعود ،كذلك فإن حصة المزارعين من الإنتاج الداخلي الخام هي 1بالمائة فقط ،بالرغم من أنهم يشكلون حوالي ربع سكان المملكة ،وبينما يتفاخر آل سعود بأنهم قد وفروا سيارة لكل أربعة أفراد من السكان ،فإن مئات الألوف من الأسر لا تحلم بأن تمتلك سيارة ،حيث إن الأسر الغنية من حاشية الأمراء وحلفائهم تمتلك الواحدة منها خمسا وأحيانا عشر سيارات ، بينما لا تزال الدواب هي وسيلة التنقل الأساسية في الريف السعودي .
وبينما تفيض المخازن الكبرى ( السوبر ماركت ) في المدن السعودية بالمنتجات الغذائية القادمة من شتى أنحاء العالم ، لإرضاء أذواق العائلة المالكة وأتباعها ، فإن سوء التغذية لا يزال منتشرا بشكل واسع في البلاد ، كما أكد ذلك ، من بين جملة أمور أخرى ، استفتاء .قامت به صحيفة عكاظ حول مستوى انتشار سوء التغذية في البلاد ، حيث تبين أن حوالي ربع السكان لا يملكون المال لشراء الغذاء الكافي لأسرهم .
ومهما يكن من أمر ، خليج جدة ، والكورنيش فيها يرمزان ، كما يبدو ، إلى قطبي السلم الاجتماعي ، ففي أيام الخميس والجمعة ، يعج الكورنيش بالناس المحمل بعضهم بالطعام ، فيتسكعون على الكورنش ويتناولون الطعام عائليا وفي الأيام نفسها تتجه السيارات الفخمة الكاديلاك والروز رويس بأغلبها نحو القصور والفيلات المنتصبة وراء الأسوار العالية على امتداد الخليج ، يذهب إليها أعضاء العائلة المالكة والرأسماليون الكبار مسبوقين بالطباخين ومديرى الفنادق والخدم ، فيستجمون ويحتفلون على طريقهم .
هذا لا يمنع من أنه إلى جانب التفاوت الهائل بين مستوى معيشة عامة الشعب والخاصة من العائلة المالكة وأتباعهم ، فإن الأخلاق العامة باتت معرضة للتأثيرات السلبية ، بسبب عمليات التحديث الشكلية المسعورة التي يتعرض لها شعب الجزيرة العربية في السنوات الأخيرة ، بفعل تدفق الأجانب من البلاد غير الإسلامية ، وتدفق التكنولوجيا ووسائل الرفاهية على شريحة الأغنياء .
وبينما يمنع التلفزيون السعودي باسم الإسلام الوهابي ، كل البرامج والأفلام الاجتماعية التي تحظرها الرقابة الدينية على النشاط الفني ، فإن بعض البيوتات التي تختص ببيع أو تأجير أفلام الفيديو الطويلة الفاضلة أو غير الفاضلة جمعت ثروات طائلة ، حيث تعتبر مملكة آل سعود من أكبر مستوردي الأفلام الخلاعية التي تعرض في صالات نصف سرية ، أو في قصور آل سعود .
إن التمييز الفاضح في توزيع ثروة البلاد بين أقلية متخمة ، وبين أكثرية الشعب المحروم في جزيرة العرب ، مرشحة لمزيد من تعمق الحقد والكراهية التي يكنها معظم الشعب لآل سعود ، والتي بدأت تعبر عن نفسها بالانتفاضات وبأعمال المقاومة المسلحة ضد فساد آل سعود وتفردهم بالسلطة وثروات البلاد .
|