|
أرادت وزارة الداخلية أن تكفّر عن فعلتها بأن سمحت بجلسة علنيّة واحدة ألقت خلالها اتهاماتها الشاذّة والغريبة لدعاة الإصلاح بدون إثباتات ولا براهين، واستبشر البعض بأن الأمراء ـ الواثقين من أنفسهم ومن عدالة قضيتهم ضد الإصلاحيين ـ قد سمحوا بأن تكون المحاكمة علنيّة، والعلنيّة واحدة من عناصر المحاكمة العادلة، رغم شذوذ الاتهامات وعدم قانونية الاعتقالات.
لكن وزير الداخلية وإخوته اكتشفوا -بعد المديح الذي حصلوا عليه بدون حق- أن العلنيّة قد تفضح قضاءهم وعدالتهم المزيّفة، فما كان منهم في الجلسة التالية إلا أن اختاروا صالة صغيرة للمحاكمة ملؤوها برجال مباحثهم ولم يسمح حتى للمحامين وعوائل الإصلاحيين المعتقلين بدخولها!
فحدث بعض الهرج وسارع القاضي إلى إلغاء الجلسة، وبعد أسابيع أرادوا إجراء محاكمة سرية بأمر من وزير العدل المأمور هو الآخر من وزير الداخلية، ولم يبلغ المتهمون ولا محاموهم بوقت المحكمة إلا متأخراً. وكان من المتوقع أن يرفض الإصلاحيون الحديث أمام محكمة مسعودة مزيفة كهذه، فلم يجد القاضي إلا أن أغلق ملفاته وأجل المحاكمة إلى أجل غير مسمى، بالرغم من أن الاعتقاد السائد أن حكماً بالسجن سيصدر مهما كان الوضع وحتى بدون محاكمة، فلن تُعد عالنية للمحاكمة، والأمراء العادلون سيصرون كما هي عقليتهم على المضي إلى آخر الشوط باستخدام أهوائهم مقابل القانون.
هدم أربعة من المساجد السبعة
نفهم أن الوهابيين حسّاسون جداً تجاه القباب والقبور وما يعتبرونه من ممارسات شركية، ونفهم كما أننا لا نقبل أن تدمر بيوت الصحابة وبيت الرسول إضافة إلى الكثير من الآثار الإسلامية الممتدة إلى عصر النبوة وعصور الخلفاء الراشدين، بحجة مكافحة البدع والشرك والخشية من أن تعبد من دون الله!
لكن الذي لا نستطيع أن نستوعبه ونفهمه أو نقبله، أن تمتد يد الجهلة المتطرفين الوهابيين إلى المقابر وإلى مساجد قائمة منذ القرن الأول الهجري، فيتم إغلاقها وتسويرها أولاً، ثم تدمّر وتحول إلى أي شيء آخر، بحجة أن المعتمرين والحجاج يتبركون بتلك المساجد، التي عدّت كمساجد ضِرار، كما يقول الجاهل المتطرف الشيخ صالح الفوزان!
ولا نفهم، ونحن نعاني من التطرف والعنف الوهابيين، أن تطلق يد المتطرفين لتعبث بتراث المسلمين، بل وتراث المواطنين الذي يمكن أن يجتمعوا عليه.
لا ندرك المغزى والفائدة التي يجنيها صانع القرار السياسي من الإتيان على ما تبقى من تراث ومساجد أثرية بالتدميرً والتخريب. هل جاءت الموافقة الحكومية بغرض تحويل أنظار الوهابية إلى هدف آخر غير السلطة السياسية؟ أم أن ضرورات إعادة التحالف (السعودي) الوهابي اقتضت تقديم تنازل غير سياسي من قبل الأمراء، فكان العبث بمساجد المسلمين وتدميرها وتحويل بعضها إلى صراف عملة عملاً من صميم التحالف .. فإذا كان آل سعود لا يريدون تقديم تنازلات سياسية أو مادية، فليكن لمتطرفي الوهابية مكسب جديد وهو تدمير المساجد، وغداً إن تطلّب الأمر- وهو على ما يبدو آت - يتم فصل قبر رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام عن مسجده، كخطوة أولى لهدمه، وهو هدف الوهابية منذ احتلال الأماكن المقدسة في الحجاز منذ 1924.
إن العقلية التي تجد لزاماً عليها هدم المساجد، هي ذات العقلية التي تنشئ العنف، وهي ذات العقلية التي خنقت المجتمع واستعدت العالم عليه.
|